مرات اخويا بقلم امانى سيد 3

مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايشة معاهم في لعبة الشطرنج دي، حاطة رجل على رجل وبحرك القطع من بعيد ومن غير ما حد يحس بيا. كنت شايفة مهند وهو بيتدبل ويموت في جلده كل يوم من تأنيب الضمير، والحيّة التانية عمالة تكل بأسنانها في طوب البيت عند أخويا. كنت عارفة، ومتأكدة بالملي، إن نهى هي اللي هتطلب الطلاق الأول.. الغيرة عمتها، وفاكرة إن مهند مستنيها على نار ومجهز لها الجنة اللي أنا قاعدة فيها.

وفعلاً، بدأت تعمل مشاكل من الهوا مع رؤوف. كل يوم خناقة، وكل يوم حوار، تضغط عليه بالطلبات، وتهمل في بيتها وفي شكلها وفي عيالها، وتسمعه كلام يسم البدن، لحد ما جابت آخره. أخويا طيب ومستحمل عشان العيال، لولا العيال دي كان رماها من زمان لأنها كانت زوجة مهملة لأبعد حد، بيت يضرب يقلب، وعيال متبهدلة، وهي موراهاش غير الموبايل والغل اللي بياكل في قلبها. وفي الآخر، لما ضيقت عليه الدنيا وطلبتها صريحة، رؤوف كرامته نقحت عليه ومبقاش قادر يستحمل القرف ده.. وطلقها.

أول ما عرفت خبر طلاقها، قعدت في صالتنا وابتسمت ابتسامة نصر. قولت: “جه دورك يا مهند.”

تاني يوم بالظبط، دخل مهند البيت ووشه ميريحش. كان باين عليه إنه عرف، وإن نهى كلمته وقالتله “أنا اتطلقت.. نفذ وعدك بقا”. قرب مني، وكان بيتنفض، عينه في الأرض وهو بيقول بصوت مخنوق:

ـ أميرة.. أنا مش قادر أكمل. أنا بجد بظلمك معايا، وكل يوم بيمر وأنا حاسس إني بموت لأني مش قادر أحبك بالشكل اللي تستاهليه. خلينا نطلق بالمعروف.. ومش هبخصك في أي حاجة من حقوقك.

بصيتله بنظرة طويلة، نظرة لمت فيها كل التمثيل الباكي اللي عملته الأسابيع اللي فاتت، وقولتله بنبرة هادية وباردة جداً نزلت عليه زي الس*كينة:

ـ وأنا موافقة يا مهند.. مش هجبرك تعيش معايا.

هو اتمطّع وبصلي بذهول، مكنش مصدق إن الموافقة هتيجي بالسهولة دي بعد ما كنت بقوله مقدرش أعيش من غيرك. حس براحة ميكس بالذنب، وفضل يبصلي وهو فاكرني الملاك البريء، المظلومة الغلبانة اللي اتداس عليها وهي مش فاهمة حاجة.

وفعلاً، الطلاق تم في هدوء، واداني كل حقوقي وزيادة، مؤخر وشبكة وعفش، كأنه بيشتري ذمته بالفلوس عشان يريح ضميره اللي واجعه. وأنا أخدت كل حاجة ودمعتي مانزلتش.. لأن العوض الحقيقي كان في كسر عينهم هما الاتنين.

سبته على عماه.. سيبته يروح “لوهم عمره” من غير ما أنطق بكلمة واحدة عن حقيقة نهى. مكنتش بحكيله هي قد إيه ست مهملة ومقرفة في عيشتها، ولا قولتله على الفضايح والخناقات اللي كانت بتعملها مع أخويا وتطرد فيها أهلها من بيتها، ولا عن قلة نظافتها وسواد قلبها اللي خلى أخويا يكره اليوم اللي شافها فيه.

سيبته يروح يتجوزها وهو فاكر إنه رايح ياخد “الملكة” اللي اتحرم منها، وقولت في سري وأنا بقفل باب بيتي ورايا: “روح لها يا مهند.. اتجوز حب عمرك، واتفاجئ بقا بالمقبرة اللي هتعيش فيها.. إنت وهي تستاهلوا بعض بالظبط.”

مرت الشهور، وأنا بدأت أرتب حياتي من جديد. الصدمة اللي كانت هتنشف دمي في الأول، بقت هي السبب في إني أقف على رجلي بقلب حجر. رجعت عشت مع رؤوف أخويا، وكنت واخدة بالي من عياله ومنه، وبحاول أعوضه عن الأيام السودة اللي شافها مع الحية. رؤوف كان فاكر إن حظنا وحش إحنا الاتنين في الجواز، ومكنش يعرف إن حظه هو بدأ يتعدل من يوم ما الحرباء دي خرجت من حياته.

طبعاً، مهند مكدبش خبر. أول ما شهور العدة بتاعت نهى خلصت، جرى واتجوزها. كان فاكر إنه بيكتب قصة حب أسطورية، وإنه أخيراً فاز بـ “حب عمره” اللي ضحى عشاني وعشان أخويا عشان يوصلها. وطبعاً، اتجوزها في السر في الأول عشان خايف من مواجهة رؤوف، وميعرفش إن رؤوف أصلاً كان رامي طوبتها ومفكرش فيها ثانية.

لكن المكتوب ملوش هروب، والنوعية اللي زي نهى مابتتغيرش.

بعد الجواز بكام شهر، بدأت الأخبار تتسرب ليا من بعيد لبعيد عن طريق معارف مشتركين، وكنت بسمع وأنا حاطة رجل على رجل وبشرب قهوتي بمزاج.

الصدمة الأولى لمهند كانت في البيت.. مهند اللي متعود على النظافة والنظام، واللي كان دايماً مخليني “هانم” في بيتي والشقة متوضبة سوبر لوكس، لقى نفسه داخل على زريبة! نهى اللي كانت بتتشيك بس وهي خارجة عشان تكيد الناس، طلعت مبتطقش تمسك مقشة ولا تنضف طبق. الأكل دليفري طول الوقت، والبيت ريحته تقرف، والطلبات والوز الع العمال على بطال مبيخلصش.

والألعن من كده، إن الغيرة والشك اللي كانوا عمينها عليا وعلى غيري، دارت بيهم عليه هو! بقت تفتش وراه، وتقلب في موبايله، وتعمله خناقات من الهوا على كل نزلة وطلعة، كأنها بتشرب من نفس الكأس اللي شربتهولي.

وفي يوم، وأنا قاعدة مع رؤوف في الصالة والعيال بيلعبوا حوالينا في هدوء وأمان، موبايل رؤوف رن. لقى المتصل رقم غريب، فتح الخط وسمعنا صوت مهند.. بس مكنش صوت مهند بتاع زمان، الواثق، البارد. كان صوته مكسور، تعبان، وفي نبرته كمية ندم تخلي الصخر يرق.

قال لـ رؤوف بصوت مخنوق:

ـ رؤوف.. أنا عارف إن ماليش عين أكلمك، وعارف إن اللي عملته في حقك وفي حق أختك يخليني مستاهلش حتى السلام.. بس أنا كنت مغمى على عيني، واتعاقبت. أنا اطلقت نهى النهاردة يا صاحبي.. اطلقتها بعد ما ورتني النجوم في عز الظهر، وعرفت قيمتكم وقيمة نظافتكم وأصلكم الطيب.

رؤوف بصلّي باستغراب وهو مش فاهم مهند بيتكلم عن إيه بالظبط، لأن رؤوف ميعرفش حكاية الرسالة القديمة. لكن أنا أخدت الموبايل من إيد أخويا، وحطيته على ودني، وقولت بنبرة هادية وثابتة هزت كيانه:

ـ مبروك يا مهند.. الطلاق دايماً بيبقى رحمة، مش إنت اللي قولتلي الكلمة دي يوم ما طلقتني عشان متظلمنيش؟ اشرب بقى من الـ “رحمة” دي لوحدك.

قفلت السكة في وشه، وبصيت لـ رؤوف اللي كان بيبصلي بذهول، وابتسمت ابتسامات صافية لأول مرة من شهور.. اللعبة خلصت، والعدالة الربانية خلصت حقي وحق أخويا من غير ما نوسخ إيدينا بيهم.

رؤوف فضّل باصصلي وعينه مبرقة من الذهول، مكنش مستوعب النبرة اللي كلمت بيها مهند ولا فاهم إيه اللي جاب نهى لمهند أصلاً. سكت ثانية وبعدين سألني بصوت حيريان:

ـ أميرة.. هو في إيه بالظبط؟ وإيه اللي جاب مهند لنهى؟ وهو بيتأسف على إيه؟

قعدت جنبه، وأخدت نفس طويل، وحسيت إن الحمل اللي كان كاتم على نفسي طول الشهور اللي فاتت دي خلاص انزاح. مبقاش في داعي للمداراة، اللعبة خلصت والكل اتكشف.

حكيتله كل حاجة.. من أول يوم ما راح عليا نومة وشفت الرسالة على الواتساب، لرد فعله جوه الحمام وتغيير الباسورد، للمسرحية اللي عيشتهم فيها يوم ما جوم زارونا والغل اللي كان قايد في قلب مراته، لحد يوم ما جالي يطلب الطلاق وهو عامل فيها الشهم اللي خايف يظلمني.

رؤوف كان بيسمعني وملامحه بتتغير مية حتة؛ عروق جبهته برزت وإيده اتشدت على يد الكنبة كأنه عاوز يكسرها، وعينه دمعت من كتر القهرة على نفسه وعلى أخته اللي اتغفلت من أقرب الناس ليه. قام وقف وهو بيصرخ:

ـ الكلب! الواطي! بقى صاحبي وعمرى يعمل فيا وفي أختي كده؟ وهي.. الحية دي كانت بتخونني معاه وتدبر لطلاقها؟ أنا هروح أدفنهم هما الاتنين!

قمت بسرعة، ومسكت إيده وقعدته تاني وقولتله بمنتهى البرود والثقة:

ـ تدفن مين يا رؤوف؟ وتوسخ إيدك في ناس متسواش ليه؟ هما خلاص ادفنوا بالحيا! مهند كلمك وهو مكسور، طالع من الجوازة دي شاحذ كرامته، وخسر صاحبه وأهله وخسر الفلوس اللي دفعها في المهر والشبكة وفي حقوقي اللي أخدتها منه تالت ومتلت. ونهى اتطلقت للمرة التانية وبقت في نظر الكل ست ميتعاش معاها وفضايحها وإهمالها بقوا على كل لسان.

بصيت في عينه وكمّلت:

ـ ربنا جاب لنا حقنا تالت ومتلت ومن غير ما نرفع إيدينا عليهم. هما حرقوا بعض بغلهم، وإحنا طلعنا منها كسبانين.. إنت خلصت من زواجة سودة كانت هتدمر بقية عمرك، وأنا ربنا كشفلي حقيقته بدري وأخدت كل حقوقي المادية وعلمت عليهم هما الاتنين.

رؤوف سكت، وبدأ النفس العالي بتاعه يهدى، وبص لعياله اللي كانوا قاعدين بيلعبوا في هدوء، وحس فجأة بإن كلامي صح.. إن العوض الحقيقي هو الأمان المحاوطنا دلوقتي في البيت.

مرت الأيام، وبقيت بشتغل وبطور من نفسي، وحياتي بقت أحسن بمليون مرة من عيشتي مع واحد بارد بيمثل عليا الحب. وكل ما بفتكر الدبلة والشبكة والتمثيلية، ببتسم وبحمد ربنا إن في الآخر.. “يمهل ولا يهمل”، والنفوس الخبيثة دايماً بتقع في شر أعمالها.

 

رؤوف أخد نفس طويل، ورما ضهره لورا وهو بيهز راسه كأنه بيفوق من كابوس طويل، وبصلي ونظرة الفخر مغطية على ملامحه وقالي:

ـ “والله يا أميرة طلعتي بمية راجل.. أنا لو كنت عرفت وقتها كنت هضيع نفسي وهضيعكم، بس عقلك هو اللي نجانا.”

ابتسمتله وطبطبت على إيده، وقومت دخلت أوضتي. وقفت قدام المراية وبصيت لوشي.. مكنتش شايفة البنت المكسورة اللي كانت بتبكي من كام شهر على غدر جوزها وصاحب أخوها، كنت شايفة ست قوية، حطت كرامتها فوق كل شيء وعرفت تاخد حقها بحرفنة تدرس.

قعدت على مكتبي وفجأة حسيت بطاقة غريبة جوايا، طاقة عاوزة تطلع في كتابة، في رواية جديدة. مسكت قلمي وفتحت كشكول الذكريات، وكتبت في أول الصفحة عنوان بالخط العريض: **”البرزخ”**.

قررت أكتب حكايتهم، حكاية النفوس اللي عايشة في برزخ بين الغل والغيرة، النفوس اللي فاكرة إنها تقدر تخدع ربنا والناس، وفي الآخر بتقع في البير اللي حفرته لغيرها. الحكاية مكنتش حكايتي أنا وبس، دي بقت رواية هحكي فيها للعالم كله إزاي الست لما تقرر تاخد حقها بعقلها، بتقلب الطاولة على الكل وتخرج هي الكسبانة.

تليفوني رن وكان إشعار من جروب القراء بتوعي على المنصات بيسألوني: “فين الرواية الجديدة يا كاتبتنا؟”

ابتسمت بثقة، وبدأت أكتب أول مشهد.. وأنا عارفة إن المرة دي، الكلمات مش مجرد خيال، دي حقيقة عشتها وغلبت فيها بامتياز. سيبت مهند ونهى ياكلوا في نفسهم وفي ندمهم، والتفتّ لمستقبلي وحياتي اللي لسه بتبدأ، وأنا كلي يقين إن اللي جاي دايماً هو العوض الحقيقي والمكسب النضيف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *