جوزي كل يوم

مساج زوجي ١ حكايات زهرة

جوزي كل جمعه كان بيعملي مساج للعضم غريب جدا ..كنت فكراه احن زوج في الدنيا لحد ما الدكتوره صاحبتي فوقتني على اكبر مصيبه بتحصل في حياتي !!!!!!
زي كل يوم جمعة.
الساعة دقت تسعة بالليل، وكان “أحمد” مجهزلي مية دافية بملح لرجلي وجسمي زي عادته.
بخار المية كان مالي الحمام ومغطي المرايات بطبقة ضباب.
قرب مني وبكل حنية بدأ يفك زراير البيجامة.
“يا نورا يا حبيبتي، يومك كان متعب النهاردة؟”
صوته الهادي الرزين كان دايماً بيحسسني بالأمان.
سندت راسي على كتفه وهزيت راسي بالنفي:
“لأ، الشغل في الشركة النهاردة كان خفيف الحمد لله.”
“طب الحمد لله، انزلي في المية الدافية دي فكي جسمك، وعقبال ما تخلصي أكون جهزت الزيت عشان أعملك الجلسة.”
باس دماغي بحنية، وقلبي دايب في طيبته.
سبع سنين جواز، وأحمد هو هو ميتغيرش، نفس الحنية والاهتمام من أول يوم.
وبالذات “جلسة العضم” اللي هو اخترعها دي، كانت مخلية ثقتي فيه عمياء.
كان دايماً يقولي إن قعدتي الكتير قدام الكمبيوتر مأثرة على حوضي ومخلية العضم يرحل سنة، وإننا لو مصلحناش ده أول بأول، هيعملي مشاكل قدام.
وعشان كده، من تاني شهر جواز
لينا، وبشكل دوري كل جمعة بالليل، مهما كان وراه شغل أو تعبان، كان لازم يعملي الجلسه.
نمت على السرير الكبير.
وحسب ما هو معودني، أخدت الوضعية الثابتة اللي بيطلبها مني كل مرة.
ضميت رجلي وفتحت ركبي لبرة شوية.
حط إيديه الدافيين على وسطي ومنطقة الحوض.
“إرخي جسمك خالص يا نورا، وسيبي نفسك ليا.”
غمضت عيني ونا مستسلمه تماماً، مفيش أي مجال للشك.
حركاته كانت تبان احترافية جداً، يبدأ يضغط براحة كأنه بيحدد مكان العضمة بالظبط.
وبعدين يضغط بقوة منتظمة ومدروسة، لحد ما أسمع صوت “تَكّة” خفيفة أوي، ساعتها بس يشيل إيده.
الموضوع مكنش بيوجع خالص، بالعكس، كنت بحس بتنميل مريح بعدها.
وفعلاً طول السبع سنين وجع ظهري مكنش بيجيلي زي زمان، وكل ما نخلص كنت بحس براحة في جسمي كله.
“خلاص يا ستي، حمد الله على السلامة.”
أحمد شد عليا اللحاف وغطاني بكل حرص: “حاسة بإيه دلوقتي؟”
“تسلم إيدك يا حبيبي، والله أنت دكتور ومخبي علينا.”
ضحك ضحكته الصافية اللي تخطف العين: “أنتي بنتي وحبيبتي، إن مكنتش أدلعك أنتي هدلع مين يعني؟”
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.
حماتي، “الحاجة أم أحمد”، دخلت وشايلة

في إيدها طبق شوربة دافي.
زي عوايدها، مبترضاش تخبط على الباب، وخلال السبع سنين أنا خلاص اتعودت ومبقتش أضايق.
“يا أحمد، يا نورا.. عملتلكوا شوربة كوارع ترم العضم، اشربوها وهي سخنة يلا.”
أحمد أخد منها الطبق وبصلي، وفهمت النظرة دي على طول.. حماتي جاية “تطمن” كالعادة.
“يا أمي تعبتي نفسك ليه بس، كنتي ارتاحي وأنا هعمل كل حاجة.” أحمد قالها بنبرة عتاب حنينة.
“يا ضنايا مبيجيليش نوم إلا لما أطمن عليكوا وأشوفكوا تمام.”
نظرات حماتي لفت على جسمي، نظرة فاحصة وفيها حاجة مش مريحة عمري ما عرفت أفسرها.
“نورا خاسة أوي يا أحمد، لازم تتغدى كويس.”
وبعدين بصت على منطقة حوضي وهزت راسها برضا تام: “والله وطلعت بتفهم يا أحمد.”
“تفتيح الحوض ده ممتاز، شكل حوضها بقى عريض ومليان عن الأول.”
“العضم لما يفتح كده، الولادة هتبقى سهلة والبطن تشيل بالثلاثة والأربعة.”
وشي احمر من الكسوف، بس أحمد ابتسم بانتصار وكأنها بتقوله شهادة تقدير في وشه.
ناولني الشوربه وقال: “اشربي يلا، دي بركة الحاجة.”
شربت الشوربة كلها ونفسي مليانة رضا ودفا.
كنت فاكرة نفسي أسعد ست في الدنيا؛ جوز يحبني وحماة

شايلة همي ومستقبلنا.
مكانش يخطر على بالي أبدًا، إن كلمة “العضم يفتح” والابتسامة اللي على وش أحمد وراها سر أسود.
تاني يوم كان السبت.
صحابي كانو مصرين نقضي يوم مع بعض نفتكر ايام زمان …ولما قولت لاحمد معترضش لا ده كمان وصلني بنفسه لحد المطعم، وقبل ما أنزل عدلي ياقة الجاكيت بحنان:
“أول ما تخلصي كلميني، هاجي آخدك فوراً.”
“حاضر يا حبيبي، لا إله إلا الله.”
“محمد رسول الله.”
بسته في خده ونزلت.
المكان كان مليان، ضحك وهزار وذكريات عشر سنين فاتت من ساعة التخرج، كل واحد فينا شكله اتغير شوية بس الروح هي هي.
أول ما قعدت، لقيت “مروة” قاعدة جنبي، دي كانت صاحبتي الأنتيم زمان، ودلوقتي بقت دكتورة يشار إليها بالبنان في الدمرداش.
“نورا! أخيراً شرفتينا!” مروة أخدتني بالحضن.
“كل ما نكلمك تقوليلي مشغولة، كويس إننا شفنا وشك.”
ضحكت بكسوف: “والله البيت ومسؤولياته بقى.”
“بيت إيه بس! إحنا كلنا عارفين إنك متجوزة سي السيد النسخة الحنينة، اللي منيمك في العسل ومقعدك هانم.” واحدة من زميلتنا هزرت وكلنا ضحكنا.
سيرة أحمد دايماً بتخليني أبتسم تلقائي: “على فكرة يا مروة..” افتكرت
حاجة فجأة.
“أنتي بقى بتاعت العظام والدكاترة الكبار، اسمعي

الحكاية دي وقوليلي جوزي ده مش عبقري؟”
“أحمد بيعرف يطقطق العضم ويظبطه!”
مروة استغربت: “يطقطق العضم؟”
“آه، برغم إنه شغال في البورصة والحسابات، بس قاري ومثقف جداً، بيظبطلي عضم الحوض كل أسبوع.”
“بيقول إن حوضي ملووح سنة من قعدة المكتب، وبيعملي حركة كده يظبطه بيها.”
“بيضغط براحة في حتت معينة لحد ما أسمع صوت ‘تك’ كده، والدنيا بتتظبط.” وبدأت أشرح بإيدي.
“بقاله سبع سنين مبيفوتش جمعة، وفعلاً ظهري مبقاش يوجعني خالص.”
البنات حواليا بدأوا يشهقوا من الإعجاب:
“يالهوي يا نورا، جوزك ده لقطة!”
“ده مفيش منه اتنين والله، بيعرف في العضم كمان؟”
وسط كل كلام الانبهار ده، أنا كنت منفوخة بالفخر، بس فجأة لمحت وش مروة.
الضحكة اختفت تماماً من على وشها، وحل مكانها خوف غريب يرعب.
“نورا.” صوتها بقى حاد وجاد جداً.
“عيدي اللي قولتيه ده تاني كده؟”
“بالظبط.. بيحط إيده فين؟ وبيضغط إزاي؟ وصوت التكة ده بيطلع من أنهي حتة في جسمك؟”
تنحت ومبقتش فاهمة في إيه: “يعني.. عند الوسط كده ومنطقة الحوض من ورا.”
“والضغط مش جامد، براحة خالص.”
“والصوت.. بيبقى طالع من الحوض من تحت.. بين الفخدين والظهر.
”
حواجب مروة اتلفت في بعض، ورزعت الشوكة من إيدها على الترابيزة لدرجة إن الطبق اتهز.
بصتلي وكأنها بتشوف كابوس: “الموضوع ده بقاله قد إيه؟”
“سبع سنين.”
“كل أسبوع؟”
“آه.. كل جمعة.”
في اللحظة دي، وش مروة بقى زي الأموات، شفايفها بترتعش وكأنها مش قادرة تنطق باللي في دماغها.
الكل سكت في القاعة، الأجواء اتقلبت غموض ورعب.
“مروة.. في إيه؟ خضيتيني؟” سألتها بصوت واطي.
مردتش عليا، كانت بتبصلي بنظرة شفقة وذهول مخلتنيش على بعضي.
وفجأة..
قامت واقفة وشدتني من معصم إيدي بكل قوتها، إيدها كانت سِقْعة زي الثلج وبترتعش:
“تعالي معايا حالاً!”
ومن غير ما تديني فرصة أفهم، سحبتني وراها وسط نظرات الذهول من كل اللي قاعدين، وخدتني على الحمام وقفت الباب وراها..
صوتها كان بيرتعش وهي بتقولي جملة واحدة بس..
جملة واحدة كانت كفيلة تخلي ركبي تخونني، ومقدرش أقف على رجلي ولولا إني سندت على الحيطة كنت وقعت من طولي…..
مروة قفلت باب الحمام بالمفتاح، لفت ليا ووشها كان خالي من أي نقطة دم. كانت بتتنفس بسرعة، وعينيها بتتحرك في كل حتة كأنها بتدور على كلام مش قادرة تنطقه.
“مروة في إيه؟ خضيتيني!

شكلنا بقى غريب قدام الدفعة برة!”
مسكتني من كتافي والارتعاش اللي في إيدها وصل لجسمي كله: “نورا.. ركزي معايا في كل كلمة هقولهالك. أنتي واثقة إن أحمد ملوش أي علاقة بالطب؟ يعني مدرَسش أي حاجة تخص العلاج الطبيعي أو العظام؟”
“لأ طبعاً يا بنتي، بقولك خريج تجارة وبقاله سنين شغال في البورصة والحسابات! هو بس غاوي قراية..”
“قراية إيه وزفت إيه!” مروة زعقت بصوت مكتوم وهي بتخبط على دماغها، “الراجل ده مش بيعالجك يا نورا.. الراجل ده بقاله سبع سنين بيعمل فيكي جناية!”
ركبي بدأت تسيب. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: “جناية؟ جناية إيه؟ بقولك ظهري خف ومبقتش بحس بوجع!”
مروة خدت نفس طويل ودموعها نزلت من الصدمة: “يا نورا افهمي! علم التشريح والعظام ده مش لعبة. الصوت اللي أنتي بتسمعيه كل أسبوع، الـ ‘تك’ اللي فاكراها ضبط للعضم.. دي مش طقطقة عادية. أحمد بقاله سبع سنين، مستغل استسلامك وثقتك العمياء فيه، وبيعملك حاجة اسمها ‘توسيع ميكانيكي متعمد لأربطة الحوض’.”
“يعني إيه؟” سألتها وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب من الحمام.
“يعني الراجل ده، بوضعية رجليكي اللي بيطلبها وضغطه المستمر في نقط معينة، بيفكك
الأربطة الطبيعية اللي ربنا خلقها عشان تحمي حوضك وتخليه متماسك. هو مش بيظبط العضم، هو بيوسع الحوض بالعافية! بيغير تكوينك الجسدي! الحركة دي مفيش دكتور عظام في العالم يجرؤ يعملها، لأنها ببساطة بتبوظ ثبات الجسد.. أنتي عارفة ده معناه إيه؟”
سكتُّ، مش قادرة أنطق، دموعي نزلت من الخوف.
مروة كملت وصوتها مشروخ: “أنتي افتكرتي إن ظهرك خف، بس الحقيقة إن الضغط اتنقل من منطقة لمنطقة تانية خالص. فاكرة كلام حماتك اللي لسه حكياهولي؟ لما قالتلك ‘العضم فتح والبطن تشيل بالثلاثة والأربعة’؟ الست دي مش جاهلة.. الست دي وأبنها عارفين هما بيعملوا إيه بالظبط! هما بيوسعوا حوضك بالطريقة دي عشان.. عشان..”
مروة سكتت ومقدرتش تكمل، خبت وشها في إيديها وبدأت تعيط بحرقة.
أنا في اللحظة دي حسيت إن الدنيا بتلف بيا. البلاط اللي تحت رجلي كأنه اتهز، وسندت على الحيطة بكل قوتي عشان مأقعش. السبع سنين كلهم عدوا قدام عيني في ثانية واحدة.. أحمد وهو بيبتسم بحنية.. أحمد وهو بيفك زراير البيجامة.. نظرات حماتي المريبة لحوضي.. الشوربة اللي كانت بتجيبها كل جمعة.. كل حاجة اتربطت ببعضها في لحظة مرعبة.
“عشان إيه يا مروة؟
أنطقي عشان إيه؟!” صرخت فيها بهمس مرعوب.

مروة رفعت راسها وبصتلي بشفقة تقطع القلب: “عشان يبطلوا مفعول العيب الخلقي أو الضيق اللي عندك في الحوض يا نورا.. عشان لما تحملي، تولدي طبيعي من غير أي عوائق، أو يمكن عشان يجهزوكي لحاجة تانية خالص.. الراجل ده بقاله سبع سنين بيشوه جسمك بالبطيء وعن عمد!”
خرجت من الحمام وأنا مش شايفة قدامي. مروة كانت سانداني، اعتذرت للناس في المطعم تالت ومتلت، وقالتلهم إن جالي هبوط مفاجئ ولازم نمشي. ركبنا عربية مروة، وطول الطريق وأنا باصة من الشباك والدموع بتنزل زي المطر من غير صوت.
كنت بسأل نفسي سؤال واحد: ليه؟
أحمد اللي حارمني من الهوا، اللي بيصحي الصبح يعملي الفطار، اللي بيغسلي رجلي بمية وملح.. يعمل فيا كده؟ وليه بالسرعة دي وبلؤم السنين ده؟
“إحنا رايحين فين يا مروة؟” سألتها بصوت طالع بالعافية.
“رايحين المستشفى عندي يا نورا. هنعمل أشعة إكس وأشعة مقطعية فوراً على الحوض والعمود الفقري. لازم أشوف بعيني إيه اللي حصل جوه جسمك طول السبع سنين دول، ولازم نلحق اللي يقدر يتلحق.”
دخلنا المستشفى من باب الطوارئ عشان نبعد عن الزحمة. مروة خلصت كل الإجراءات في ثواني، ودخلت الأوضة بتاعة الأشعة. كنت حاسة وأنا نايمة تحت الأجهزة الكبيرة دي إنني عريانة.. مش عريانة من الهدوم، عريانة من الأمان. الراجل اللي أديته مفاتيح حياتي وجسمي، كان بيعمل فيا إيه وأنا مغمضة عيني ومطمنة؟
بعد ساعة كاملة من الانتظار في مكتب مروة، الباب اتفتح. مروة دخلت وفي إيدها الأفلام والتقارير. وشها كان منقوع في الهم. حطت الأشعة على اللوح المضيء وبصتلي.
“بصي يا نورا..” شاورت بإيدها على منطقة الحوض في الأشعة، “ده حوض ست طبيعية في سنك.. المفروض العظمتين دول يكونوا مقربين من بعض بالملي، وفيه أربطة قوية جداً رابطة بينهم. شوفي بقى حوضك أنتي؟”
بصيت على الأشعة، ومكنتش محتاجة أكون دكتورة عشان أفهم. العظمتين كانوا مبعدين عن بعض بشكل يخوف، كان فيه فراغ واضح وكبير، كأن جسمي اتفتح نصين من تحت.
“أحمد نجح فعلاً في اللي كان عايز يعملة..” مروة قالتها بصوت حزين، “هو دمر الأربطة تماماً، وحوضك دلوقتي مفتوح بشكل غير طبيعي. الحمد لله إن عضمك قوي ومستحمل، بس لو استمريتي معاه شهرين كمان، كنتي هتصحي في يوم تلاقي نفسك
مش قادرة تمشي خطوة واحدة، وكان هيجيلك شلل كامل في الأطراف السفلية بسبب الضغط على الأعصاب الرئيسية!”
مسكت راسي وبدأت أصرخ من غير صوت: “ليه يا مروة؟ ليه يعمل كده؟ أنا عمري ما قصرت معاه في حاجة! إحنا متجوزين عن حب! ليه يشوهني؟”
مروة قعدت جنبي وأخدتني في حضنها: “النوعية دي من البشر يا نورا بيبقى عندهم هوس وسيكوباتية متدارية ورا الوش الحنين. لازم نعرف السبب.. بس قبل ما نعرف، أنتي مش هترجعي البيت ده تاني.”
في اللحظة دي، تليفوني رن على التربيزة.
الاسم ظهر: “حبيبي أحمد”.
جسمي كله اتنفض، وبقيت بصه للتليفون وكأنه قنبلة موقوتة هتنفجر في وشي. مروة شاورتلي بأقوى إشارة من عينيها: “ردي.. وافتحي الإسباكر، وخليكي طبيعية تماماً. متخليهوش يحس بأي حاجة.”
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الخط. حطيت التليفون على المكتب وفتحت الإسباكر.
“أيوة يا نورا يا حبيبتي، خلصتي؟ أنا برة قدام المطعم بقالي عشر دقائق مستنيكي.” صوت أحمد كان دافي وحنين زي كل مرة، الصدق اللي في صوته كان بيرعبني أكتر من الخيانة نفسها.
بلعت ريقي وحاولت أظبط صوتي: “أحمد.. حبيبي،معلش أنا مش في المطعم.”
صوته اتقلب لقلق في ثانية: “مش في المطعم؟ أمال أنتي فين؟ جرى حاجة؟”
“لأ مفيش، بس مروة صاحبتي ضغطها وطي فجأة وتعبت مننا، وأنا صممت أروح معاها المستشفى عشان أطمن عليها. أنا معاها دلوقتي في الدمرداش.”
سكت ثواني.. ثواني كانت كأنها دهر. وبعدين سمعت صوت نفسه الثقيل: “مستشفى الدمرداش؟ طب أنا جايلك حالا يا حبيبتي، مش هسيبك لوحدك في المستشفيات دي.”
“لأ لأ!” زعقت بسرعة من غير ما أتمالك نفسي، ومروة برقتلي، فلحقت نفسي وقُلت: “قصدي.. تعب نفسك ليه يا حبيبي والمشوار بعيد عليك من الزمالك؟ مروة بقت كويسة وخلاص بنقفل المحاليل وخارجين، هي هتوصلني لحد باب البيت بالعربية. ارجع أنت استناني هناك.”
سمعت صوت ضحكة خفيفة من ناحيته، ضحكة حسستني إن شعر جسمي كله وقف: “ماشي يا نورا.. اللي تشوفيه يا حبيبتي. أنا هرجع البيت أستناكي.. بس متتأخريش، عشان الحاجة عاملالك عشا مخصوص لازم تاكليه.”
“حاضر.. مع السلامة.”
قفلت السكة ورميت التليفون من إيدي. بصيت لمروة وقُلتلها: “أنا لازم أرجع البيت.”
“أنتي اتجننتي يا نورا؟ ترجعي فين؟
الراجل ده خطر عليكي!”

مسحت بقايا الدموع من على وشي وسندت راسي على الكرسي: “ناوية أخد حقي يا مروة. بكرة الصبح هرفع قضية طلاق للضرر، والتقرير الطبي والأشعة والتسجيل اللي معاكي هيكونوا هما الأساس. أنا مش هسجنه عشان خاطر الأيام اللي كانت حلوة بيننا، بس هجبره يطلقني وياخد أمه ويختفوا من حياتي، ومش هسيب مليم واحد من حقوقي؛ المؤخر والمتعة والنفقة.. كل ده هاخده عشان أتعالج بيه.”
مروة ابتسمت وطبطبت على إيدي: “وهتتعالجي يا نورا، وهتبقي زي الفل. الموضوع هياخد وقت وجلسات علاج طبيعي بجد،
وعملية صغيرة نثبت بيها الأربطة تاني، بس هترجعي تقفي على رجلك وتجري كمان.”
بعد مرور سنة كاملة.
كنت واقفة قدام المراية في عيادة العلاج الطبيعي الكبيرة في المهندسين. كنت لابسة فستان شيك ومظبوط عليا، وباصة لشكلي.
السنة دي كانت أطول وأصعب سنة في حياتي. شهور من المحاكم والمشاكل، أحمد وأمه حاولوا بكل الطرق يضغطوا عليا، جابوا ناس ووساطات عشان أتنازل، بس أنا كنت زي الحيطة السد. في النهاية، لما عرفوا إن القضية خسرانة وإن التسجيلات والأشعة ممكن تدخله السجن، أحمد وافق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *