امي وولادي حكايات دنيا اشرف

كان ماشي يتمشى بهدوء في جنينة مع أمه… وفجأة وقف مكانه لما شاف طليقته نايمة على دكة، وجنبها طفلين رضّع… واللي عرفه بعدها قلب حياته كلها.

كان عصر من عصريات أكتوبر الهادية في القاهرة، الشمس لونها دهبي ناعم، وكل حاجة شكلها أهدى وأحنّ من حقيقتها.

ورق الشجر بيجري على الممرات في جنينة عامة.

ناس بتجري، وناس بتمشي، وصوت عصافير جاي من الشجر اللي ورقه خفّ.

بس كريم ماكنش حاسس بأي حاجة من ده.

لا الهوا…

ولا الأصوات…

ولا حتى صوت أمه الهادي وهي ماشية جنبه.

لأن أول ما بص على آخر الجنينة… حس إن كل حاجة جواه وقفت.

هناك… على دكة خشب قديمة، لونها متقشر من الزمن… كانت قاعدة آخر واحدة كان ممكن يتخيل يشوفها تاني.

سارة.

طليقته.

الست اللي كان عايش معاها زمان في شقة صغيرة فوق فرن عيش في شبرا… أيام ما كان عندهم أحلام أكتر من الفلوس، وحب أكبر من قدرتهم يحافظوا عليه.

كريم هدّي خطوته… ووقف خالص.

لحظة… ومش عارف ياخد نفسه.

أمه، أمينة، خدت بالها فورًا. مسكت دراعه وقالت بقـ,ـلق:

“كريم؟ مالك يا ابني؟”

ما ردش.

كان بس مركز عينيه عليها.

سارة كانت نايمة على الدكة، راسها ميلة سنة، وخصلات شعرها واقعة على خدها والهوا بيحركها. لابسة جاكيت خفيف أوي على الجو البارد… ومن بعيد باين إنها مرهقة جدًا.

مش تعب يوم…

ده تعب سنين.

تعب بيقعد جوا الواحد لما الدنيا تضغط عليه زيادة.

وفجأة… كريم شاف اللي جنبها.

وجسمه كله تلّج.

طفلين.

في الأول عقله رفض يصدق… المنظر قدامه كان غريب، كأنه مش حقيقي.

بس كانوا موجودين.

طفلين صغيرين جدًا، نايمين جنب بعض على الدكة.

واحد ملفوف في بطانية صفرا ناعمة،

والتاني في بطانية خضرا فاتحة.

خدودهم حمرا من البرد…

ونفسهم هادي…

صغيرين وضعاف… ومكانهم في نص الجنينة كان غلط لدرجة خلت قلب كريم يخبط جامد في صدره.

ورا منه، أمه شهقت:

“يا ساتر يا رب…”

الصوت صحّى سارة.

فتحت عينيها بالعافية، باين عليها النعاس والتوهان… لحظة ومش فاهمة هي فين، وبعدين عينيها وقعت على كريم.

ووشها اتغيّر.

“كريم…”

قالت اسمه بصوت واطي ومتعب.

لا مستغربة…

ولا خايفة…

بس مكسورة.

كريم قرّب، وصوته طلع ناشف:

“إنتي بتعملي إيه هنا؟”

وبص للطفلين:

“ومين دول؟”

سارة حطت إيدها بسرعة على البطانية الخضرا، كأنها بتحمي الطفل.

وبعدين بصتله.

عيونها هادية… زيادة عن اللزوم.

“دول ولادي…”

قالتها بهدوء.

وفي اللحظة دي… كريم حس إن الأرض بتتميد من تحته.

لأن من سنة… سارة اختفت من حياته فجأة، وسابت وراها وجع وأسئلة هو كان رافض يدور على إجاباتها.

ودلوقتي… قاعدة قدامه على دكة في جنينة، مهدودة ومش قادرة تستحمل… ومعاها طفلين عمره ما سمع عنهم.

والحقيقة اللي ورا اختفائها… كانت أكبر بكتير من إنه يستوعبها.

كريم فضل واقف مكانه، مش مستوعب… كأن كل اللي حواليه اختفى، وما بقاش فيه غير سارة… والطفلين.

صوته طلع بالعافية:

“ولادك؟! يعني إيه ولادك؟! إنتي اختفيتي سنة كاملة… وفجأة أرجع ألاقيكِ كده؟!”

سارة بصتله شوية، وسكتت… كأنها بتجمع قوة تقول اللي جواها.

أمه أمينة قرّبت خطوة وقالت بهدوء:

“يا بنتي… اقفي الأول… شكلك تعبانة أوي.”

سارة هزت راسها برفض خفيف:

“لا… أنا كويسة…”

بس واضح إنها مش كويسة خالص.

كريم بص للطفلين تاني… وبعدين رجعلها:

“مين أبوهم؟”

السؤال طلع حاد، ومليان وجع أكتر من غضـ,ـب.

سارة غمضت عينيها لحظة… وبعدين قالت:

“إنت.”

كريم حس كأن حد ضربه.

“إيه؟!”

“الطفلين دول… ولادك يا كريم.”

الدنيا لفت بيه… قعد على طرف الدكة قدامها وهو مش قادر يستوعب:

“إزاي؟! ليه ما قولتيش؟! ليه اختفيتي؟!”

دموع سارة بدأت تنزل، بس صوتها فضل هادي:

“فاكر اليوم اللي سيبنا فيه بعض؟ لما اتخانقنا خناقة كبيرة؟”

كريم سكت… فاكر كويس.

“أنا يومها كنت عارفة إني حامل… بس إنت قلتلي إنك تعبت، وإنك مش قادر تكمل، وإننا غلطنا لما استعجلنا في الجواز…”

صوته انكسر:

“بس ده ما كانش معناه—”

قاطعتُه بهدوء:

“بالنسبالي كان معناه إنك خلاص مش عايزني… ولا عايز أي حاجة تربطك بيا.”

سكتت لحظة… وبعدين كملت:

“مشيت… وقررت أواجه لوحدي.”

كريم بص لها بصدمة:

“لوحدك؟! سنة كاملة؟!”

هزت راسها:

“اشتغلت… تعبت… كنت بنام ساعات قليلة… وولدت لوحدي…”

أمه أمينة حطت إيدها على بقها من الصدمة:

“يا نهار أبيض…”

سارة بصت على الطفلين بابتسامة ضعيفة:

“كنت فاكرة هقدر… بس الحقيقة إني خلاص مش قادرة…”

كريم حس بقلبه بيتقبض:

“يعني إيه؟”

بصتله في عينه لأول مرة بثبات:

“أنا ما جيتش هنا صدفة… أنا دورت عليك.”

سكتت لحظة… وبعدين قالت:

“كنت جاية أسيبهم لك.”

الكلمة وقعت تقيلة جدًا.

“إيه؟!”

“أنا تعبت يا كريم… مش قادرة أكمل لوحدي… وهما يستاهلوا يعيشوا حياة أحسن… مع أبوهم.”

كريم قام واقف بعصبية:

“إنتي بتهزري؟! ده حل؟! تسيبيهم وتمشي؟!”

دموعها نزلت أكتر:

“أنا مش بسيبهم علشان مش عايزاهم… أنا بسيبهم علشان بحبهم.”

الصمت وقع بينهم.

صمت تقيل.

كريم بص للطفلين… صغيرين جدًا… مالهمش ذنب في أي حاجة.

وبعدين بص لسارة… تعبانة، مهدودة، وواضح إنها وصلت لآخر طاقتها.

وفجأة… صوته هدي.

“إنتي مش هتسيبيهم.”

سارة بصتله باستغراب.

كمل:

“ولا هتمشي لوحدك… ولا هتواجهي ده لوحدك.”

أمه ابتسمت بهدوء لأول مرة:

“البيت بيتسع للجميع يا بنتي.”

سارة دموعها وقفت لحظة… كأنها مش مصدقة.

كريم قرّب خطوة وقال:

“أنا غلطت… وإنتي غلطتي… بس دول مش ذنبهم يدفعوا تمن ده.”

بص للطفلين، وبعدين رجعلها:

“إحنا نبدأ من جديد… علشانهم.”

سارة انهارت في العياط… بس المرة دي مش من التعب… من الراحة.

بعد شهور…

البيت بقى مليان صوت عياط وضحك.

كريم بقى أب حقيقي… بيتعلم كل يوم.

وأمينة بقت جدة مش بتسيبهم لحظة.

وسارة… رجعت تبتسم تاني.

يمكن الحياة ما رجعتش زي الأول…

بس بقت أحسن.

علشان المرة دي…

مافيش حد فيهم بيحارب لوحده ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *