بقلم زهره الربيع
الست اللي بتساعدني في البيت بقالها تمن سنين، أول ما جت تسيب الشغل، فاجئتني إنها ردت لي كل الفلوس اللي كنت بديهالها طول السنين اللي فاتت.
قالتلي: “يا هانم، أنا شايلة ذنبك.. الضلفة اللي جوه خالص في دولاب أوضة النوم الكبيرة.. دي مش متسمرة، دي بتتشال عادي.”
ومن غير ما تستنى رد، خدت شنطتها ومشيت.
أنا وقفت مصدومة، مش فاهمة هي تقصد إيه. بس اللي أعرفه إن الست دي عارفة تفاصيل بيتي أكتر مني بكتير.
الدولاب ده “خشب أرو” تفصيل، واخد حيطة كاملة، وفيه 6 دلف.
الدلفة اللي في الآخر دي، بتاعة بدل “حازم”.
ورا هدومه فيه لوح خشب فاصل.
من سنتين حاولت أزقه، حازم قالي “بلاش، ده مسمرينه عشان يثبت الدولاب”، ومن يومها وأنا ما قربتش منه.
بس كلام الخدامة خلاني أشك. نزلت على الأرض أتأكد، ولقيت إن مفيش مسامير، دي “سوستة” خفية.
دوست عليها، اللوح اتحرك وفتح.. لقيت جوا شنطة جلد سودا.
فتحتها، أول حاجة قابلتني “موبايل”.
فتحت الشاشة، طالب باسوورد.
جربت عيد ميلاده.. غلط.
تاريخ جوازنا.. غلط.
وقفت ثواني.. وكتبت “تاريخ ميلاد كنت سمعته منه كذا مره وقالي انه تاريخ مميز هعرفه بعدين”.
فتح!
فتحت تطبيق الواتساب، فيه شات واحد بس متبت فوق، مسميه “قلب”.
آخر رسالة من الساعة 11 بالليل امبارح:
“يا حبيبي، ابنك النهاردة نطق كلمة (بابا)، تعالى شوفه يا حازم.”
ومرفق معاه فيديو 15 ثانية.
في الفيديو، طفل عنده حوالي 3 سنين، لابس “سلوبيت” وبيقول “بابا”.
المكان مش بيتي.. حازم بقاله 8 سنين متجوزني ومخلفناش، وكان دايماً بيقولي “سيبيها على الله”. أنا كشفت وطلعت سليمة، وهو اللي كان بيرفض يكشف.
رجعت لورا في الشات.. أكتر من 3 سنين.
من بداية 2020 لحد إمبارح.
ألف يوم.. كل يوم رسايل.
“مش هتيجي يا حبيبي؟”
“وحشتني.”
“الواد سخن، ممكن تيجي؟”
ردود حازم كانت دايماً ناشفة:
“مشغول النهاردة.”
“هعدي عليكي بكره.”
“جبتي له الدوا؟”
وكل فين وفين يبعت رسالة طويلة: “استني سنتين كمان، وهكتبلك كل حاجة باسمك.”
قفلت الموبايل، وطلعت الحاجات التانية:
عقد شقة في “كومباوند سيتي فيو”، 128 متر.. باسم واحدة اسمها “شيرين”.
كشف تحويلات بنكية، كل يوم 10 في الشهر بيبعت 50 ألف جنيه لنفس الست دي. بقالهم 4 سنين مبيفوتوش شهر.
علبة فيها “سلسلة دهب” عليها كارت: “عيد ميلاد سعيد يا شيرين.”
شيرين.. عمره ما نطق الاسم ده في بيتي. هو دايماً بيناديني “يا دينا” أو “انتي يا بت”.
رجعت كل حاجة مكانها، وقفلت الدولاب، ورتبت البدل زي ما كانت.. كأن مفيش حد لمس حاجة.
نزلت قعدت على الكنبة.. الساعة 3:17 العصر.
حازم قال هيرجع الساعة 9.. هو على الأقل 4 أيام في الأسبوع مبيتعشاش في البيت بقاله 8 سنين.
كنت فاكراه “شغل ومقابلات”.. طلع طول الوقت ده في “سيتي فيو” مع شيرين وابنه اللي عنده 3 سنين.
مستخدم تاريخ ميلاد ابنه باسوورد، وتاريخ ميلادي أنا للموبايل اللي بيكلمني بيه.
يا للعدل!
مسكت موبايلي واتصلت بصاحبتي من أيام الجامعة.
“دينا؟ في حاجة؟”
“حازم بيخونني يا ندى.. وعنده عيلة تانية كاملة بقاله 4 سنين.”
سكتت لحظة وقالت: “عرفتي منين؟”
“الخدامة قالتلي على مكان سري في الدولاب.. ولقيت كل الإثباتات.”
“حازم يعرف إنك عرفتي؟”
“لأ.”
“خدي بالك، أوعي يبان عليكي حاجة.”
الساعة 9:30 بالليل، حازم دخل البيت، باين عليه مبسوط.
“تعشيت يا حازم؟”
“آه، اتعشيت.”
“شلتلك حتة سمك، ابقى سخنها بكره.”
“ماشي.”
طلع فوق، فتح الدولاب، وعلق البدل.. إيده لمست مكان السوستة. قلبي وقف، بس هو عدلها وقفل الدولاب ودخل الحمام.. وقعد يغني.
بقالنا سنين مسمعتوش بيغني.
يوم تاني الصبح، خرج بدري قال عنده شغل.
مطعم “نكهة الشام” اللي عنده 6 فروع دلوقتي.. كان من 8 سنين مجرد محل صغير 50 متر. أنا اللي دفعت “شبكتي وفلوسي” عشان يفتح، وأنا اللي كنت بقف على الكاشير وبشرف على التجهيزات.
ولما الدنيا مشيت، قالي: “اقعدي إنتي في البيت وارتاحي يا حبيبتي.”
وقتها كنت فاكرة إنه بيحاول يريحني.. طلع كان بيحاول يبعدني عشان ياخد راحته.
وصلتني رسالة من صاحبتي:
“شيرين، 27 سنة. كانت شغالة مديرة فرع في مطعمه من 4 سنين، اشتغلت 6 شهور واستقالت.. وبعدها بـ 3 شهور انتقلت لسكن الكومباوند. العربية الأودي اللي معاها باسمه، والفلوس كلها من حسابه. وابنهم مولود 4 مايو 2019.”
كلام يوجع.. بس اللي وجعني أكتر هو “المهانة”. أنا كنت بغسله هدومه وأكويها وأنا اللي بفرشله السرير، وهو كان بيصرف على واحدة تانية بقاله 4 سنين.
الساعة 2 الضهر، ركبت عربيتي وطلعت على “سيتي فيو”.
الأمن هناك عارفه، دخلت من غير ما حد يسألني.
عمارة 3، شقة 201…..
وقفت قدام باب الشقة 201.. نفسي كان عالي، وقلبي بيدق في كل حتة في جسمي لدرجة إني كنت حاسة إن سكان العمارة كلهم سامعينه.
مترددتش.. رفعت إيدي وخبطت تلات خبطات قويين.
ثواني والباب انفتح.. وظهرت هي.
شيرين.. كانت أصغر مني، ملامحها هادية، ولابسة ترينج بيتي مريح. أول ما شافتني ملامحها اتغيرت، علامات الدهشة والوجل ظهرت على وشها، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بقالها سنين بس مش مستعدة ليها.
* **أنا:** “أظن عارفة أنا مين.. مش محتاجة أقدم نفسي يا شيرين.”
* **شيرين (بصوت مرتعش):** “مدام دينا؟!.. اتفضلي.. ادخلي.”
دخلت الصالة، عيني لفت المكان.. الشقة واسعة، العفش غالي، وفيه لعب أطفال مرمية في كل حتة. في الزاوية كان فيه برواز كبير فيه صورة حازم، وهو حاضنها وحاضن الطفل.. نفس الطفل اللي شفته في الفيديو. الوجع عصر قلبي، بس تماسكت.. مش دي اللحظة اللي هضعف فيها.
قعدت على الكنبة وحطيت رجل على رجل بكل ثبات:
* **أنا:** “مش هضيع وقتي ووقتك.. حازم مش هنا دلوقتي، وأنا مش جاية أعمل فضيحة ولا أشد في شعرك.. أنا جاية أسترد حقي.”
* **شيرين (بدأت تعيط):** “والله يا مدام دينا هو اللي قالي إنه مطلقك.. قالي إنكم عايشين مع بعض زي الإخوات عشان شكل برستيج عيلته، وإنه متجوزني شرعي على سنة الله ورسوله.. أنا مكنتش أعرف إنك متعرفيش!”
ضحكت بسخرية.. ضحكة طالعة من وسط النيران اللي جوايا:
* **أنا:** “مش فارق معايا كدب حازم عليكي، ولا فارق معايا دموعك.. اللي يهمني دلوقتي حاجة واحدة.. الفلوس دي، العربيات، والكومباوند، وفروع المطاعم.. دي شقا عمري أنا، دهب جوازي وفلوس أبويا اللي حازم كبر بيهم. إنتي وابنك عايشين في خير دينا.”
## خطة التنازل.. الهدوء الذي يسبق العاصفة
سبتها ومشيت من غير ما أسمع منها كلمة زيادة، بس سبت جواها رعب حقيقي. كلمت ندى صاحبتي، وطلبنا محامي شاطر جداً بيثق فيه والدي الله يرحمه.
اتعلمت في الساعات دي إني مأخدش أي خطوة باندفاع. رجعت البيت، وحازم جه بالليل زي العوايد، دخل وباس دماغي وقالي: “عاملة إيه يا حبيبتي؟”
ابتسمت ببرود وقولتله: “الحمد لله يا حازم.. كله تمام.”
فضلت أسبوع كامل بمثل دور الزوجة المطيعة الراضية، وفي الخفاء كنت بجمع مع المحامي كل الأوراق اللي تثبت إن رأس مال المطاعم الأول كان من فلوسي، وإن فيه تحويلات بنكية تمت من حسابي لحسابه وقت التأسيس، مع إثباتات التحويلات اللي بيبعتها لشيرين شهرياً من أرباح الشركة اللي أنا شريكة فيها قانوناً بالنصف بناءً على عقد قديم كنا عاملينه في البداية ونسيه مع الأيام.
في يوم، طلبت منه نتقابل في الفرع الرئيسي للمطعم.. قولتله: “عايزة أتعشى معاك في مكان نجاحنا يا حازم، بقالنا كتير متجمعناش.”
وافق وهو مبسوط ومطمن تماماً.
## المواجهة الكبرى.. الحساب
قعدنا في التربيزة اللي في النص، وطلبنا الأكل. حازم كان بيتكلم عن خططه لتوسيع الفرع السابع، وأنا بصه له ومبتسمة.. لحد ما طلعت من شنطتي “الشنطة الجلد السودا” وحطيتها على التربيزة قدامه.
وشه اتقلب 180 درجة.. الفرحة اختفت، والدم هرب من عروقه.
* **حازم (بصدمة وتلعثم):** “دي.. دي جبيتيها منين؟”
* **أنا بابتسامة هادية:** “من الضلفة اللي جوه خالص في دولاب أوضة النوم الكبيرة.. السوستة الخفية يا حازم. والموبايل باسوورده تاريخ ميلاد ابنك.. 4 مايو.”
حاول يتكلم، يبرر، يمسك إيدي.. بس أنا سحبت إيدي فوراً:
* **أنا:** “اششش.. مش عايزة أسمع صوتك. شيرين أنا روحتلها، وعرفت كل حاجة. والمحامي بتاعي برا مستني إشارتي عشان يرفع قضية تبديد أموال وقضايا تانية هتخليك تخسر كل الفروع دي في لمح البصر.. وبالمناسبة، الست اللي بتساعدني في البيت مشيت، ورجعتلي كل قرش اديتهولها، لأن ضميرها صحي.. عقبال ضميرك.”
* **حازم (بنبرة انكسار ورعب من الفضيحة وسط زباينه وموظفينه):** “دينا.. أنا أسف، الشيطان غواني.. أنا كنت عايز عيل يشيل اسمي وإنتي عارفة..”
* **أنا قاطعته بقوة:** “كنت تقدر تطلقني يا حازم.. كنت تقدر تقولي، لكن تستغلني وتعيش بفلوسي وتعمل بيهم عيلة تانية وتستغفلني 8 سنين؟ دي اللي ملهاش غفران.”
طلعت ورقة التنازل اللي المحامي جهزها:
* **أنا:** “قدامك حلين.. إما تمضي على تنازل كامل عن الـ 6 فروع بتوع المطاعم باسمي، وتطلقني للضرر مع كامل حقوقي ومؤخري.. ويا دوب أسيبلك الشقة اللي شيرين قاعدة فيها وعربيتها عشان ابنك ميتشردش. أو.. ندخل المحاكم، وساعتها مش هسيبلك هدومك اللي حلتك، والفضيحة هتبقى بجلاجل.”
بص للورقة وبص حواليه.. لقى إن خسارته هتبقى كاملة لو رفض. بدموع حقيقية من الخوف والنكسة، مسك القلم.. ومضى.
## النهاية.. البداية الجديدة
بعد أسبوعين، كنت واقفة في الفرع الرئيسي، وبغير اليافطة الكبيرة.. شيلت اسم “مطاعم نكهة الشام” وحطيت اسمها الجديد: **”مطاعم دينا”**.
حازم أخد شيرين وابنه ونقلوا لمحافظة تانية عشان يبدأ من الصفر بعد ما بقى مجرد موظف في شركة صغيرة، وبقت شيرين بتدوق معاه مرار الفقر والبدء من جديد.. والذنب اللي عمله فيا بيترد له في كل لحظة.
أما الست اللي كانت بتساعدني، فوصلت لبيتها، ورجعتلها كل فلوسها وفوقهم مكافأة كبيرة، وقولتلها: “أمانتك هي اللي أنقذت حياتي.. والفلوس دي حقك وشقاكي.”
رجعت بيتي.. قعدت على نفس الكنبة، بس المرة دي وأنا حاسة بالراحة.. المهانة مشيت، والحق رجع لأصحابه.. والعدل اتحقق والحمد لله.