زوجتي السابقة ٣
تقدمت سارة خطوات بطيئة نحو المكان الذي أقف فيه، وكانت السلة تهتز في يدها. نظراتها كانت حائرة، تتنقل بين وجهي المغطى بغبار الإسمنت وبين يديّ اللتين كنت أحاول إخفاءهما وراء ظهري خجلاً من منظرهما النامي بالدم والفقاعات.
توقف كريم بجانبها، وضع يده على كتفها وكأنه يطمئنها، ثم قال بنبرة جافة وهو ينظر إليّ:
— هذا العامل الجديد مالتنا يا سارة. عاف مكاتب بغداد وقرر يجي يجرب تعب الخبزة الحلال.
لم تنطق سارة بكلمة واحدة في البداية. كانت أنفاسها متسارعة، ورأيت في عينيها صراعاً لا يقل عن الصراع الذي دار في عينَي كريم صباحاً. سارة التي عرفتها لسنوات كانت رقيقة المشاعر، لا تحتمل رؤية طير مجروح، فكيف وهي ترى الرجل الذي أحبته يوماً، والرجل الذي كسر قلبها، يقف أمامها الآن في هذه الحالة من الانكسار والمهانة الجسدية؟
أخيراً، أبعدت نظراتها عني والتدفت نحو كريم، وقالت بصوت هادئ يحمل رجفة مكتومة:
— كريم… أنا جبت الغدا إلك وللعمال. الدنيا حارة برة، تعالوا اكلوا جوة بالظل.
أومأ كريم برأسه ونادى على العمال ليجتمعوا حول الطعام. ساروا جميعاً نحو الغرفة المسقوفة الوحيدة في الهيكل الخرساني، وبقيت أنا واقفاً في مكاني تحت أشعة الشمس الحارقة. كنت أعلم أنني لا أستحق الشفقة، وأن هذا جزء بسيط من الثمن الذي يجب أن أدفعه.
تحاملت على ألم ظهري وأمسكت بالمجرفة مجدداً لأتابع العمل، مفضلاً الموت تعباً على أن أحرجهم بوجودي معهم على مائدة واحدة. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت وقع خطوات ناعمة تقترب مني.
رفعت رأسي، فإذا بسارة تقف على بُعد مترين. وضعت رغيفاً من الخبز الحار وقطعة من الجبن وكوباً من الماء البارد فوق صندوق خشبي قريب مني. نظرت إلى الأرض وقالت دون أن ترفع عينيها إليّ:
— اكل واشرب ماي… كريم ما يرضى عامل يشتغل عنده وهو جوعان، مهما كان هذا العامل ومنو يكون.
قالت كلماتها واستدارت لتغادر بسرعة، لكنني ناديتها بـصوت مبحوح وممتلئ بالدموع:
— سارة… فدوة بس اسمعيني.
توقفت في مكانها، لكنها لم تلتفت إليّ. بقيت معطية ظهرها لي.
تابعتُ بكلامي والدموع تحفر مجاريها وسط الغبار المحيط بوجهي:
— سارة، أنا ما جيت هنا حتى أخرب حياتج ولا حتى أستعطفج. أنا جيت لأن النظرة اللي شفتها بعيونج وبعيون كريم البارحة خلتني أشوف حقيقتي البشعة. أنا عشت خمس سنين أركض ورا وهم، وخسرت بسببه أعز الناس. أنا ما أطلب منج تسامحيني، لأن ذنبي جبير، بس أريدج تعرفين إن كريم يسوى الدنيا كلها، وإن اختيار هسة هو الصح… الله يوفقكم ويسعدكم.
التفتت سارة ببطء، وكانت عيناها مغرورقتين بالدموع. نظرت إليّ طويلاً، وكأنها تبحث في ملامحي عن “أحمد القديم”، ثم قالت بنبرة حملت الكثير من الأسى:
— أحمد… الفلوس تغير النفوس، بس ما جنت أتوقع تغيرك لدرجة تنسى بيها أخوك اللي شالك على جتافه. هسة أنت جاي تشتغل بالتراب؟ هذا التراب اللي جان كريم يرجع بيه للبيت وتستنكف تكعد وياه على نفس الصينية؟ رب العالمين عادل يا أحمد، يدور الأيام حتى يراوينا قيمة النعمة اللي رفسناها برجلينا.
قبل أن أتمكن من الرد، خرج كريم من الغرفة المسقوفة. نظر إلينا وعيناه تتوقدان بالغيرة والحرص، فصاح بصوته الجهوري:
— سارة! يالله يا باص، التاكسي ينتظرج برة حتى يرجعج للبيت.
نظرت إليّ سارة نظرة أخيرة حملت غيوم الحزن والشفقة، ثم أسرعت نحو كريم، ودعت له، وغادرت الموقع.
مشى كريم نحوي بخطوات ثقيلة، وقف أمامي ونظر إلى الطعام الذي وضعته سارة ولم ألمسه بعد. انحنى، وأمسك بكوب الماء البارد، وسكبه فجأة على يديّ المتورمتين والممتلئتين بالإسمنت والدم. شعرت بحرقة شديدة جعلتني أنين، لكنني كتمت وجعي.
قال كريم وهو ينظر في عيني بـحدة وإصرار:
— كافي كلام وبجي يا أحمد. إذا صدك تريد تتعلم المرجلة، اكل لقمة والزم كركك (مجرفتك)… الشغل ورانا طويل، واليوم راح تبات هنا بالموقع ويايه على حصير الفقر، حتى تضوق طعم العيشة اللي جنت تستهزئ بيها.
هززت رأسي موافقاً، وجلست على الأرض الترابية آكل اللقمة وأنا أشعر أنني بدأت أضع قدمي على طريق طويل وصعب لاستعادة نفسي، دون أن أعلم ما الذي يخبئه لي الغد، وخاصة أنني تركت خلفي في بغداد زوجة وعملاً وعالماً كاملاً قد ينفجر في وجهي في أي لحظة.
وبالفعل، لم يكد الليل يرخي سدوله ونحن نجلس حول نار صغيرة أشعلها العمال، حتى أضاءت شاشة هاتفي القديم الذي استعرته، وكان المتصل هذه المرة هو سكرتير المدير العام في شركتي ببغداد، وصوته يرتجف من الخوف…
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
فتحتُ الخط بـأصابع ترتجف، وابتعدتُ قليلاً عن حلقة العمال وكريم الذين كانوا يراقبونني بـصمت. جاءني صوت السكرتير متقطعاً ومرعوباً:
— أستاذ أحمد! أنت وين؟ المدير العام كلب الدنيا عليك! رنا قلبت الشركة فوق حدر، وجابت وياها شرطة ومحامين.. كشفت كل الحسابات والتوقيعات اللي جنت تديرها، وجاي يتهموك بـاختلاس أموال وتزوير عقود! إذا ما تجي الصبح لبغداد، راح يصدر أمر إلقاء قبض بحقك!
تسمّرت في مكاني، وشعرت بـبرودة تسري في أطراف Outer رغم دفء النار المشتعلة. رنا لم تكتفِ بـإذلالي عاطفياً، بل قررت تدميري نهائياً وصنع تهمة تلفقها لي لتخرج من زواجنا بـصورة الضحية وتجرّدني من كل شيء.
أغلقت الهاتف ببطء، والتفتُّ لأجد كريم واقفاً خلفي مباشرة. كان قد سمع نبرة الخوف في صوتي ورأى شحوب وجهي تحت ضوء النار. نظر في عيني وقال بنبرة هادئة لكنها حازمة:
— شكو يا أحمد؟ شصاير ببغداد؟
لم أعد أملك القدرة على الكذب أو إخفاء أي شيء. ارتميت على كتفه وأنا أنتحب كطفل صغير، ورويت له كل شيء؛ عن زواجي القائم على المصلحة، وعن تهديدات رنا، وعن التهمة الكيدية التي تنتظرني في بغداد وتـهدد بـرميي خلف القضبان.
ساد صمت طويل، تمنيت فيه لو أن كريم يخبرني بأن هذا جزائي العادل، لكنه فاجأني. وضع يده الثقيلة على كتفي، وضغط عليها بـقوة أخوية افتقدتها لسنوات، وقال بصوت جهوري هزّ أعماق خوفي:
— أنا أخوك الجبير يا أحمد.. صحيح زعلت منك، وصحيح كسر قلبنا ما يطيب بيوم وليلة، بس ما عاش ولا كان اللي يذل السامرائي أو يتبلى عليه وهو عنده ظهر يستند عليه. بغداد عفتها برجلينك، وهسة ترجعلها برجلينك.. بس هالمرة ما ترجع وحدك، أنا وولد عمامك ورا العيد راح نطلع وياك، والشيخ أبو حديد عنده معارف وقانونيين يقلبون الطاولة على راس رنا وأبوها.
في صباح اليوم التالي، عدتُ إلى بغداد، لكنني لم أعد ذلك الرجل المتغطرس. جئت بـملابس العمل البسيطة، يرافقني كريم والشيخ أبو حديد ومحامٍ من طرفهم. دخلت إلى مكتب المدير العام حيث كانت رنا تجلس بـكبرياء وتضع رجلاً فوق رجل، والابتسامة الخبيثة تعلو وجهها وهي تمسك بملف التهم.
وقفتُ أمامها بـثقة استمددتها من وجود أخي خلفي، ورميتُ على مكتبها مستنداً لم تكن تتوقعه؛ تفويضاً رسمياً وتسجيلات تثبت أن كل العقود التي تمت كانت بـعلم وتوقيع والدها شخصياً، وأن حساباتي نظيفة كـنقاء يديّ الآن من مالهم الحرام.
تغيرت ملامح رنا وفقدت توازنها، وصرخت بـغضب وهي تنظر إلى كريم وهيئته البسيطة:
— منو هذولة اللي جايبهم وياك؟ عامل بناء وجاي يهددني؟
تقدم كريم خطوة نحو الأمام، ونظر إليها بـشموخ وعزة نفس جعلتها تتراجع إلى الخلف، وقال بـصوت زلزل الغرفة:
— أنا عامل البناء اللي بنى مستقبل هذا الزلمة الواقف قدامج، وأنا ظهره اللي ما ينكسر. أحمد من اليوم ماله عيشة وياكم، وهاي ورقة طلاقج راح توصلهبلقانون، وحق شعرة منه ما تلمسوها.
خرجنا من الشركة ورأسي مرفوع لأول مرة منذ خمس سنوات. التفتُّ إلى كريم والدموع في عيني، وشكرته من كل قلبي. نظر إليّ بـابتسامة حانية بدأت تذيب جبال الجليد بيننا، وقال:
— هسة انطوت صفحة بغداد يا أحمد.. ارجع ويايه للحلة، اكو شخص ينتظرنا هناك، ولازم ننهي الخلاف اللي بيناتكم حتى نفتح صفحة جديدة.
ركبنا السيارة متوجهين إلى بابل، وقلبي يدق بـعنف.. هل ستقبل سارة بـوجودي في حياتهم كـأخ لكريم بعد كل ما حدث؟ وما الذي ينتظرني عند وصولنا إلى ذلك المنزل المتواضع؟
وصلنا إلى تلك البلدة الصغيرة في أطراف بابل مع مغيب الشمس. كان المنزل المتواضع الذي شهد حفل الزفاف بالأمس هادئاً، والأضواء الصفراء لا تزال معلقة في الساحة ترتعش مع نسمات الهواء العليل.
ترجلتُ من السيارة بجانب كريم، وكان قلبي ينبض بعنف، يطرق صدري كطبل حرب. تقدم كريم نحو الباب ونادى بـصوته الدافئ:
— سارة… يا أم بيتي، اطلعي لبرة.
انفتح الباب ببطء، وخرجت سارة وهي ترتدي ثوباً بسيطاً. نظرت إلينا، ورأتني أقف بجانب كريم بملابس العمل والتراب يغطي حذائي، لكن وجهي كان هادئاً لأول مرة، مستنداً إلى جدار أخي الذي لا يميل.
نظر كريم إلى سارة ثم التفت إليّ، وأمسك بيدي بـقوة ووضعها في يد سارة. دمعت عيناه وهو يقول بصوت متهدج:
— سارة… أحمد غلط بحقنا كلنا، وأعماه الطمع والمظاهر. بس أحمد انكسر، والزلمة اللي ينكسر ويرجع لأصله تائب، نفتحله قلوبنا قبل بيوتنا. هذا أخويه الصغير، قطعة من روحي.. وأنا سامحته لوجه الله ولخاطر دم العروق. وأريدج اليوم تسامحيه، حتى تبارك عيشتنا ونبدأ حياتنا بـقلوب نظيفة ما بيها غل.
نظرت سارة إلى يدنا المتشابكتين، ثم رفعت عينيها نحوي. رأيت في نظرتها تلك اللحظة نهاية العاصفة؛ اختفى العتاب الحاد، وحل محله رضا وسكينة، وقالت بنبرة عذبة مسحت كل آلام الماضي من صدري:
— دام كريم سامحك يا أحمد… أنا مسامحتك بـالدنيا والآخرة. الأخ ما يتعوض، والحمد لله اللي رجعلك عقلك وأخوك قبل ما يفوت الأوان.
في تلك اللحظة، انهمرت دموعي، لكنها لم تكن دموع حصرة أو ألم كالأمس، بل كانت دموع غسيل الروح والولادة الجديدة. انحنيت وقبّلت رأس أخي كريم، ثم قبلت يديه الخشنتين اللتين طالما استنكفت منهما، وعاهدته أن أكون سنداً له وعاملاً معه في موقع البناء، تاركاً بغداد وزيفها خلف ظهري إلى الأبد.
### 💡 الحكمة المستخلصة من القصة:
> **”إن قيمة المرء لا تُقاس بـما يملك في جيبه من مال، أو بنوع السيارة التي يقودها، بل بـما يحمله في صدره من شرف وأصل، وبـمن يقفون وراءه وقت الشدائد.”**
>
تعلّمتُ من هذا الدرس القاسي مواعظ وعبر عشتها بدمي:
* **الأصل والدم لا يعوضان:** المظاهر الخارجية والوظائف الفاخرة قد تصنع لك وجاهة مزيفة وسط مجتمع مادي، لكنها تتبخر عند أول أزمة، ولا يبقى لك في النهاية إلا أخوك وسندك الحقيقي.
* **الخبزة الحلال أشرف من كنوز الأرض:** الأيدي الخشنة الممتلئة بـجراح التعب والشرف، أطهر وأعز عند الله والناس من أيدي ناعمة تعيش على الذل والمال الحرام والمصالح الضيقة.
* **عدالة السماء بالمرصاد:** الدنيا دوارة، ومن يسعى لـإذلال الآخرين والاستهزاء بـفقرهم، سينطق الله الأيام لـتضعه في موقف يرى فيه صغر حجمه وتفاهة كبريائه أمام عزة النفس الحقيقية.