الغدر 3 بقلم ندى الجمل

بصيت لكريم، وحاولت أهرب بعيني بعيد عنه.
قلت وأنا بتلعثم:
“ليه… ليه بتسألني أنا؟”
قال بهدوء:
“لأنك الوحيدة اللي حاسة إنها شايلة سر أكبر منها.”
سكت شوية، وبعدين كمل:
“أمي بتستخبى مني… وندى كل يوم بتكدب… وإنتِ كل ما أشوفك تحاولي تهربي من الكلام.”
بلعت ريقي، لكن ما رديتش.
قرب خطوة وقال بصوت واطي:
“أنا عارف إن الولد مش ابني.”
حسيت قلبي وقف.
كمل وهو باصص في عيني:
“أنا بقالى سنة كاملة في السعودية… وندى حامل في الشهر السادس. يعني الحساب واضح.”
سكت لحظة، وبعدها قال الجملة اللي خلت جسمي كله يقشعر:
“قوليلي يا سلمى… أبو الطفل أحمد؟”
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
لا قدرت أبصله…
ولا قدرت أنكر.
كل اللي عملته إني نزلت عيني في الأرض، والدموع نزلت من غير ما أتكلم.
فضل كريم يبصلي ثواني طويلة…
وبعدين قال بصوت كله وجع:
“سكوتك… أكبر اعتراف.”
لف ومشى، وسابني واقفة مش قادرة أتحرك.
وفي اللحظة دي، عرفت إن السر اللي حاولوا يدفنوه… بدأ يطلع للنور.

خرج كريم من البيت من غير ما يبص وراه.
أما أنا، فقعدت على أول كرسي قابلني، وحسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
بعد أقل من دقيقة، لقيت أم أحمد داخلة عليا وهي بتزعق:
“قالك إيه؟”
بصيتلها بجمود.
“عرف.”
شهقت وهي حطت إيديها على قلبها.
“إنتِ قولتيله؟”
هزيت راسي بالنفي.
“ماقولتش ولا كلمة… هو اللي فهم من سكوتي.”
قعدت أم أحمد على الأرض وهي بتلطم.
“يا خراب بيتي… يا خراب بيتي.”
خرجت ندى من أوضتها أول ما سمعت صوت أمها.
“في إيه؟”
أم أحمد بصتلها وقالت وهي بتعيط:
“كريم شك… وبقى متأكد إن في راجل تاني.”
ندى وشها اصفر.
“عرف إنه أحمد؟”
بصتلها أم أحمد وسكتت.
أما أنا، فقولت بهدوء:
“هو اللي نطق اسم أحمد بنفسه.”
ندى حطت إيديها على بوقها، وقعدت تعيط بانهيار.
“أنا خلاص ضعت.”
عدى يوم…
واتنين…
وكريم اتغير تمامًا.
بقى يخرج من البيت بدري، ويرجع متأخر.
لا بيكلم ندى…
ولا حتى بيبصلها.
أما ندى، فكانت كل يوم تبكي أكتر من اللي قبله.
وفي اليوم الرابع، وأنا في المطبخ، سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
خرجت أبص من الشباك…
ولقيت تاكسي نزل منه أحمد.
كان شايل شنطة السفر، وداخل البيت وهو مبتسم، ومش عارف إن في مصيبة مستنياه.
أول ما دخل، حضن أمه وقال:
“وحشتيني يا أمي.”
لكن أم أحمد ما ردتش الحضن…
فضلت تبكي.
استغرب أحمد، وبصلي، لقى وشي شاحب.
لف على ندى، لقاها بتستخبى في أوضتها.
وقبل ما يسأل أي سؤال…
سمع صوت باب الشقة بيتفتح.
كان كريم داخل.
وقف هو وأحمد قصاد بعض لأول مرة من سنة.
فضلوا يبصوا لبعض من غير كلمة.
وأحمد ابتسم وقال:
“حمد لله على السلامة يا كريم.”
لكن كريم ما ردش.
قرب منه خطوة…
وقال بصوت هادي جدًا:
“إحنا لازم نتكلم… لوحدنا.”
وأحمد، لأول مرة، حس إن أخوه عرف حاجة… لأن لون وشه اتغير فجأة.
يتبع…

بص أحمد لكريم، وابتسم وقال:
“خير يا كريم؟ شكلك عايز تقول حاجة مهمة.”
رد كريم وهو بيبصله في عينيه:
“آه… مهمة جدًا.”
قام من مكانه وقال:
“اطلع معايا السطح.”
أحمد استغرب، لكنه طلع وراه.
أما أنا، فقلبي كان هيقف من الخوف.
أم أحمد كانت بتتمتم وتقول:
“يارب استر… يارب استر.”
أما ندى، فقعدت على الكنبة وهي بترتعش، وكل شوية تبص ناحية باب الشقة.
فوق السطح…
وقف كريم مستند على السور.
وأحمد وقف قصاده.
قال أحمد وهو بيضحك:
“مالك يا بني؟ داخل تحقق معايا؟”
لكن كريم ما ضحكش.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
“أنا هسألك سؤال واحد… وهترد عليا بصراحة.”
قال أحمد بثقة:
“اسأل.”
بصله كريم نظرة طويلة، وقال:
“الولد اللي في بطن ندى… ابنك؟”
الابتسامة اختفت من وش أحمد في ثانية.
وشه شحب…
وعنيه اتحركت يمين وشمال.
لكنه حاول يتمالك نفسه وقال:
“إنت بتقول إيه؟”
قال كريم بهدوء:
“أنا ما سألتش كتير… سألت سؤال واحد.”
رد أحمد بعصبية:
“إنت اتهبلت؟ دي مرات أخوك.”
ابتسم كريم لأول مرة، لكن كانت ابتسامة كلها وجع.
وقال:
“لو كنت بريء… كنت زعقت من أول لحظة.”
سكت أحمد.
ولأول مرة…
الصمت كان أبلغ من أي كلام.
نزل كريم عينه للأرض، وقال بصوت مكسور:
“بص في عيني… وقولي إنك ما خنتنيش.”
رفع أحمد عينه…
لكن مقدرش يبص في وش أخوه.
فضل ساكت.
الثواني كانت بتمشي ببطء.
وفجأة…
سمعوا صوت الباب اللي بيطلع للسطح بيتفتح.
لفوا الاتنين في نفس اللحظة…
ولقوا سلمى واقفة، والدموع مالية عينيها.
وقالت بصوت مرتعش:
“كفاية… أنا هقول كل حاجة.”
يتبع…

بص أحمد لسلمى بصدمة، وقال بعصبية:
“إنتِ طالعة هنا ليه؟”
مسحت دموعي، وقلت:
“لأن الكدب طال أوي… ولازم ينتهي.”
بص كريم بينا إحنا الاتنين، وقال:
“يبقى فعلًا في حاجة.”
سكتت ثواني، وحاولت أجمع كلامي.
“أنا مش طالعة علشان أفضح حد… أنا طالعة علشان محدش يفضل يكدب عليك.”
لف أحمد ناحيتي وقال:
“اسكتي يا سلمى.”
قلت وأنا ببصله لأول مرة من غير خوف:
“لا… أنا سكت كتير.”
كريم قرب خطوة، وقال بهدوء:
“أنا مش عايز لف ولا دوران. أنا عايز الحقيقة.”
فضل أحمد ساكت، وعينيه في الأرض.
قلت:
“من يوم ما اكتشفنا حمل ندى… أم أحمد طلبت مني أقول للناس إن الحمل حملي أنا.”
بص كريم لأمه بصدمة.
“الكلام ده صحيح يا أمي؟”
انهمرت دموع أم أحمد، وقالت بصوت مكسور:
“أنا غلطت… كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي.”
هز كريم راسه في وجع، وقال:
“وبيتي أنا؟ مين كان هيحافظ عليه؟”
سكت المكان كله.
وبعدين رفع كريم عينه لأحمد وقال:
“آخر مرة هسألك…”
“الولد ده ابنك؟”
فضل أحمد ساكت ثواني طويلة.
كلنا كنا مستنيين إجابته.
وأخيرًا… أخد نفسًا طويلًا وقال بصوت خافت:
“أيوه…”
الكلمة نزلت على البيت كله كأنها صاعقة.
أم أحمد انهارت في البكاء.
وندى دفنت وشها بين إيديها.
أما كريم…
فما اتكلمش.
فضل واقف مكانه، يبص لأخوه، وكأن الشخص اللي قدامه بقى غريب عنه تمامًا.
وقال بعد صمت طويل:
“أنا خسرت أخويا… قبل ما أخسر مراتي.”
وسابه ونزل من على السطح، من غير ما يلتفت وراه مرة واحدة.
أما أنا…
فوقفت أبص لأحمد، وقلت:
“كنت فاكر إن الكدب هيفضل مستخبي للأبد؟”
لكن أحمد ما ردش…
لأنه لأول مرة، ما بقاش عنده أي كلام يدافع بيه عن نفسه.

نزل كريم من فوق السطح بخطوات بطيئة.
ولا بص لحد…
ولا اتكلم مع حد.
دخل أوضته، وقفل الباب وراه.
أما أحمد، ففضل واقف مكانه، وسند ضهره على السور، كأنه فقد القدرة حتى على الحركة.
بصيتله وقلت:
“ارتحت؟”
رفع عينه ناحيتي، وكانت أول مرة أشوفه مكسور بالشكل ده.
قال بصوت واطي:
“كل يوم كنت بقول هقول الحقيقة… وكل يوم كنت بجبن.”
ضحكت بمرارة.
“ولما حملت؟”
غطى وشه بإيده، وقال:
“كنت فاكر هنلاقي حل.”
قلت بغضب:
“الحل؟ إنك تضيع أخوك… وتدمرني… وتخلي أمك تطلب مني أنسب طفل مش ابني ليا؟”
ما ردش.
لأنه كان عارف إن مفيش رد ينفع.
نزلت من فوق السطح وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع.
ولما دخلت الشقة…
لقيت كريم خارج من أوضته.
كان ماسك شنطة هدوم صغيرة.
أم أحمد جريت عليه.
“رايح فين يا ابني؟”
رد بهدوء غريب:
“ماعرفش… بس أكيد مش هقعد في بيت كل ركن فيه بيفكرني بالخيانة.”
مسكت ندى دراعه وهي بتعيط.
“والله ندمت… سامحني.”
سحب دراعه بهدوء، وقال:
“الندم بييجي بعد ما كل حاجة تخلص.”
وبعدين بص لبطنها، وسكت ثواني.
وقال:
“الطفل ملوش ذنب… لكن أنا مقدرش أعيش كل يوم أبصله وأفتكر اللي حصل.”
خرج من الشقة، وقفّل الباب وراه.
ساعتها البيت كله غرق في صمت مخيف.
أم أحمد كانت بتعيط.
ندى منهارة على الأرض.
وأحمد واقف في نص الصالة، مش قادر يرفع عينه في حد.
أما أنا…
دخلت أوضتي، وبدأت ألم هدومي في الشنطة.
أحمد شافني وقال:
“إنتِ رايحة فين؟”
قفلت الشنطة، وبصيتله.
وقلت:
“فاكر إن بعد اللي حصل هكمل معاك؟”
وشه اصفر.
“اديني فرصة.”
هزيت راسي.
“الفرصة كانت يوم ما اخترت تخون أخوك… وتخون مراتك.”
شلت الشنطة، ومشيت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج، بصيت لآخر مرة على البيت.
بيت دخلته عروسة من سنة ونص…
وبخرج منه دلوقتي، وأنا مش معايا غير وجعي.
وأول ما نزلت السلم…
سمعت أحمد بينادي باسمي.
لكني ما بصتش ورايا.
تمت
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *