3ايام حكايات روماني مكرم 1

أنا لسه والدة من ثلاث أيام. عدت من المستشفى إلى البيت وأنا تعبانه جدا والجرح ما زال يؤلمني وبعد يومين فقط

كنت جالسة على السرير، والطفل نائم بجانبي، عندما دخل زوجي طارق الغرفة وهو يمسك هاتفه ويقول بنبرة عادية جدًا طارق: أمي بتقول إن عندها عزومة كبيرة للعيلة بعد بكرة بمناسبة المولود الجديد.”

 

رفعت عيني له ببطء، وقلت بتعب:

— “طيب… ربنا يبارك.”

سكت لحظة، ثم قال الجملة التي جعلت قلبي يقع من مكانه:

— “**طارق**: وهي عايزاكي تعملي الأكل والحلويات… أصل إنتِ أكلك حلو.”

ظننت أنه يمزح.

ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:

— “أنا؟! يا **طارق** أنا لسه والدة من يومين… أنا مش قادرة أقف أصلاً.”

لكنه رد ببساطة وكأن الأمر عادي جدًا:

— “**طارق**: أمي قالت العيلة كلها جاية… وبتحب أكلك.”

شعرت بشيء ينكسر داخلي.

قلت بصوت خافت:

— “طيب قولها نأجل العزومة شوية… لما أخف.”

نظر لي وكأنه لا يفهم لماذا أطلب ذلك، وقال برفض قاطع:

— “**طارق**: ليه يعني؟ الناس متعزمة خلاص.”

كانت تلك اللحظة التي شعرت فيها أنني وحدي تمامًا.

لم أطلب منه المستحيل…

لم أطلب هدية…

ولا حتى كلمة حلوة.

كنت فقط أريد أن يقول:

“مراتي تعبانة… نأجل العزومة.”

لكن هذا لم يحدث.

في اليوم التالي، اتصلت حماتي **الحاجة هدى**.

كنت أحمل طفلي وأحاول تهدئته عندما رن الهاتف.

رددت عليها بصوت متعب:

— “ألو يا **طنط هدى**.”

قالت بصوت مليء بالحماس:

— “**الحاجة هدى**: إزيك يا حبيبتي؟ أنا بجهز لعزومة كبيرة بكرة علشان المولود الجديد… العيلة كلها جاية!”

سكتُّ قليلاً.

ثم قالت الجملة التي جعلت عيني تمتلئ بالدموع:

— “**الحاجة هدى**: بصي بقى… أنا عايزاكي تعملي المحشي والفتة والفراخ، وكمان الكنافة والبسبوسة. إنتِى إيدك حلوة ما شاء الله.”

نظرت إلى بطني…

إلى الجرح الذي ما زال يؤلمني مع كل حركة.

وقلت بهدوء:

— “بس أنا لسه والدة والجرح لسه مملمش وتعبانة يا **طنط**…”

لكنها قاطعتني بسرعة:

— “**الحاجة هدى**: ما انتي قاعدة في البيت… يعني فاضية.”

تجمدت الكلمات في حلقي.

فجأة بدأ طفلي يبكي بصوت عالٍ، وكأن الله أرسل صوته ليقول ما لا أستطيع قوله.

سمعته عبر الهاتف.

لكن ردها كان أبرد مما توقعت:

— “**الحاجة هدى**: خلاص روّقيه بسرعة… وابدئي في الأكل بدري بكرة.”

وأغلقت الخط.

جلست على السرير…

والطفل يبكي في حضني…

وأنا أبكي معه.

دخل **طارق** بعد دقائق.

نظر إلي وقال:

— “**طارق**: مالك؟”

قلت وأنا أسمح دموعي:

— “أنا مش قادرة أعمل كل ده.”

فقال ببرود:

— “**طارق**: اعملي اللي تقدري عليه وخلاص.”

في تلك اللحظة شعرت أنني لست زوجته…

بل مجرد طباخة في بيت العيلة.

مر اليوم ببطء شديد.

وفي صباح يوم العزومة…

استيقظت على صوت جرس الباب.

#الكاتب_رومانى_مكرم

فتحت أخت زوجي **نهى** الباب… ثم دخلت المطبخ.

نظرت إلى الأواني الفارغة وقالت باستغراب:

— “**نهى**: هو الأكل لسه ما اتعملش؟!”

وقبل أن أتكلم… دخلت حماتي **الحاجة هدى** خلفها.

وقفت في وسط المطبخ…

ونظرت لي من أعلى لأسفل…

ثم قالت بصوت عالٍ أمام الجميع:

— “**الحاجة هدى**: إيه ده؟! لسه نايمة؟!”

رفعت عيني لها وأنا أحاول الوقوف رغم الألم.

لكن فجأة…

شعرت بدوار شديد.

وآخر شيء رأيته قبل أن تسود الدنيا أمام عيني…

هو وجه طارق وهو يصرخ باسمي.

ثم سقطت على الأرض.

استيقظتُ على رائحة نفاذة، رطوبة باردة على جبهتي، وصوت زقزقة منتظمة لجهاز طبي بجانبي. فتحت عيني ببطء، فاستقبلتني جدران بيضاء مألوفة… أنا في المستشفى مجددًا.

أول ما فكرت فيه كان طفلي. التفت بجسدي المحطم غريزيًا، فصرخ جرح الولادة في بطني صرخة ألم خرقت عظامي. أطلقت آهة خافتة، لتتحرك ظلال كانت تجلس في زاوية الغرفة المظلمة.

ارتعد طارق وهو يقفز من كرسيه، وجهه شاحب كالموتى، وعيناه حمراوان من أثر البكاء أو قلة النوم. اقترب مني بلهفة، وحاول أن يمسك بيدي، لكنني سحبتها ببطء، دون أن أنظر إليه.

قال بصوت متحشرج باكي:

— “الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي… الحمد لله إنك فُقتي. الدكتور قال هبوط حاد في الدورة الدموية مع نزيف خفيف بسبب المجهود والضغط… أنا كنت هتموت من الرعب عليكي.”

لم أرد. ظللت أنظر إلى السقف بجمود. سألته بصوت مبحوح يكاد لا يُسمع:

— “ابني فين؟”

طارق مسح وجهه بيدين ترتجفان:

— “ابننا بخير، بره مع أختي نهى… نهى هي اللي صممت تيجي معايا وسايبة بيتها وولادها عشان ترضع الولد صناعي وتهتم بيه. هي بره بتعيط عليكي من الصبح.”

سكتُّ لحظة، ثم سألت السؤال الذي كان ينهش روحي:

— “وأمك؟”

تلعثم طارق، وتراجع خطوة للخلف وكأن السؤال لطمة على وجهه. لم يكد يجيب حتى انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت نهى وهي تحمل الصغير. كانت عيناها متورمتين، ومجرد أن رأتني مستيقظة، تقدمت بسرعة ودموعها نزلت رغماً عنها. وضعت الطفل بحنان بجانبي وقبلت رأسي قائلة:

— “حمد الله على سلامتك يا غالية… حقك عليا أنا. أنا مكنتش أعرف إنك بالتعب ده كله، ولما جيت الصبح كنت فاكراكي بتتدلعي زي ما أمي قالتلي… أنا أسفة يا حبيبتي، سامحيني.”

هززت رأسي لها بامتنان خفيف، فنهى رغم اندفاعها الصباحي، تملك قلباً لم يلوثه جبروت أمها بعد.

في تلك اللحظة، رن هاتف طارق. نظر إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه إلى الرعب. كانت والدته، الحاجة هدى.

أشار لهاتفه بقلة حيلة، وضغط على زر مكبر الصوت برعشة، ربما ليثبت لي أنه لم يعد يداري شيئًا.

جاء صوت الحاجة هدى عبر الهاتف، ليس فيه ذرة قلق، بل كان مليئًا بالحنق والضيق:

— “إيه يا طارق؟ مرأتك فاقت ولا لسه مكملة التمثيلية دي؟ العيلة كلها عندي في الصالة، والأكل اللي جبناه جاهز من المطعم نص كم ومكسوفه أقدمه للناس! ضيعت عليا برستيجي قدام سلايفها وأخواتك!”

تجمدت الدموع في عيني. نظرت إلى طارق… كنت أنتظر ردًا يغسل الإهانة التي أعيشها منذ ثلاثة أيام.

طارق انقبضت ملامحه، وصرخ في الهاتف بصوت هز جدران الغرفة، صوت لم أسمعه منه طوال سنوات زواجنا:

— “تمثيلية؟! مراتي كانت هتموت يا أمي! الدكتور بيقول لو كنا اتأخرنا ساعة واحدة كان حصل لها تسمم في الدم من فتح الجرح! إنتِ إيه؟ معندكيش دم؟ معندكيش قلب؟ طباخة؟! أنا اتجوزتها عشان تكون ملكة في بيتي، مش عشان تخدم عيلتك وهي بتموت!”

أغلقت الحاجة هدى الخط في وجهه دون كلمة.

ساد الصمت الغرفة، باستثناء أنفاس طارق المتلاحقة. التفت إليّ، وارتمى على ركبتيه بجانب السرير، يمسك بطرف غطائي ويبكي بحرقة:

— “أنا أسف… أنا غبي، ومشيت ورا كلام أمي اللي كانت دايماً تقولي (الستات بتولد وتقوم تشيل جبال في نفس اليوم، دي بتتدلع عليك).. أنا كنت هخسرك يا أمي ريان… سامحيني.”

نظرت إليه، والدموع الشديدة التي كتمتها طوال الأيام الماضية انهمرت أخيرًا كالشلال. الكلمة التي كنت أريدها جاءت… لكن بعد ماذا؟ بعد أن سقطت جثه هامدة في مطبخي؟ بعد أن رأيت الموت بعيني؟

قلت له بنبرة جافة، خالية من أي مشاعر:

— “طارق… اخرج بره. أنا مش عايزه أشوفك دلوقتي.”

بكى واستعطفني، لكن نهى تدخلت وأمسكت بيده قائلة بحدة:

— “سيبها ترتاح يا طارق، إنت عملت كتير… اخرج بره دلوقتي.”

خرج طارق مكسور الرأس. بقيت أنا ونهى والصغير. مرت ساعات الليل ثقيلة، وفي الصباح الباكر، وبينما كنت أحاول إرضاع طفلي بصعوبة، انفتح باب الغرفة بقوة.

لم يكن طارق.

كانت الحاجة هدى تقف على الباب، ترتدي عباءتها السوداء الفخمة، وعلى وجهها نظرة كبرياء لم تكسرها لوم ابنها بالأمس. دخلت الغرفة، ونظرت إليّ ببرود وقالت:

— “امشي يا نهى بره… عايزه أكلمها كلمتين حمى لمرآة ابنها.”

ارتجف جسدي غريزيًا، وأمسكت بطفلي بقوة أكبر، بينما وقفت نهى حائرة بين أمها وبيني. وعينا الحاجة هدى تشتعلان بتهديد صامت…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *