بنتي اتجوزت بقلم زهره الربيع

بنتي اتجوزت بعيد عني.. سافرت لآخر الدنيا في الصعيد وبقالي يومين كل ما اسأل عنها جوزها يطلعلي بحجه ..ولما ردت عليا اخيرا قالتلي جمله خلت قلبي هيقف وسافرتلها في نص الليل.
بنتي اتجوزت في الصعيد بعيد عني ورغم المسافة، مكنش بيعدي يوم من غير ما أكلمها فيديو كول.
أول امبارح، جوزها قالي إنها واخدة دور برد شديد ونامت بدري.
وامبارح، قالي زورها واجعها ومش قادرة تتكلم.
لحد النهاردة، لما طلع وقالي إنها بقت زي الفل وصحتها بومب.
شفتها في الشاشة، كانت قاعدة هادية ومستكينة ومرسومة على وشها ضحكة رقيقة.
ضحكت وسألتها
أنا بفكر أطلع رحلة كام يوم كدة.. إيه رأيك أروح الفيوم يا مريم؟
بنتي ردت عليا في ثانية
لأ يا ماما، روحي رأس البر أحسن.
في اللحظة دي، جسمي كله قشعر، وحسيت برعشة في ضهري.
جسمي عرق في ثانية!
أول ما قفلت السكة، قمت جري لميت هدومي في الشنطة.
المسافة من بيتنا هنا في طنطا لحد بلد جوزها مدحت في قنا، أكتر من 600 كيلومتر.
لو فكرت أركب مواصلات، هضطر أخد القطر السريع وبعدين أغير لميكروباصات تانية تمشي في مدقات جبلية، وأقرب ميعاد سفر هيكون بكره العصر.
بس أنا مكنتش قادرة أستنى ثانية واحدة.
كلمت ابني أحمد وقولتله يدور العربية ويجهز عشان هنسافر حالاُ.
لما عرف إننا رايحين لأخته، فرح جداً وزعق من الفرحة.
من يوم ما أخته اتجوزت وسافرت الصعيد، مكنتش بتنزل غير مرة واحدة في السنة، والمرة دي بقالنا قرب سنة كاملة مشوفناش بعض.
استنيني يا أمي خمس دقائق.. هعدي على المحل أجيب جوزين الحمام المحشي اللي أختي بتموت فيهم.
شاورتله بإيدي وقولتله
مش لازم حمام.
أومال أجيب إيه؟
انزل هاتلي شاقوف بلطة صغيرة من عند الموان.
أحمد تنح وتنّح ووشه اتخطف
بلطة يا أمي؟! وإحنا رايحين

ل أختي هناخد معانا بلطة ليه؟!
المطاوي والسكاكين الكبيرة بتبقى سلاح أبيض وممنوعة في الأكمنة، لكن البلطة تعتبر عدة شغل عادي.
بصلي وهو مش فاهم حاجة خالص
هو في إيه يا ماما؟ إحنا مش رايحين نزور أختي برضه؟
رديت عليه ببرود وثبات
أختك كانت بتقولي إن الطريق الجبلي عندهم فيه شجر شوك وبوص كتير بيقفل السكة، وساعات بيحتاجوا يقطعوه.. أهو ينفعنا.
أحمد هز رأسه وهو مش مقتنع أوي، بس نزل جري وهو مستعجل.
فكرت ثانية وندهت عليه من البلكونة
بقولك إيه! بلاش حمام خالص.. أختك حامل ومش هتقدر تأكل الحاجات دي.
عينه لمعت من الفرحة
أختي حامل؟! يعني أنا هبقى خال؟ يا فرج الله! ده أنا لازم أشتريلها لعب وحاجات للبيبي بقى!
قدامك بالضبط عشرين دقيقة.. لو متلقيتكش قدامي، هسوق أنا وأمشي.
كنت خايفة بنتي ميكونش عندها وقت تستنى كل ده.
أحمد نزل السلم زي الطلق، هو أصلاً بيلعب ألعاب قوى وجسمه رياضي وطويل، حركته سريعة جداً.
استغليت الوقت ولميت باقي الحاجات، وفكرت ثانية وقمت حاطة في الشنطة مسن حديد من بتاع المطبخ.
البلط اللي بتتباع في السوق اليومين دول بتبقى حديد صاج خفيف، خبطتين والشفة بتاعتها تتلم.. لازم تتدق وتتسن كويس.
مكملش العشرين دقيقة وكان واصل، غرقان في عرقه، دخل الحمام أخد دش سريع على الماشي.
أنا نزلت قبله، رتبت الشنط في الشنطة وفتحت ال GPS وقعدت في الكرسي اللي جنب السواق.
الشارع بره كان زحمة والعربيات رايحة جاية، بس عقلي مكنش فيه غير صورة بنتي في المكالمة الأخيرة.
الدنيا حر نار، وهي قاعدة ولابسة عباية بكم مقفولة لحد رقبتها!
وشها وخسسانها كان باين جداً.. بس بطنها من تحت كانت بارزة شوية.
لو تخميني صح، فهي فعلاً حامل.
طول المكالمة، إيد مدحت مكنتش بتفارق وسطها وبطنها. . اللي يشوفهم يقول منتهى الرومانسية.
بس أنا عارفة بنتي.. مريم خجولة جداً، وعمرها ما كانت بتحب تظهر مشاعرها أو تتملق قدام حد، حتى لو قدامي أنا شخصياً.
عشان كده…
بنتي كانت مجبرة.. كانت تحت التهديد!
أول ما الفكرة دي جت في بالي، دموعي غلبتني وحسيت بنار في صدري.
مريم.. يا قلب أمك.. إيه اللي جرى لك؟
أحمد ركب العربية وهو شايل كيسين فيهم فراخ بلدي متبلة ومستوية جاهزة.
يا أمي، مريم بتحب الفراخ دي برضه، أخدتها من الفريزر معانا.
ماشي يا حبيبي..
غمضت عيني وسندت ظهري، بحاول أهدي ضربات قلبي، بس جسمي كان بيرتعش غصب عني.
كنت ندمانة.. ندمانة إني موقفتش للجوازة دي بالمرصاد من الأول.
بنتي مريم ومدحت كانوا زمايل في جامعة طنطا.
يوم التخرج، كنت أتمنى يقعدوا هنا في المدينة ويشقوا طريقهم. أنا معنديش غير ولد وبنت، وجوزي مات من بدري وشقيت عليهم لوحدي لحد ما كبروا.
أحمد شقي وحركي زي القرد، ومريم هادية وطيبة زي النسمة.
مكنتش عايزة أبعدها عن حضني.. كنت خايفة مأقدرش أحميها لو جرى لها حاجة.
بس مدحت كان متمسك وقال إن بلدهم في الصعيد فيها مشاريع ومستقبل، وإن أهله طفحوا الدم عشان يعلموه ولازم يرجع يرد لهم الجميل.
أنا رفضت رفض قاطع.. بس بنتي قلبها خفيف وطيب.
ولأول مرة في حياتها تعصاني، ووافقت وكتببوا الكتاب
من غير فرح.. ومن غير شبكة تليق بيها.
أحمد وقتها قالي يا أمي مدحت ده بيلعب بأختي وبيرسم عليها، بس مريم ضحكت وقالت أهله على قد حالهم يا ماما، بلاش نبقى ماديين.
بنتي مكنتش تعرف الدنيا فيها إيه ولا قلوب البشر مخبية إيه.
جواز البنت بعيد عن أهلها بيبقى قمار.. رهان على ضمير الراجل اللي معاها.
ومدحت ده… هل عنده ضمير أصلاً؟
طول السنة اللي فاتت، حاولت أروح أزورها كذا مرة، وكل مرة يطلعوا بحجة تمنعني.
ومريم كانت دايماً بتبين إنها أسعد واحدة في الدنيا.
دلوقتي بس فهمت.. كل ده كان تمثيلية متفبركة ومحبوكة صح.
أنا بجد هأكل نفسي من الندم إني مفهمتش بدري.
فجأة.. العربية فرملت جامد.
أحمد قال في حاجة غلط يا أمي.
بصيت قدامي، لقيت الطريق واقف تماماً وفي تحويلات وأعمال صيانة للطريق السريع.
أحمد قال تفتكري نلف وناخد الطريق الصحراوي التاني؟
فتحت الخريطة على الموبايل.. لو لفينا هنزود أكتر من 60 كيلومتر.
أنا مكنش عندي وقت أضيعه.
بس السكة قدامنا مقفولة فعلاً ومفيش مجال نعدي.
قعدت أدقق في الخريطة ثواني، وشاورت بصبعي على مدق صغير
خش من السكة دي.
أحمد بصلي بذهول يا أمي ده مدق ضيق وكسر! عربيتين ميعرفوش يعدوا من جنب بعض فيه.. وإحنا بقينا نص الليل، عايزانا نمشي فيه؟!
امشي فيه وأنت ساكت، قولتهاله بلهجة حاسمة.
الحتة الضيقة دي متكملش كيلومتر واحد، أول ما نعديها هنرجع لخط الأسفلت السريع تاني.
بص في عيني طول أوي، ووشه قلب وبقى سيريس جداً
أمي… هو في حاجة حصلت ل مريم؟
فكرت شوية وهزيت رأسي غالباً اه.
أول ما سمع الكلمة، عروقه نفرت ودمه فار
ابن مدحت ده، صح؟ أنا من أول يوم شوفت خلقته وأنا مش طايقه.. وربنا ل أروح أفرتكوا!
الغل والشياطين كانت بتنط من عينه.
أحمد من صغره وهو متعلق باخته جدا .. يوم ما اتجوزت، قفل على نفسه الأوضة يوم كامل
شفت منظره وهو قايد نار، قمت مخبطاه بالراحة على دماغه
شغل مخك ده.. بلاش غشومية.. فرتك مين وبتاع مين؟ أنت فاكر نفسك في عصر الفتوات؟ ركز في السواقة وبس
العربية طارت وسط الضلمة، وبعد وقت مش كتير، رجعنا تاني على الطريق السريع.
طلعت الموبايل وقعدت أعيد الفيديو كول بتاع العصر تاني وتاني.
من أول ثانية في المكالمة وأنا حاسة بإن في حاجة مش طبيعية.. الكاميرا كانت مرفوعة لفوق زيادة عن
لمحة نيوز

اللزوم، ومبينة بس من أول بطنها وطالع.
إحساس الأم كان بيقولي إن مدحت بيخبي حاجة تحت كادر الكاميرا.
عشان كدة أنا سجلت الشاشة فيديو وأنا بكلمها.
أحمد قرب مني وبص على الشاشة
يا ماما، هي مريم مالها طالعة ميبسة كدة زي بتوع الذكاء الاصطناعي AI؟
حواجبة اتقفلت تفتكري تكون عاملة فينا مقلب ومغيرة وشها بالبرامج عشان تضحك معانا؟
بصيت له بطرف عيني أختك وش المقالب دي؟
وماله، جايز.. أول امبارح وامبارح مكنتيش عارفة توصلي لها، وأنتِ قولتي لها بهزار لو مظهرتيش هبلغ الشرطة.. يمكن خافت تقلقي فعملت كدة.
وطلع موبايله وفتح أبلكيشن، وفي ثواني غير وشه وصوته تماماً.. لدرجة تخليك تشك في عينك.
سألته يعني أنت شايف إن اللي في الفيديو دي مش أختك؟
مسك الموبايل ودقق أوي
مش قادر أحكم.. بس بصي يا أمي.. ملامح وشها وتعبيراتها ثابتة مبتتحركش تقريباً، وإيد جوزها ثابتة في نفس المكان مابتتهزش.. ده شغل AI واضح أوي.
طب لو ال AI والبني آدم الحقيقي بقوا شبه بعض بالمنظر ده… هنفرق بينهم إزاي؟
سهلة يا ماما.. ال AI ميعرفش الأسرار والحاجات الخاصة اللي بينكم.. يعني لو سألتيه على حاجة سر، وجاوب صح، يبقى بني آدم حقيقي.
في اللحظة دي.. عقلي وقف تماماً.
رأس البر…
مسكت الموبايل وضغطت عليه بكل عزمي وعيني بتطلع شرار
رأس البر دي.. هي الشفرة االي في الفيديو بنتي ..بنتي في مصيبه !!!!!!!!
زهرة_الربيع
أول ما كلمة رأس البر خرجت من بُقّي، أحمد بصلي وكأنه شاف شبح.
يعني إيه يا أمي؟
بلعت ريقي بالعافية وقلت
لما مريم كانت صغيرة، اتفقنا على شفرة بيني وبينها… لو كانت في خطر ومش قادرة تتكلم، أسألها عن مكان وهي ترد بمكان تاني.
أحمد فرمل فرملة خفيفة من الصدمة.
شفرة؟!
يوم ما اتخطفت بنت الجيران وهي صغيرة، مريم خافت أوي. وقتها علمتها لو حد واقف فوق دماغها ومش قادرة تستنجد، تقول كلمة متفقين عليها.
ورأس البر كانت الكلمة؟
هزيت راسي.
لا… كانت معناها حاجة أخطر.
إيه؟
بصيت قدامي والدم متجمد في عروقي.
معناها أنا مش لوحدي.
ساد الصمت داخل العربية.
أحمد ضغط على الدركسيون لدرجة إن صوابعه ابيضّت.
يعني في حد معاها؟
أو حد بيراقبها… أو مجبرها على الكلام.
زاد السرعة والعربية ابتدت تبلع الطريق.
بعد ساعتين تقريبًا، وصلنا أطراف البلد.
كانت الساعة داخلة على تلاتة الفجر.
الغريب إن بيت مدحت كان منور كله.
في الوقت ده؟
وقبل ما ننزل من العربية، لمحنا عربية نقل صغيرة واقفة جنب البيت.
ورجلين بيشيلوا صناديق.
أحمد همس
هو في إيه هنا؟
نزلنا بهدوء وقربنا.
وفجأة…
سمعنا صوت ست بتعيط من جوه.
عيط مكتوم… لكنه واضح.
قلبي وقع.
دي كانت مريم.
جريت ناحية الباب، لكن أحمد مسكني.
استني يا أمي.
وقبل ما يكمل…
الباب اتفتح.
وخرج مدحت.
أول ما شافنا، وشه اصفرّ.
اصفرّ حرفيًا.
خالتي؟! إنتوا هنا؟!
ابتسمت ابتسامة باردة وأنا ماسكة الشنطة.
أيوة… جينا نبارك.
ارتبك.
تباركوا على إيه؟
رفعت عيني في عينه مباشرة.
على الحمل… مش مريم حامل؟
لثواني…
اتجمد مكانه.
ثم قال بسرعة
أيوة… أيوة طبعًا.
هنا عرفت إنه بيكدب.
لأن مريم نفسها لسه ما قالتش لأي حد.
حتى أنا كنت مجرد شاكّة.
يبقى عرف منين إني جاية أبارك على الحمل؟
أحمد فهم هو كمان.
وبدأ يلف بعينه حوالين البيت.
وفجأة…
شاف حاجة خلت ملامحه تتغير.
في صندوق مفتوح جنب العربية.
وجواه…
هدوم حريمي.
هدوم مريم.
وأوراق.
وجواز السفر.
وأشعة وتحاليل باسمها.
أحمد مسك مدحت من قميصه بعنف
كنتوا رايحين فين؟!
مدحت اتوتر وبدأ يتلخبط.
ولا حتة… شغل بس…
لكن في نفس اللحظة…
طلع صوت صرخة من داخل البيت
ماماااااااااا!
كان صوت مريم.
صوتها الحقيقي.
مش الهادي المستكين اللي شوفناه في الفيديو.
صوت مليان رعب.
وأول ما سمعته…
عرفت إن المصيبة أكبر بكتير مما كنا متخيلين.
ولما اندفعنا ناحية الباب…
شفنا المشهد اللي خلّى الدم يتجمد في عروقنا كلنا…!اندفع أحمد للداخل كالإعصار، وأنا خلفه ألهث من الخوف.
أول ما دخلنا الصالة، وقفنا مكاننا.
مريم كانت واقفة في آخر الممر، وشها شاحب وعينيها حمرا من كتر العياط.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش فيها هي…
الصدمة كانت في الست اللي واقفة جنبها.
بطنها كبيرة كأنها في شهورها الأخيرة، وشبه مريم بطريقة غريبة.
لدرجة إن أي حد يشوفهم من بعيد يفتكرهم شخص واحد.
أحمد همس
مين دي؟
مريم بصتلي والدموع نازلة على خدها
دي… سعاد.
وقبل ما تكمل، دخل مدحت وراه راجل كبير وست كبيرة واضح إنهم أبوه وأمه.
أبوه زعق
خلاص بقى! ما دام أهلها جم، قولوا الحقيقة كلها.
ساعتها حسيت إن الأرض بتميد بيا.
مسكت إيد بنتي
حقيقة إيه يا مريم؟
بصتلي بعين مكسورة وقالت
الفيديوهات اللي كنتِ بتشوفيها الأيام اللي فاتت… بعضها مكنش مباشر.
أحمد شهق
يعني إيه؟
قالت وهي بتبكي
كانوا مسجلينها قبلها بأيام.
لفيت ناحية مدحت
ليه؟!
مدحت نزل عينه في الأرض.
أما سعاد فانهارت فجأة على الكنبة وقالت
لأنهم كانوا خايفين عليا أنا.
كلنا بصينا لها.
وقالت بصوت مرتعش
أنا مرات أخو مدحت.
ساد الصمت.
ثم أكملت
جوزي مات من شهرين في حادث.
ومن يومها أهل البلد كلها عايزين ياخدوا ابني مني عشان الورث والأرض.
أنا ومريم بقينا مستخبيين عند أهل مدحت من أسبوع.
كنت حاسة إن الكلام ناقص.
في حاجة مش راكبة.
مريم مسكت إيدي بقوة وقالت
عشان كده ما كنتش برد عليكي يا ماما.
لكن…
وأول ما قالت لكن، عرفت إن الكارثة لسه ما ظهرتش.
قالت
المشكلة إن سعاد مش هي اللي كانت مستهدفة.
أمال مين؟
رفعت عينيها ناحيتي.
ثم قالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقي
المستهدف الحقيقي… هو البيبي اللي في بطني.
شعرت بدوخة.
أحمد اتسمر مكانه.
يعني إيه؟
مريم بلعت ريقها بصعوبة وقالت
قبل وفاة أخو مدحت بأسبوع، جدي الله يرحمه كتب وصية جديدة.
وصية إيه؟
كتب فيها إن جزء ضخم من الأرض والميراث ينتقل لأول حفيد يولد من أولاده الذكور.
الصالة كلها سكتت.
ثم أكملت
وبعد وفاة أخوه… بقيت أنا الوحيدة الحامل في العيلة.
أحمد بص لمدحت
وإنت مخبي كل ده ليه؟
مدحت قال بصوت مبحوح
لأننا عرفنا إن في ناس بدأت تسأل عن مريم… وتراقب البيت… وواحد منهم حاول يدخل هنا بالليل.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت محرك عربية توقف فجأة خارج البيت.
ثم صوت باب يتقفل.
وبعده مباشرة…
دقات قوية على الباب الخارجي.
دقة…
ثم الثانية…
ثم الثالثة…
قبل أن يأتي صوت رجل غليظ من الخارج
افتح يا مدحت… إحنا عارفين إن الست وجوزها جوه!
ونظر الجميع إلى بعضهم في رعب…
بينما تغير لون وجه مدحت تمامًا وهو يهمس
لا حول ولا قوة إلا بالله…
دول وصلوا تجمدت الأنفاس داخل البيت.
الدقات على الباب بقت أعنف، لدرجة إن الخشب نفسه بدأ يهتز.
دق! دق! دق!
وصوت الراجل رجع تاني
افتح يا مدحت! متخليناش نكسر الباب!
أحمد تحرك تلقائيًا ناحية الباب، لكن أبوه مدحت مسكه من ذراعه بسرعة.
استنى يا ابني… دول مش جايين يتكلموا.
بصيت لمريم، لقيتها ضامة بطنها بإيديها وشفايفها بترتعش.
قربت منها وهمست
قوليلي الحقيقة كلها… مين دول؟
مريم بصت حواليها كأنها خايفة من الحيطان نفسها.
وبعدين قالت
قبل أسبوع… وأنا راجعة من الدكتور… عربية سودا فضلت ماشية ورايا لحد البيت.
وبعدين؟
واحد نزل منها وقالي خلي بالك على نفسك وعلى اللي في بطنك.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
وكان قصده إيه؟
معرفش… بس بعدها بيومين لقينا حد داخل الجنينة بالليل.
أحمد قبض إيده بعصبية.
وفجأة…
تحطم زجاج الشباك الخلفي!
كلنا انتفضنا.
حجر كبير وقع على الأرض.
وسعاد صرخت.
مدحت جرى ناحية الشباك وبص بره.
ثم رجع وهو شاحب الوجه.
خمسة… يمكن ستة رجال.
أحمد قال بغضب
نكلم الشرطة.
لكن مدحت رد

فورًا
كلمناهم قبل كده.
وإيه اللي حصل؟
وصلوا بعد ساعتين.
سكت الجميع.
الدقات على الباب توقفت فجأة.
وده كان أخطر من الدق نفسه.
لأن الصمت اللي بعدها كان مرعب.
ثواني مرت…
ثم سمعنا صوت محرك العربية اللي بره وهو يشتغل.
أحمد تنفس براحة
شكلهم مشيوا.
لكن في نفس اللحظة…
رن موبايل مريم.
رقم مجهول.
كلنا بصينا للشاشة.
مريم كانت خايفة ترد.
قلت لها
افتحي السماعة.
ضغطت على الزر.
وجاء صوت هادئ جدًا من الطرف الآخر
مساء الخير يا مريم.
اتجمدت ملامحها.
مين؟
ضحكة قصيرة خرجت من السماعة.
ثم قال الرجل
متتعبيش نفسك… أنا شايفك دلوقتي.
كل الموجودين بصوا لبعضهم في صدمة.
الرجل أكمل
وشايف أمك وأخوكي كمان.
سقط الهاتف تقريبًا من يد مريم.
وأحمد اندفع ناحية الستائر يقفلها كلها.
لكن الصوت أكمل
خلاص… مفيش داعي تقفلوها.
احنا خلصنا اللي كنا عايزينه.
عايزين إيه؟!
صرخت مريم.
فجاء الرد البارد
كنا عايزين نتأكد إن الطفل لسه بخير.
ثم أغلق الخط.
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
لكن بعد ثوانٍ…
لاحظ أحمد شيئًا غريبًا.
فتح باب البيت بسرعة وخرج للجنينة.
جرينا وراءه.
وكان واقف يحدق في الأرض.
اقتربت منه.
فوجدت صندوقًا صغيرًا موضوعًا أمام الباب.
صندوق لم يكن موجودًا قبل دقيقة واحدة.
وعليه ورقة مكتوب عليها بخط أحمر
الرسالة الأولى.
نظر أحمد إليّ ببطء وقال
يا أمي…
نعم؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
الصندوق بيتحرك من جوه…!تراجعت سعاد وهي تصرخ، ومريم ضمت بطنها أكثر، أما أنا فثبتُّ عيني على الصندوق.
فعلاً…
كان بيتحرك.
حركة خفيفة… ثم توقف.
ثم حركة ثانية أقوى.
أحمد التقط عصا كانت بجوار الباب وقال
محدش يقرب.
لكن فضولي وخوفي على بنتي كانوا أقوى من أي شيء.
اقتربت خطوة.
ثم خطوة.
وعلى غطاء الصندوق كانت الورقة الحمراء مكتوب تحتها سطر صغير ما انتبهناش له من الأول
افتحوا قبل ما يفوت الأوان.
أحمد مد العصا بحذر ورفع الغطاء.
الكل حبس أنفاسه.
وفجأة…
قفز شيء من الداخل!
صرخت سعاد.
ومريم شهقت.
لكن الشيء الذي خرج لم يكن حيوانًا ولا قنبلة كما تخيلنا.
كان… هاتفًا محمولًا.
هاتف قديم مكسور الشاشة.
سقط على الأرض، وفي نفس اللحظة أضاءت شاشته وحدها.
وظهر مقطع فيديو يعمل تلقائيًا.
مددت يدي والتقطته.
كان الفيديو مصورًا داخل غرفة مظلمة.
الكاميرا تهتز.
وشخص يلهث وهو يصور.
ثم ظهر وجه رجل للحظة.
رجل في الأربعينات تقريبًا.
وعيناه مليئتان بالرعب.
قال بصوت متقطع
لو حد شاف الفيديو ده… يبقى أنا غالبًا مت.
شعر جسمي كله بالقشعريرة.
الرجل أكمل
اللي بيحصل أكبر من موضوع ميراث… وأكبر من الأرض كلها.
الصورة اهتزت فجأة.
وكأن أحدًا اقترب منه.
ثم همس بسرعة
في حاجة مدفونة… تحت…
وفجأة انقطع الفيديو.
تحولت الشاشة إلى السواد.
الجميع وقف مذهولًا.
أحمد قلب الهاتف بين يديه
تحت إيه؟
تحت فين؟
لكن الهاتف لم يعمل ثانية.
وفجأة سمعنا صوت سيارة أخرى تقترب من بعيد.
هذه المرة بسرعة جنونية.
ثم توقفت أمام البيت مباشرة.
وترجل منها رجل مسن.
ما إن رآه مدحت حتى اتسعت عيناه.
وقال بصوت مرتجف
مستحيل…
تعرفه؟! سألتُه.
أجاب وهو لا يكاد يصدق
أيوة…
مين ده؟
بلع ريقه بصعوبة وقال
ده الراجل اللي شوفناه حالًا في الفيديو…
الراجل اللي المفروض مات من سنتين!ساد الصمت للحظات.
الكل كان واقف مصدوم، يبص للرجل اللي نازل من العربية وكأنه شاف شبح.
لكن أول ما قرب من نور البيت، مدحت شهق وقال
لا… مش هو.
بصينا تاني كويس.
فعلاً، الراجل كان شبهه جدًا، لكن أكبر منه شوية.
الرجل رفع إيده وقال
متخافوش… أنا أخوه.
فتحنا له الباب ودخل بسرعة، وكأنه كان بيهرب من حد.
أول ما قعد، طلب كوب مية، وبعدها قال
لازم تعرفوا الحقيقة كلها.
واتضح أن أخوه الذي ظهر في الفيديو لم يمت كما كان الناس تعتقد.
قبل سنتين اكتشف أثناء حفر قديم في أرض العيلة مجموعة مستندات تثبت أن جزءًا كبيرًا من الأراضي تم الاستيلاء عليه بالتزوير من عشرات السنين.
ولما حاول يكشف الحقيقة، تعرض للتهديد واختفى.
الناس صدقت إنه مات.
لكن في الحقيقة كان مختبئًا يجمع الأدلة.
أما الفيديو فكان رسالة احتياطية لو حصل له أي مكروه.
وبالنسبة للطفل الذي في بطن مريم، لم يكن هو الهدف الحقيقي.
الهدف كان إجبار العائلة على التنازل عن الأرض والسكوت عن المستندات.
أما المكالمات الغامضة والتهديدات فكانت مجرد وسيلة لإرهابهم.
في الصباح، وبعد ساعات طويلة من الكلام، تم تسليم كل الأدلة للجهات المختصة.
وخلال أسابيع قليلة انكشفت شبكة التزوير كاملة، وتم القبض على المتورطين.
أما مريم…
فلأول مرة منذ شهور، نامت وهي مطمئنة.
وأما أنا، فجلست بجوارها أمسح على شعرها كما كنت أفعل وهي صغيرة.
بكيت وقتها.
ليس خوفًا…
بل ندمًا لأنني صدقت يومًا أن المسافة يمكن أن تمنع الأم من الإحساس بابنتها.
بعد عدة أشهر، رزقت مريم بطفل جميل.
وفي يوم ولادته، حمله أحمد بين ذراعيه وظل يضحك ويقول
أهو أخيرًا بقيت خال رسمي!
وانفجر البيت كله بالضحك.
أما كلمة رأس البر فلم نحتج إليها مرة أخرى أبدًا.
لأن مريم عادت تعيش بالقرب منا، وقالت يومها
البيت اللي فيه أمي… هو المكان الوحيد اللي عمري ما أخاف فيه.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *