رجعت البيت بدري
الجزء الأول
أنا رجعت البيت بدري عشان أفاجئ بنتي في عيد ميلادها الـ16… لكن أول ما دخلت حسّيت إني داخل مقبرة. بنتي “ملك” كانت مرمية على الأرض جنب شنطتها المدرسية، والدم متجمع حواليها. وشها كان متشوّه من الضرب لدرجة إني بالعافية عرفتها.
الشرطة قالت إن اللي حصل مجرد “سرقة”، لكن أنا شفت حاجة هما ماخدوش بالهم منها. نظام الإنذار ما اتكسرش… كان متقفل من جوه.
الوحوش اللي دمّروا حياة بنتي ما اقتحموش بيتنا…
حد فتح لهم الباب.
وماكانوش عارفين إنهم أعلنوا حرب على واحد قضى عمره بيطارد المجرمين ويواجه أخطر الناس.
“الخونة مش هيعدّي عليهم الليل.”
—
أنا دخلت أماكن كتير في حياتي، أماكن كان كل ركن فيها ممكن يخبي الموت.
سمعت رصاص يعدّي جنب وداني، وشميت ريحة الكاوتش المحروق في طرق صحراوية مفيهاش نور، ونمت ليالي طويلة وأنا لابس الجزمة العسكرية لأن النوم هناك ماكانش نوم حقيقي.
خمستاشر سنة والناس بتقول عليا إني ثابت… هادي… متحكم في أعصابي.
الراجل اللي الناس تحب يكون جنبها وقت الكوارث.
بس ولا كل ده جهّزني للحظة اللي وقفت فيها قدام باب بيتي.
—
العربية نزلتني في شارع هادي في التجمع الخامس حوالي الساعة أربعة العصر.
شمس مايو كانت دافية، منورة الشوارع والفلل المرتبة والجنائن الصغيرة. منطقة كلها هدوء. الجيران بيسلموا على بعض، والأطفال بيلعبوا بالعجل في الشارع.
مكان يخليك تحس إن الشر نفسه هيكسف يظهر فيه.
كنت راجع بدري عشان أفاجئ بنتي.
“ملك” هيبقى عندها ستاشر سنة بعد يومين.
والمرة دي كنت عايز أبقى موجود قبل التورتة، قبل الشمع، وقبل الابتسامة الصغيرة اللي كانت دايمًا بتبعتها لي في مكالمات الفيديو وهي بتقول:
“ولا يهمك يا بابا… عارفة إنك حاولت.”
ماقولتش لمراتي “هبة” إني جاي.
وماقولتش لملك كمان.
كنت عايز أدخل فجأة، أشوف فرحتها، وأعيش ليلة واحدة كأني أب طبيعي مش راجل شغله بيبعده عن أهله طول الوقت.
—
وأنا طالع على مدخل الفيلا، لاحظت حاجة.
الباب الرئيسي كان مفتوح.
مش مفتوح للآخر…
موارب سنة بسيطة.
كفاية تخلي أي أب ينادي:
“في حد هنا؟”
لكن الجندي اللي جوايا اشتغل قبل الأب.
واختفت الابتسامة من وشي.
—
الشارع ورايا كان طبيعي جدًا.
رشاش المية شغال في جنينة الجار.
كلب بينبح بعيد.
وعربية توصيل معدية من آخر الشارع.
لكن جوايا كان فيه إحساس أسود بيكبر كل ثانية.
طلعت على السلم ودفعت الباب بصباعين.
“هبة؟”
صوتي دوّى في البيت.
مفيش رد.
—
البيت كانت فيه ريحة غريبة.
مش حريق.
ومش أكل بايظ.
ريحة معدنية حادة…
ريحة أعرفها كويس.
ريحة دم.
—
دخلت الصالون.
كل حاجة مكانها.
المخدات مترتبة.
الريموت على الترابيزة.
وكوباية عصير نصها مليان جنب كشكول الرياضيات بتاع ملك.
مفيش دولاب متكسر.
مفيش حاجة مقلوبة.
مفيش أي أثر لسرقة.
—
وبعدين بصيت على الطرقة.
وشفت بنتي.
مرمية على الأرض.
في اللحظة الأولى عقلي رفض يستوعب.
شفت مجرد جسم صغير…
حزام شنطة.
شراب واقع من رجلها.
وبعدين استوعبت.
دي ملك.
وبكده الدنيا كلها وقعت فوق دماغي.
—
“لا… لا يا حبيبتي…”
وقعت على ركبتي جنبي بعنف.
وشها كان متورم.
مليان كدمات.
شعرها متغرق دم ناحية الجبهة.
وصوابعها مقبوضة على نفسها كأنها فضلت تقاوم لآخر لحظة.
حطيت إيدي على رقبتها.
مفيش حاجة.
ثانية…
اتنين…
وبعدين حسيت بيه.
نبض.
ضعيف جدًا.
لكنه موجود.
وبيحارب.
—
طلعت الموبايل واتصلت بالإسعاف وأنا حاطط إيدي على رقبتها.
كنت خايف لو شلت إيدي النبض يختفي.
“بنت عندها ستاشر سنة… إصابة خطيرة في الرأس… لسه بتنفس… ابعتوا إسعاف حالًا.”
الأسئلة كانت بتنزل عليّ.
وأنا برد زي الآلة.
العنوان.
الحالة.
هل في اعتداء؟
هل المكان آمن؟
هل هسيبها؟
لا.
مستحيل.
—
بعد دقائق بدأت أسمع صوت السرينة.
مسكت إيد ملك.
وقعدت أكلمها.
مش فاكر قلت إيه.
فاكر بس إن إيدها كانت ساقعة.
وإن فيه دم تحت ضوافرها.
كانت قاومت.
بنتي الصغيرة قاومت ناس أكبر منها وأقوى منها في نفس الطرقة اللي علمتها فيها زمان تربط جزمتها.
—
في المستشفى أخدوها بسرعة على العمليات.
النور الأبيض اختفى ورا الأبواب.
وبعد حوالي عشرين دقيقة وصلت هبة.
شعرها منكوش.
المكياج سايح من العياط.
هدومها متلبسة على عجلة.
أول ما شافتني ارتمت عليا.
“يا كريم… ملك فين؟ عايشة؟”
بلعت ريقي بصعوبة.
“في العمليات… بيحاولوا ينقذوها.”
طلعت منها صرخة عمري ما سمعتها منها قبل كده.
—
بعد ساعة دخل ظابط المباحث.
اسمه الرائد سامح.
كان لابس جاكيت بني وريحة السجاير باينة عليه.
بص على القميص المتغرق دم اللي عليا.
لكن ما بصش في عيني.
وقال بمنتهى البرود:
“واضح إنها سرقة.”
بصيت له.
“سرقة؟”
هز كتفه.
“حصلت كام واقعة شبه دي الفترة الأخيرة. غالبًا اللصوص دخلوا البيت وبنتك شافتهم.”
حسيت دمي بيغلي.
“بنتي كانت جوه بيتها.”
قال:
“أنا عارف إنك متوتر.”
وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة.
الراجل ده مش هيحل الق*ضية.
وأغلب الظن… أنا اللي هكتشف الحقيقة بنفسي.
يتبع…
الجزء الثاني
الكلام اللي سمعته من أخويا خلّى الدم يتجمد في عروقي.
أنا بعيني شفت تلاتة دخلوا البيت.
ورايدر قال إنه كان السواق.
وفليكس بيقول إنه كان مستني في العربية.
يبقى مين كان الشخص التالت؟
شدّيت أخويا من هدومه أكتر.
“مين كان جوه يا فليكس؟”
عينيه اتحركوا يمين وشمال وهو بيحاول يهرب من الإجابة.
“أنا… أنا معرفش.”
ضربته بإيدي على الحيطة وقلت:
“آخر مرة هسألك.”
انهار فجأة.
“كان دومينيك.”
سكت ثواني.
“دومينيك بنفسه دخل.”
سيبته يقع على الكنبة.
دومينيك.
الاسم ده كنت سمعته قبل كده.
مش مجرد بلطجي بيجمع ديون.
ده راجل معروف في عالم الج*ريمة المنظمة، وكل اللي بيشتغلوا معاه بيخافوا منه.
ولو هو نزل بنفسه في العملية، يبقى الهارد اللي كانوا بيدوروا عليه أهم بكتير مما كنت متخيل.
—
رجعت المستشفى قبل الفجر.
أول ما دخلت الرعاية المركزة شفت هبة قاعدة جنب سرير ملك.
كانت باين عليها إنها ما نامتش لحظة.
أول ما شافتني قامت بسرعة.
“كريم… كنت فين؟”
بصيت لها من غير ما أرد.
وشها شحب.
هي عرفت.
عرفت إني اكتشفت كل حاجة.
قعدنا في أوضة الانتظار لوحدنا.
وأول ما الباب اتقفل قلت:
“إنتي اديتيهم الكود.”
دموعها نزلت فورًا.
“اسمعني بس…”
“إنتي اديتيهم الكود.”
“ماكنتش أعرف إنهم هيعملوا كده.”
“بس اديتيهم الكود.”
انهارت تمامًا.
وحكت كل حاجة.
—
من شهور، فليكس كان غرقان في ديون قمار.
في الأول كانت مبالغ صغيرة.
بعدين دخل مع ناس أكبر.
وأخطر.
ولما معرفش يسدد، دومينيك هدده بالق*تل.
فليكس راح لهبة يبكي ويترجاها تساعده.
وفي الأول رفضت.
لكن بعدها وصلتها صور لفليكس متربط ومضروب.
ورسالة واحدة:
“الكود مقابل حياته.”
قالولها إنهم محتاجين حاجة من الخزنة.
بس.
وإن البيت هيبقى فاضي.
وإن محدش هيتأذى.
—
“أنا كنت فاكرة ملك في الدرس.”
قالتها وهي بتنهار.
“والله كنت فاكرة إنها برا البيت.”
أنا ما رديتش.
لأن جزء مني كان مصدّقها.
وجزء تاني عمره ما هيقدر يسامحها.
—
وأنا خارج من الأوضة، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت راجل هادي جدًا قال:
“واضح إنك بتدور علينا يا كريم.”
سكت.
“دومينيك؟”
ضحك.
“أذكى مما توقعت.”
“فين الهارد؟”
“سؤال غلط.”
قلت ببرود:
“يبقى اسأل الصح.”
قال:
“السؤال الصح هو… بنتك هتصحى إمتى؟”
اتجمدت مكاني.
وكمل:
“أصل لو صحت، ممكن تفتكر حاجة إحنا مش عايزينها تفتكرها.”
وقفلت المكالمة.
—
جريت على الرعاية المركزة.
دخلت أوضة ملك.
وقفت جنبها.
بصيت لوشها المتغطي بالكدمات والأجهزة.
وفجأة…
سمعت صوت ضعيف جدًا.
الممرضة صرخت:
“دكتور! بسرعة!”
بصيت على ملك.
صوابعها اتحركت.
وشفايفها اتحركوا بالكاد.
قربت ودني منها.
ووسط الأجهزة والتنفس الصناعي سمعتها بتقول كلمة واحدة.
كلمة خلت قلبي يقف.
“بابا… ماما…”
ثم فقدت الوعي من جديد.
وقفت مكاني مصدوم.
لأن الكلمة دي معناها حاجة واحدة.
ملك كانت بتحاول تقول إن أمها كانت موجودة…
أو إنها شافت أمها قبل الهجوم مباشرة.
وفي اللحظة دي فهمت إن الحقيقة لسه أبشع بكتير مما كنت متخيل.
يتبع…