شوفت مـ,ـراتي وهي بتـ,ـر.ضـ,ـع ابني الكبير

مراتي بترضـ,ـع ابننا اللي عنده ١٥ سنة في السر كل نص الليل وأنا عمري ما كنت أعرف ولا حتى خطر على بالي، لحد ما شوفت بعيني.

كل حاجة بدأت يوم ما مراتي ولدت طفلنا التاني، يومها كنت فاكر إن ده أسعد يوم في حياتي وماكنتش أعرف إن الفرح ده وراه سواد هيطلع واحدة واحدة.

ابننا الكبير آدم كان عنده خمستاشر سنة ساعتها وكان مقيم في مدرسة داخلية في القاهرة، بنطمن عليه، نزوره وماكانش باين عليه أي تصرف غريب.

الدنيا كانت ماشية هادية، لحد يوم وأنا في الشغل، التليفون رن، رقم المدرسة، قلبي وقع في رجلي، حسيت إن المكالمة دي مش طبيعية.

المشرف قال بصوت جاد: يا أستاذ، ابنك بيختفي من أوضته نص الليل، مش بنلاقيه على السـ,ـرير ويرجع الصبح كأن ولا حاجة حصلت.

قلتله متلخبط: يعني إيه بيختفي؟ رد وقال: الموضوع اتكرر كذا مرة وحبينا نبلغك لأن ده تصرف مقلق ومش مفهوم.

قفلت التليفون وأنا متلخبط، رجعت البيت بسرعة، حكيت لمراتي كل حاجة، كنت مستني خوف وقلق، بس لقيتها هادية زيادة عن اللزوم.

هزت راسها وقالت: عيال السن ده بيتصرفوا بغرابة، سيبه، أكيد مفيش حاجة وكلامها صدمني أكتر من اللي سمعته من المدرسة.

استغربت برودها، الأم المفروض تخاف على ابنها، تسأل، تقلق، لكن هي كانت وكأن الموضوع لا يعنيها نهائي.

في نفس الأسبوع، لاحظت حاجة أغرب، مراتي كانت رافضة ترضع الطفل الصغير، الواد كان بيعيط ليل ونهار والجيران بقوا يشتكوا.

كل ما أطلب منها ترضعه، كانت تعيط وتحبس نفسها في الأوضة وتقول: مش قادرة، أرجوك ما تضغطش عليا وأنا مش فاهم السبب.

كل حاجة بقت مش منطقية، تصرفاتها، اختفاء ابني، بكاء الرضيع وحاسس إن في سر هي مخبياه عني.

لحد الليلة اللي غيرت كل حاجة، أكلنا ودخلنا ننام بدري، كنت صاحي شوية وفجأة الساعة اتناشر، حسيت بصوت رجلين.

قبل ما أتكلم، سمعتها بتهمس بصوت واطي: تعال يا آدم عشان ترضع، أبوك نايم ومش حاسس بحاجة والكلمة دخلت في وداني نار.

الدم نشف في عروقي، فاهم كويس يعني إيه، مش أكل، مش شرب، دي بترضعه، شحط عنده خمستاشر سنة، مش طفل.

عملت نفسي نايم، قامت بهدوء وخرجت وأنا وراها على أطراف صوابعي، مستخبي ورا الحيطة، قلبي بيخبط كأنه هيطلع.

في الصالة، النور خافت، شوفته، ابني الكبير، مش في المدرسة واقف مستني ومراتي قربته منها وقعدته في حـ,ـضنها.

طلعت صدرها وبدأت ترضعه وهو ساكت، عينه في الأرض، كأنه متعود والمشهد كسرني من جوه وخلى رجلي مش شايلاني.

سمعتها تقول بصوت بارد: أوعى تتكلم يا آدم، لو فتحت بوقك، أبوك هيروح ومش هيلحقه حد مهما حصل.

هز راسه من غير ما يتكلم وأنا واقف مستخبي، حابس نفسي، خايف أتنفس ومش قادر أصدق إن اللي قدامي حقيقي.

ضحكت ضحكة واطية وقالت: بعد سبع أيام، كله هيخلص وأبوك مش هيبقى موجود يشوف اللي جاي وأنا حسيت إن نهايتي قربت.

حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش وسؤال واحد بس كان في دماغي: مين الست اللي متجوزها؟ وازاي ابني اتحول لكده؟

مسكت مراتي بالصدفة وهي بترضع ابننا اللي عنده 15 سنة نص الليل، وأنا عمري ما كنت متخيل إني هشوف القرف ده في ببتي.

سمعتها بتهمس: آدم، تعال ارضع، أبوك نايم، إوعى تقول لحد، لو اتكلمت، أبوك هيروح، وصوتها كان واطي بس مليان تهديد.

ماكنتش نايم، كنت صاحي، سامع كل كلمة، وشايف كل حركة، مستخبي في الضلمة، مش قادر أتحرك، ولا أصرخ، ولا حتى آخد نفسي.

في اللحظة دي فهمت أخيرًا ليه مراتي رافضة ترضع ابننا الرضيع بقالها أسبوع كامل، رغم صراخه، ورغم توسلاتي ليها، ورغم تعبها الواضح.

اللي صدمني أكتر إن ابني المفروض يكون في المدرسة الداخلية، مش في البيت نص الليل، والأدهى إنه كان بيتصرف كطفل صغير، تايه، وهو بيرضع.

المشهد كان غلط، مكسور، يخوّف، وكل حتة في جسمي كانت بتصرخ إن في مصيبة كبيرة مستخبية ورا اللي أنا شايفه.

رجعت بهدوء أوضة النوم، تمددت على السرير، ومثلت إني نايم، قلبي كان بيدق جامد لدرجة خوفت تسمعه.

بعد شوية، مراتي دخلت الأوضة، زقتني بإيدها خفيف تتأكد إني نايم، وبعدين همست بكلام جمد الدم في عروقي.

قالت: الحمد لله خلصت سبع أيام، فاضل سبع أيام بس، وكل الغباء ده يخلص، والراجل ده يرتاح، وصوتها كان بارد.

صدري اتقبض، وإيدي كانت بترتعش تحت البطانية، وساعتها بس اتأكدت إن مراتي كانت عايزاني أمـ,ـوت بإيديها.

تاني يوم الصبح، ما قلتش ولا كلمة، اتعاملت طبيعي، باست الطفل، وخرجت بدري، وروحت على طول المدرسة الداخلية اللي فيها آدم.

وصلت بعد ساعتين، وشوفته لابس الزي، بيضحك مع صحابه، وكأن ولا حاجة حصلت، وكأن اللي شوفته بالليل كان وهم.

قربت منه وقلت بهدوء: يا آدم، رجعت البيت امبارح؟ رد بسرعة وقال: لا يا بابا، أكيد بتحلم، ولازم أدخل الحصة.

هرب من عيني، ونظرة وشه فضحته، وفي اللحظة دي حسيت بالخوف بيزحف جوايا واحدة واحدة من غير ما آخد بالي.

وهو ماشي، سمعته بيتمتم: الراجل الغبي ده مش فاهم حاجة، لما أخلص منه، هيعرف أنا مين، وكلامه خلاني أرتعش.

قبل ما أمشي، وقفني مشرف المدرسة، وقال: ابنك بقاله فترة بيتصرف بغرابة، بيختفي كل نص الليل، ويرجع الصبح، ومحدش فاهم إزاي.

سألته لو في حاجة تانية، قال: من أسبوع، مراتك بتيجي كل يوم، وتدي آدم خمس مكعبات مرقة، وتمشي بسرعة من غير كلام.

كل حاجة ركبت في دماغي، أسبوع من غير رضاعة للرضيع، أسبوع مكعبات، أسبوع اختفاء، والليلة اللي شوفته فيها بيرضع.

طلعت من المدرسة تايه، وقررت أروح لشيخ معروف في بلد بعيدة، كنت محتاج تفسير، حماية، أو أي حد يفهمني اللي بيحصل.

في الطريق، الزحمة وقفت فجأة، ناس متجمعة حوالين بعض، صريخ عالي، وريحة وحشة في الهوا خلتني أحس بالغثيان.

نزلت من العربية وسألت في إيه، واحدة قالت: الست دي ميتة بقالها أسبوع، والجـ,ـثة حالتها صعبة، ومش عارفين نوصل لأهلها.

قربت بالعافية، قلبي بيدق، وبمجرد ما بصيت، رجلي خانتني، الست اللي على الأرض كانت مراتي.

مراتي.

صرخت من قلبي: يا رب!.

اللي صدمني أكتر إن ابني المفروض يكون في المدرسة الداخلية نص الليل، طب إزاي كان هنا؟ وليه مراتي بترضعه وهو عنده خمستاشر سنة؟ الأسئلة كانت بتلف في دماغي ومش لاقية إجابة.

قررت أطلع بالعربية لمدينة بعيدة عن بيتنا، كنت محتاج أقابل شيخ العيلة، يمكن يفهمني اللي بيحصل، بس في الطريق دخلت في زحمة خانقة.

وقفت، نزلت من العربية، ولقيت ناس متجمعة، وريحة وحشة خانقة في الهوا، ريحة جسم بقاله أيام، قلبي اتقبض قبل ما أقرب.

قربت واحدة واحدة، وبصيت، والدنيا لفت بيا، الست اللي مرمية على الأرض كانت مراتي… ربيكا.

صرخت من غير ما أحس: يا رب!

لو ربيكا ميتة وبقالها أسبوع، مين الست اللي كنت عايش معاها في بيتي؟

جسمي كله ساقع، نفسي تقيل، الدنيا بتلف، وبمساعدة شوية رجالة نقلنا الجثـ,ـة للمشـ,ـرحة، وإيدي كانت بترتعش ومش قادرة أسيطر عليها.

من هناك، روحت جري على شيخ العيلة، أول ما شوفته انهارت، حكيتله كل حاجة، اختفاء ابني، المكعبات، الرضاعة، والجـ,ـثة اللي شفتها بعيني.

الشيخ سكت شوية، باصص في الأرض، وبعدين رفع عينه وقال كلام وقع عليا زي السـ,ـكينة.

قال: يا هشام، الست اللي في بيتك مش مراتك… دي أختها التوأم.

صرخت: إيه؟ ربيكا عمرها ما قالتلي إن ليها أخت توأم!

قال بهدوء: الأخت دي جاية تنتقم، كانت عارفة كل حاجة، وبتستغل ابنك، علشان كده كانت رافضة ترضع الرضيع، لأنها معندهاش لبن.

كمّلت وأنا سامع قلبي: المكعبات اللي بتديهاله كانت تجهيز، ورضاعته جزء من اللي بتعمله، وبعد أربعة عشر يوم، أنت وابنك تكونوا انتهيتوا.

وقعت على ركبي، صرخت: بالله عليك يا شيخ، أعمل إيه؟ أنا هضيع.

قام الشيخ، جاب زجاجة مية، وقال: خدها، ولما ترجع البيت، حط فيها ملح من عندك، وخلي ابنك يشربها، هيفوق، وهي هتتلخبط وتعترف.

مسكت الزجاجة ومشيت جري على البيت، وأنا فاكر إن الأمل رجعلي من جديد.
لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن شيخ صغير كان سامع كل الكلام، وكان متفق سرًا مع أخت مراتي التوأم.

أول ما مشيت، كلمه في التليفون وقال: هشام عرف كل حاجة، راجع بالميه، لازم تتحركي بسرعة.

على الطرف التاني، ضحكت الأخت وقالت: ما تقلقش، أنا عارفة أعمل إيه.

لما رجعت البيت، حاولت أتصرف طبيعي، ابتسمتلي وقالت بنعومة: عامل إيه؟

قلت: تمام، رايح المدرسة أدي آدم حاجة، وحطيت الزجاجة على الترابيزة ودخلت أجيب الملح.

أول ما خرجت، دخلت الأوضة بهدوء، فتحت الزجاجة، وحطت فيها سم فئران، وهمست: نشوف هيكمل النهار ولا لأ.

قفلت الزجاجة بابتسامة سودا، وأنا رجعت، حطيت الملح، ومشيت على المدرسة… من غير ما أعرف اللي حصل.

ليه الأخت بتعمل كده؟

وهل آدم هينجو ولا النهاية قربت؟

وقف هشام جنب الطريق، ماسك زجاجة مية صغيرة، إيده بترتعش جامد، الزجاجة دي كانت الأمل الوحيد اللي فاضل ينقذ ابنه اللي عنده خمستاشر سنة من مـ,ـوت بطيء كان بيحصل كل نص الليل.

كان حاسس إن الزجاجة دي فيها روحه، فيها نفس ابنه، فيها آخر فرصة قبل ما كل حاجة تضيع، وصدره كان مقفول كأن حد حاطط حجر تقيل عليه.

وهو بيجري ناحية عربيته بسرعة، خبط فيه واحد فجأة من غير ما ياخد باله، جسمه اتلخبط، والزجاجة فلتت من إيده في ثانية.

وقعت على الأرض، خبطت، ودحرجت قدامه، ودخلت في بالوعة المية قبل ما يلحق يعمل أي حاجة.

صرخ هشام صرخة مكتومة، والعربيات حواليه كانت بتزمّر، والناس بتعدّي، ولا حد حاسس إن حياة طفل بتغرق قدام عينه.

شاف المية الوسخة وهي بتبلع الزجاجة واحدة واحدة، وحس كأنها بتبلع ابنه معاها.

همس بصوت مكسور: دي حياة ابني…

رجليه كانت بتتهز، وظهره اتقوس، وحس إن الدنيا بتلف بيه.

طلع تليفونه بإيد بتترعش وكلم شيخ العيلة، صوته كان مبحوح وهو بيعيط: بالله عليك، الزجاجة وقعت وضاعت، كل حاجة راحت، ابني هيمـ,ـوت.

سكت الشيخ شوية، السكون كان تقيل، وبعدين قال بصوت هادي لكنه حاسم: ارجعلي فورًا، ربنا مش هيكسرك، ولسه في فرصة، بس لازم تلحق.

هشام قفل المكالمة، جري على العربية، وساق كأنه مجنون، مش شايف الطريق، ولا سامع كلاكسات، ولا حاسس غير بنبض قلبه.

وصل عند الشيخ، قعد يدعي معاه، الشيخ صلى ودعاله، واداله زجاجة مية تانية، وقاله بجدية: اجري، الوقت بيخلص، وكل ثانية فارقة.

مسك الزجاجة وكأنها كنز، وطلع جري، ركب العربية، واتجه على طول ناحية مدرسة آدم.

قلبه كان بيدق بسرعة غريبة، أفكار سودا بتهاجمه، خايف يكون اتأخر، خايف يوصل يلاقي ابنه ضاع منه.

لما وصل المدرسة، شاف منظر وجعه، آدم كان قاعد لوحده تحت شجرة، بيكلم نفسه، جسمه ضعيف، ضهره محني، وعنيه فاضية.

هشام نزل من العربية وهو بيجري، وقع على ركبه قدامه، حـ,ـضنه وقال وهو بيعيط: اشرب يا ابني، عشان خاطري، دي آخر حاجة ممكن تنقذك.

آدم بص للزجاجة وقت طويل، كأنه مش فاهم هي إيه، وبعدين مد إيده وشربها على مهله.

هشام كان حابس نفسه، عينه مش سايبة وش ابنه، مستني أي حركة، أي نفس.

عدت دقايق تقيلة، أطول من العمر كله، وفجأة جسم آدم بدأ يرتعش بعنف، المدرسين جريوا، في صريخ، في خوف.

هشام حـ,ـضنه جامد، كان بيبكي وبيقول: سامحني يا ابني، سامحني إني ما لحقتكش بدري.

وبعد لحظة، كل حاجة سكتت، الصريخ وقف، الرجفة هدّت.

رفع آدم راسه وبص في عين أبوه، وقال بصوت واطي هادي: بابا؟

الصوت ده كسر هشام، انهار في العياط، ابنه رجع، رجع لعقله، رجع إنسان.

وفي نفس اللحظة، بعيد عن المدرسة، في بيت هشام، صرخة قوية شقت الشارع.

داليا خرجت تجري، هدومها مقطوعة، شعرها في إيديها، بتضحك وتعيط، وتصرخ: أنا اللي قتـ,ـلتها! أنا اللي عملت كل ده!

وقعت على الأرض، بتكرر الكلام، والجيران اتلموا، حد اتصل بالشرطة.

اعترفت بكل حاجة، قـ,ـتل أختها التوأم، استغلال آدم، وخطتها إنها تقتـ,ـل هشام بعد ما تخلص من ابنه.

الشرطة خدتها، وعقلها كان رايح خلاص، كلامها ملخبط وضحكتها مرعبة.

آدم تعافى بعد اليوم ده، رجع طبيعي، رجع طفل، ونهى اتدفـ,ـنت أخيرًا، وارتاحت بعد رعب طويل.

البيت سكت، لكن الذكريات فضلت.

النهاية

أحيانًا الحاجة اللي تفتكرها خيبة، تطلع رحمة من ربنا، الزجاجة اللي ضاعت كانت سبب إن آدم يعيش.

وكل واحد عمل شر، مهما طال، لازم يدفع تمنه.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *