ابني اتصل بيا حكايات زهره 3
كان حازم بيجري في الشوارع ونفسه مقطوع، رجله بتخبط في الأسفلت السخن، وعرقه مغرق قميصه. المحلات والناس بتعدي من جنبه كأنها طشاش. الأمل الوحيد اللي كان بيمشّيه هو كلمة “أمانة” اللي الموظفة قالتها في التليفون. كان بيقنع نفسه: “أمي مستحيل ترميني.. الأم المصرية بتسامح في الآخر، أكيد سابت لي الفلوس اللي هتفك زنقتي وتسدد ديوني”.
دخل فرع البنك قبل القفل بـ 10 دقائق وهو بيلهث، وريحه عرق وتعب. الأمن بصلوا باستغراب وهو داخل بشكله المبهدل ده. سأل برعشة: “الأستاذة منى.. مديرة الحسابات؟”
الويتر شاور له على مكتب في آخر الصالة. حازم مشي بخطوات سريعة ووقف قدام المكتب: “أنا حازم.. حازم عبد الحميد يا فندم”.
الأستاذة منى رفعت نظارتها وبصت له من فوق لتحت ببرود، وبعدين فتحت الدرج وطلعت منه دوسيه بلاستيك أسود، وحطته قدامه على المكتب: “أهلاً يا أستاذ حازم. والدتك الحاجة عايدة كانت هنا فعلًا. سحبت كل مليم يخصها في البنك، وقالت إنها مش عايزة أي حاجة تربطها بالفرع ده تاني. وسابت لك الأمانة دي.. اتفضل امضي هنا بالاستلام”.
حازم مسك القلم وإيده ببتعش، ومضى من غير ما يقرا. خطف الدوسيه الأسود وفتحه بلهفة مجنونة وهو متوقع يشوف رزم فلوس أو شيك مقبول الدفع بمبلغ كبير يخرجه من كابوس الطرد والحجز.
لكن الصدمة لوت دراعه من تاني.. الدوسيه مكنش فيه فلوس.
جوه الدوسيه كان فيه “دفتر توفير قديم جداً”، لونه أخضر ومتهالك من كتر الاستخدام. ومعاه ورقة بيضاء مكتوبة بخط إيد أمه الواضح والقوي.
حازم فتح دفتر التوفير، لقى أول إيداع فيه مكتوب من 25 سنة.. بمبلغ 50 جنيه! وبدأ يفر في الصفحات.. كل شهر كان بيتسحب مبلغ صغير ويتحط مبلغ مكانه.. الإيداعات كلها كانت باسمه هو “حازم عبد الحميد”. وفجأة لقى الصفحة الأخيرة.. الرصيد الحالي: “3200 جنيه فقط لا غير”.
حازم مسك الورقة البيضاء اللي مع الدفتر وقرأ كلام أمه:
> “يا حازم يا ابني.. ده دفتر التوفير اللي فتحته لك وأنت في أولى ابتدائي. الـ 3200 جنيه دول هما الشقا الحقيقي اللي فضلي من ريحة أبوك.. كنت بقطع من قوتي وقوت أكلنا عشان أحوشهم لك عشان لما تكبر وتتجوز وتزنقك الدنيا تلاقيهم. أهم دول بقى فلوسي الحقيقية اللي تخصك.. أما الـ 7500 جنيه بتوع قسط الشقة كل شهر، فدول كانوا من ورثي الشرعي في أرض أبويا بالصعيد، والظاهر إن الفلوس الكتير اللي جات لك على الجاهز عميت عينك وعمت قلبك، وخلتك تفتكر إن الستر ده شطارة منك، وتنسى إن اللي دافع التمن هي أمك اللي كنت بتستعر من ريحة طبيخها.”
> “الـ 3200 جنيه دول أنا سيباهم لك أمانة.. عشان تروح بيهم للمطعم الفرنسي اللي كنت قاعد فيه مع ست الهانم، وتفك بيهم ساعتك الرهونة.. عشان تفتكر كل ما تبص في الساعة، إن كل ثانية ظلــ,,ـــــمتني فيها وكل دقيقة كسرت بخاطري فيها، هتدفع تمنها من عمرك وكرامتك. ودلوقتي.. انزل دور على شقة إيجار قانون جديد على قد مرتبك المحجوز عليه.. وعيش بالطول والعرض”.
>
حازم حس إن السقف بيلف بيه. البنك كله بقى يتهز في عينه. طوى الورقة وحطها في جيبه، وخرج من البنك وهو مش شايف قدامه.
بقى معاه 3200 جنيه كاش في جيبه.. الشقة ضاعت.. العرببة مفيهاش بنزين ومفيش فلوس يفك الحجز عنها.. ومراته راحت بيت أهلها وبتجهز لقضية تبديد منقولات عشان ترميه في السجــ,,ـــــن!
مبقاش قدامه غير إنه يروح يفك الساعة الأول زي ما أمه قالت له. ركب ميكروباص، وقعد جنب الشباك وهو باصص لطريق التجمع الخامس. وصل المطعم الفرنسي وهو مكسور العين. دخل للويتر وطلع الـ 3200 جنيه ودفع الحساب، وخد ساعته اليدوية ورجع لبسها في إيده.. الساعة اللي بقى تمنها حرفياً هو كل ما يملك في الدنيا.
وهو خارج من المطعم، تليفونه رن.. المرة دي كان رقم “نهى”!
حازم رد بسرعة البرق، وبصوت مليان غل وعتاب: “أيوة يا نهى! لحقتي تفتكري إن ليكي جوز؟ بعد ما لميتي العفش وخربتي بيتي؟”
صوت نهى جه من الناحية التانية بارد، وفيه نبرة ترفع وتعالي غريبة: “جرى إيه يا حازم؟ إحنا بنلم حاجتنا عشان نحميها من الحجز.. وبعدين أنا مكلمياك عشان أقولك كلمتين مفيش غيرهم.. بابا راح النهاردة للمحامي، ورفعنا قضية طلاق للضرر بسبب إنك غشتني وفهمتني إن الشقة ملكك وطلعت من غير سكن، وقضية نفقة متعة وعدة، وقضية تبديد العفش اللي أنت مضيت عليه ومستلمتوش كامل.. فلو عايز الموضوع يخلص ودي ومن غير فضايح وسجــ,,ـــــن، تطلقني في هدوء وتتنازل لي عن العربية!”
حازم ضحك ضحكة عالية بهيستيريا.. ضحكة وجع لدرجة إن الناس في الشارع بصت له: “عربية؟ عربية إيه يا نهى اللي أتنازل لك عنها؟ العربية بنزينها مخلص وواقفة تحت البرج اللي اتشمع بالأحمر، والبنك حجز على حساباتي كلها والمرتب مش هشوف منه مليم! أنا بقيت على البلاطة.. على البلاطة يا نهى!”
نهى سكتت لحظة بصدمة، وبعدين قالت بقرف: “على البلاطة؟ يعني مبقاش معاك فلوس خالص؟ طب كويس إننا لحقنا العفش.. اجهز بقى للمحاكم يا حازم، عشان بابا مش هيسيبك.. سلام”.
قفلت السكة في وشّه. حازم رمى التليفون على الرصيف، وقعد على حرف الرصيف في عز الشمس، وحط راسه بين رجليه وبدأ يصرخ من غير صوت.
الدنيا ضلمت تماماً، والساعة بقت 7 بالليل. حازم مبقاش عارف ينام فين ولا يروح فين. افتكر شقة المنيل القديمة.. حتى لو أمه مش فيها، على الأقل البواب ممكن يدخله يبات في المدخل أو يسأله عن مكانها.
رجع المنيل تانى، دخل العمارة ولقى البواب “عم عبده” قاعد بيشرب شاي. حازم قرب منه بكسرة: “عم عبده.. أرجوك قولي، أمي الحاجة عايدة راحت فين؟ أنا ابنها حازم.. والله العظيم ندمان، قولي مكانها فين وأنا هروح أتباس على رجليها!”
عم عبده بص له بنظرة حزن وهز راسه: “يا حازم يا ابني.. أمك لما مشيت، سابت تمن إيجار الشقة للمالك لآخر السنة عشان تبرئ ذمتها.. وركبت عربية وطلبت من السواق يوديها مكان بعيد.. بس وهي بتركب، سابت معايا الجواب ده.. وقالت لي: (لو حازم جه وسألك عليا ومبقاش حيلته ملجأ.. ادهوله)”.
حازم خطف الجواب من إيد البواب بسرعة، وفتحه وهو بيبكي وعينه مش قادرة تشوف الحروف.. يا ترى أمه كاتباله إيه المرة دي؟ وهل الجواب ده هيكون طريق نجاته ولا رصاصة أخيرة؟
فتح حازم الجواب وإيده ببتعش وعينه مغممة بالدموع. الخط المرة دي مكنش خط أمه القوي؛ كان خط مهزوز، كأنها كانت بتكتب وهي بتعيط أو وهي في قمة تعبها.
مكتوب في الجواب:
> “يا حازم.. لو أنت بتقرا الكلام ده دلوقتي، يبقى توقعي طلع في محله، ومراتك سابتك وأصحابك اتخلوا عنك والبيت اللي فضلتني عليه اتقفل في وشك. أنا مش هقولك أنا فين، لأن المكان اللي أنا فيه م بيدخلوش بني آدم قاسي قلب وزي النبت الشيطاني. أنا رحت للمكان اللي هقضي فيه اللي باقيلى من عمري وأنا بعبد ربنا وبدعي إنه يسامحني إني معرفتش أربيك.”
> “بس عشان أنا أم.. وعشان قلب الأم فيه حتة غباوة مابتتمحيش.. أنا ميرضينيش تبات في الشارع يا بني. الشقة القديمة اللي في الدور الأرضي ورا سوق السيدة زينب، الشقة اللي أبوك اتولد فيها وأنا بدأت فيها حياتي معاه قبل ما ننقل المنيل.. المفتاح بتاعها هتلاقيه مدفون تحت الزهرية الفخار المكسورة اللي على يمين باب الشقة هنا في المنيل. روح اقعد فيها.. واستر نفسك.. وفوق لنفسك يا حازم.”
>
حازم ساب الجواب وجري على السلم لغاية الدور بتاعهم. راح عند باب الشقة المقفول، وبص على الأرض.. لقى الزهرية الفخار المكسورة اللي بقالها سنين محدش بيحركها. قلبها بإيده، وفعلاً لقى مفتاح حديد قديم ومصدي.
خده وفضل حاضنه وهو بيبكي بصوت مسموع في منور العمارة: “سامحيني يا أمي.. سامحيني يا رب”.
نزل حازم وخرج من العمارة وهو بيجر رجليه لغاية ما وصل السيدة زينب مشي. الدنيا كانت ليل، والمنطقة زحمة وصوت البياعين مالي المكان. دخل الحارة القديمة اللي أمه وصفتها، ووصل للبيت اللي جدرانه مقشرة ومن شكلها باين عليها الزمن.
طلع الدور الأرضي، وحط المفتاح في الباب. الباب اتفتح بصوت تزييق عالي، ودخل جوة. الشقة كانت ضلمة، ريحتها تراب وهجر بقالها سنين. مفيهاش غير كنبة بلدي قديمة، ولمبة مدلدلة بسلك من السقف، وحصيرة قش مفرودة في الأرض.
قعد على الكنبة والتراب طلع في وشه. بص حواليه وحس بالفرق الرهيب بين الشقة دي وشقة حدائق الأهرام اللي كان فيها تكييف مركزي وشاشات ستان ومراته بتتأمر على ريحة الطبيخ. هنا.. مفيش غير ريحة الماضي والفقر والوحدة.
عدت ليلتين وحازم عايش على العيش الحاف والجبنة القريش اللي بيشتريها بالجنيهات اللي فضلت معاه من الـ 3200 جنيه بعد ما دفع مواصلات وفك الساعة.
يوم الاثنين الصبح، تليفونه رن بصوت مزعج. لقى رقم غريب.. رد بصوت مخنوق: “ألو؟”
جاءه صوت محاميه القديم وأخو زوجته، بس المرة دي المتصل كان سكرتير جلسات محكمة جنح الهرم: “الأستاذ حازم عبد الحميد؟ معارك إخطار رسمي بضرورة الحضور يوم السبت الجاي في الجلسة المرفوعة ضدك من السيدة نهى وأبيها بتبديد منقولات زوجية، وصادر ضدك أمر ضبط وإحضار على ذمة القضية لو مح ضرتش.”
حازم قفل السكة وحس إن النفس بيتسحب منه. “ضبط وإحضار؟” يعني لو اتمسك في أي كمين شرطة هيروح في داهية.
لبس قميصه المبهدل ونزل عشان يروح لشركة المقاولات اللي شغال فيها، كان عنده أمل أخير إنه يقابل صاحب الشركة نفسه مش مدير الحسابات، ويشرح له الوضع عشان يديله سلفة بضمان مكافأة نهاية الخدمة يسدد بيها تمن “القايمة” لنهى وأبوها ويخلص من قضية السجــ,,ـــــن.
وصل الشركة، ودخل المبنى الفخم بالتجمع الخامس. الموظفين كانوا بيبصوا له بنظرات غريبة وفيها همس وشوشة. مشي لغاية مكتب السكرتارية بتاع صاحب الشركة، وقال لها: “لو سمحتي عايز أقابل البشمهندس جلال ضرورى.. قولي له حازم في مصيبة ومحتاجه دقيقتين.”
السكرتيرة بصت له بأسف وقالت: “أستاذ حازم.. البشمهندس جلال مش موجود، وبعدين.. حضرتك مجالكش إيميل الصبح؟”
حازم استغرب: “إيميل إيه؟ أنا تليفوني النت قاطع فيه عشان معيش أشحن الباقة.”
السكرتيرة طلعت ورقة مطبوعة من الدوسيه وقدمتها له: “اتفضل يا فندم.. ده قرار رسمي صدـ,,ـــر من الشؤون القانونية وفصل الإدارة النهاردة الصبح. تم الاستغناء عن خدماتك في الشركة نظرًا للحجز التحفظي على مرتبك من جهات سيادية وبنوك، وبسبب غيابك غير المبرر لثلاثة أيام، ولأن الشركة متقدرش تخاطر بوجود موظف عليه أحكام قضائية وضبط وإحضار في قسم الحسابات.”
حازم مسك الورقة، وحس إن رجليه مش شايلاه. الشغل كمان ضاع! الستر الأخير اللي كان هياكل منه عيش اتقطع.
خرج من الشركة وهو دايخ، وفي اللحظة اللي كان بيعدي فيها بوابة الأمن الخارجية للشركة، لقى أمين شرطة واقف مع اتنين عساكر برة، وماسك في إيده ورقة وبيبص في وشوش الناس اللي خارجة.
أمين الشرطة لمحه، وبص في الورقة اللي معاه، وقرب من حازم بسرعة وقال له بصوت جهوري: “أنت حازم عبد الحميد؟”