3ايام حكايات روماني مكرم 3

جلسْتُ على الأرض في وسط الصالة، ولم تعد قدماي تقويان على حملي. كان صوت بكاء ريان يرتفع من الغرفة الداخلة، لكنني كنت عاجزة حتى عن النهوض لأضمه. الأرض من حولي بدأت تدور، وأفكاري تلاطمت كأمواج مظلمة… أسبوع واحد؟ أسبوع واحد ونصبح في الشارع؟

تحاملتُ على جرحي وباعدت بين خطواتي ببطء شديد حتى دخلت لسرير طفلي، حملته وهززته وأنا أبكي بصمت، خشية أن تنتقل كسرة نفسي إليه عبر حليبي.

مرت الساعات كأنها سنوات، وحين دقت الساعة السادسة مساءً، سمعت صوت مفتاح طارق يدور في الباب. حاولت مسح دموعي وارتداء قناع القوة، لكن ملامحي خانتني تمامًا.

دخل طارق، وكان منظره يمزق القلب؛ قميصه الذي كان دائمًا ناصع البياض ومكويًا بعناية، ملوث ببقع الشحم والتراب، ويداه الناعمتان اللتان لم تعتادا سوى الإمساك بالقلم والدفاتر في المحلات، كانت أصابعهما متورمة وبها جروح صغيرة من عناء العمل في الورشة. ورغم ذلك، بمجرد أن رآني، حاول أن يبتسم ويسأل بلهفة:

— “عاملة إيه النهارده يا أم ريان؟ والجرح لسه بيوجعك؟”

لم أستطع الرد. ارتميت في حضنه وأنا أحمل الصغير، وانفجرت في بكاء مرير هز كل أنش في جسدي.

ارتاع طارق، ووضع الأكياس التي بيده أرضًا وضمني بيد واحدة وهو يسأل بذعر:

— “في إيه يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل؟ حد كلمك؟ أمي عملت حاجة؟”

قلت بين شهقاتي:

— “مروة كانت هنا يا طارق… مروة جت الصبح.”

تصلب جسد طارق، وأبعدني عنه قليلاً لينظر في عيني:

— “وقالتلك إيه مروة؟”

نقلت له الرسالة بالحرف، وكل كلمة كانت تخرج من فمي كأنها خنجر يغرس في صدره. أخبرته بالتوكيل الملغى، وبشرط الاعتذار المهين أمام العيلة، ومهلة الأسبوع لإخلاء الشقة.

طوال حديثي، كان طارق يستمع بجسد متجمد كالصخر. اختفت نظرة التعب من عينيه وحلت محلها نظرة انكسار مرعبة، انكسار رجل هدمت الدنيا فوق رأسه من أقرب الناس إليه. نظر حوله إلى جدران الشقة، إلى الستائر التي اخترناها معًا، إلى السرير الذي ينام عليه ابنه.

سكت لعدة دقائق، صمت طويل قاتل، ثم تنفس بعمق وقال بصوت منخفض ومبحوح:

— “تطردني من بيتي؟ تطرد ابنها عشان مرضتي؟”

أمسكت بيده وقلت بخوف:

— “طارق… أنا مستعدة أروح معاك وأبوس على إيدها قدام الكل بس ميرميكش في الشارع وتخسر شقاك، أنا مش عايزة أكون سبب خراب بيتك.”

نظر إليّ بعينين تلمعان بالدموع، لكنهما مليئتان بعزة نفس لم أرها فيه من قبل، وقال بحدة:

— “تموتي من التعب ويبهدلوكي في المطبخ وأسكت، ولما يهددونا بالطرد أروح أركع؟ لاء يا بنت الناس. طارق ميركعش غير للي خلقه. الشقة دي أنا دافع نص ثمنها مع أبويا الله يرحمه من عرق جبيني في الغربة، بس كانت الثقة عمياني ومكتبتش ورق… وأمي عارفة ده كويس.”

وقف طارق، ودخل الحمام غسل وجهه ويديه من آثار الورشة، ثم خرج وارتدى جلبابًا نظيفًا وقال وعيناه تشتعلان بحسم:

— “أنا نازل يا حبيبتي. متخافيش… طول ما فيّا نفس، إنتِ وابنك مش هتباتوا في الشارع.”

— “رايح فين يا طارق؟ رايح لأمك؟” سألته برعب.

نظر إليّ عند الباب وقال:

— “رايح لعمي الحاج صالح… هو كبير العيلة والوحيد اللي أمي بتعمل لحسابه حساب. هحط الموضوع بين إيديه، ولو حقنا مجاش بالأصول… يبقى لكل مقام مقال.”

خرج طارق وقفل الباب، وبقيت أنا في الشقة مع طفلي، أنتظر مصيرنا المعلق على حافة أسبوع واحد، وعقلي لا يتوقف عن التساؤل: هل سيرحم عمّه ضعفه، أم أن جبروت الحاجة هدى سيطحن الجميع؟

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

مرت الساعات بعد نزول طارق وكأنها دهور. كنت أتنقل في الشقة كالمجنونة، أحمل ريان الذي لم يتوقف عن البكاء، وكأن روحه الصغيرة تشعر بالزلزال الذي يهدد سقف بيتنا. نظرت إلى الساعة… كانت تقترب من منتصف الليل، وطارق لم يعد، وهاتفه لا يجيب.

فجأة، سمعت صوت جلبة في أسفل العمارة، وأصواتًا مرتفعة تبدد سكون الشارع. ركضت نحو الشرفة بحذر ونظرت لأسفل، فخفق قلبي بعنف.

سيارة الحاج صالح، عم طارق، كانت تقف أمام الباب، ونزل منها الحاج صالح بجلبابه الأبيض المهيب وعصاه الأبنوسية، وخلفه طارق، و… الحاجة هدى ومروة!

تراجعت للخلف وأنا أرتجف. لقد أحضر العم العيلة كلها إلى هنا ليحل الأمر. بعد دقائق، انفتح باب الشقة ودخلوا جميعًا. كان وجه الحاجة هدى يشتعل غيظًا، ومروة تقف خلفها بملامح متوجسة بعد أن ظنت أن خطتها لطردهم نجحت ببساطة.

تنحنح الحاج صالح ودخل الصالة، فتقدمت أنا بخطوات ثقيلة وسلمت عليه باحترام. نظر إليّ بعينين حانيتين وقال بصوته الأجش الوقور:

— “اقعدي يا بنتي وارتاحي، إنتِ لسه نفساء وتعبانة. إحنا جينا لحد عندك عشان الحق يرجع لأصحابه.”

جلست وأنا أضم ريان إلى صدري، بينما وقف طارق بجانب عمه. التفت الحاج صالح إلى الحاجة هدى وقال بلهجة حاسمة لا تقبل الجدال:

— “جرى إيه يا هدى؟ جرى إيه يا أم طارق؟ بقى آخرة العمر وبعد ما جوزك مات، تقفي تطردي ابنك البكري وضناك من شقته اللي دافع نص ثمنها من شقاه في الغربة؟ عشان إيه؟ عشان مراته تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها تطبخ لعزومة؟”

صاحت الحاجة هدى بغضب وحقد:

— “يا حاج صالح، الواد كسر كلامي قدام سلايفه وزعقلي في المستشفى عشان خاطرها! دي لسه داخلة بيتنا إمبارح وتعمل فينا كدة؟ دي بتقومه على أمه!”

ضرب الحاج صالح بعصاه على الأرض ضربة قوية هزت أركان الصالة، فصمتت الحاجة هدى تمامًا. وقال بحدة:

— “الولد زعق لما لقاكي بتموتي مراته! أنا سألت الدكتور بنفسي النهارده وعرفت إن البنت كانت هتروح فيها. والبيوت ليها حرمة يا هدى. الشقة دي شقة طارق، ورجوع للمحلات هيرجع، والتوكيل اللي لغتيه هيتعمل غيره وبشروطي أنا ككبير العيلة!”

نظرت مروة للحاجة هدى تحثها على الكلام، فصاحت هدى بعند:

— “مش هيحصل يا حاج صالح! المحلات محلاتي والورق ورقي، والبت دي مش هتقعد في الشقة دي يوم واحد ورجلي فوق رقبتها!”

هنا، تقدم طارق خطوة واحدة. لم يكن باكيًا ولا منكسرًا، بل كان ينظر لأمه بنظرة وداع حزينة. أخرج من جيبه مظروفًا مغلقًا، ووضعه على الطاولة أمام عمه الحاج صالح وقال بصوت هادئ وقاتل:

— “خلاص يا عمي… مفيش داعي تضغط على أمي. ده ورق الشراكة القديم اللي بين أبويا الله يرحمه وبين حاج محمود، وفي بند واضح إن الأرباح والأصول بتتقسم بالنص بين أبويا ومحمود. وبما إن أمي لغت التوكيل، فالشغل كله هيقف قانونيًا من بكرة الصبح، والمحلات هتتشمع لحد ما الورثة كلهم يرفعوا قضية فرز وتجنيب… وأنا مكنتش عايز أعمل كدة مع أمي، بس هي اللي اختارت الطرد.”

شحب وجه الحاجة هدى تمامًا، ووقفت مروة مذهولة. لم تكن تتوقع أن طارق يملك أوراقًا قد تقلب الطاولة وتهد تجارتهم بالكامل وتدخلهم في دهاليز المحاكم.

نظر الحاج صالح إلى المظروف، ثم نظر إلى الحاجة هدى وقال بنبرة تحمل إنذارًا أخيرًا:

— “سمعتي يا أم طارق؟ ابنك اشترى خاطرك وخدمك سنين وسكت، ولما جيتوا على مراته وبيته قرر يوريكي الوش التاني. قدامك دقيقة واحدة يا هدى… يا توافقي على شروطي ونقفل باب الشيطان ده، يا إما تخرجي من هنا وإنتِ ملزمة تسلمي كل مليم وحق لطارق بالقانون، والكل هيعرف إنك ظلمتي ابنك البكري.”

ساد صمت رهيب في الصالة. كنت أراقب أنفاس الحاجة هدى المتلاحقة وعينيها اللتين تتنقلان بين طارق والمظروف وعصا الحاج صالح… وكانت تلك اللحظة هي التي ستحدد إن كنا سنعيش في سلام، أم أن العاصفة القادمة ستهدم كل شيء.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

تسمرت العيون كلها على الحاجة هدى. كانت أنفاسها المتهدجة هي الصوت الوحيد في الغرفة، وصراع كبريائها أمام خسارة كل شيء يدور خلف عينيها الزجاجيتين. نظرتْ إلى طارق، ثم إلى المظروف القابع على الطاولة كالقنبلة الموقوتة، وأخيرًا إلى عصا الحاج صالح التي تمثل حكم العيلة الذي لا يُرد.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت جاهدة أن تحافظ على بقايا هيبتها، فنظرت إلى الحاج صالح وقالت بنبرة متحشرجة:

— “عشان خاطرك أنت بس يا حاج صالح… وعشان اسم الحاج الله يرحمه ما ينزلش المحاكم. الشقة شقة ابنcontentي، والمحلات مفتوحة له… بس أنا ماليش دعوة بيهم تاني، ولا يدخلوا بيتي ولا أدخل بيتهم.”

التفتت بغل ونظرت إليّ نظرة أخيرة، ثم سحبت عباءتها وخرجت تجر أذيال الهزيمة، وتبعتها مروة وهي تكاد تموت كمداً بعد أن انقلب السحر على الساحر.

تنفس الحاج صالح الصعداء، وقام ووضع يده على كتف طارق وقال:

— “يا بني، رضا الأم غالي… بس الحق أحق أن يُتبع. أنت صنت بيتك وعرضك، وده اللي يخليك راجل في نظر الكل. لم ورقك يا طارق، وبكرة ننزل الشهر العقاري نكتب الشقة باسمك واسم ابنك، عشان مفيش شيطان يدخل بينكم تاني.”

ودعنا العم باحترام ودعوات بالبركة والشفاء. وما إن أُغلق الباب خلفه، حتى ساد الشقة هدوء من نوع آخر… هدوء الانتصار والسلام.

التفت إليّ طارق، وجاء وجلس على ركبتيه أمام السرير. نظر إلى وجهي الشاحب وإلى ريان النائم في حضني، ثم أمسك بيدي وقبلها وعيناه تفيضان بالدموع، لكنها هذه المرة كانت دموع الراحة:

— “خلاص يا أم ريان… الكابوس انتهى. بيتنا رجع لنا، ومحدش هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش. سامحيني على كل لحظة ضعف، وسامحيني إنني حطيتك في الموقف ده.”

ابتسمت والدموع تنزل من عيني، لكنها كانت دموع فرح وأمان. أخيرًا تخلصت من ثقل الخوف، وأخيرًا شعرت أن جرحي بدأ يلتئم حقًا، ليس فقط جرح جسدي، بل جرح روحي الذي داواه موقف زوجي الذي ظهر معدنه الأصيل في اللحظة الحاسمة.

### الحكمة من القصة:

> **إن البيوت لا تُبنى على حساب صحة المرأة وكرامتها، وحرمة البيوت واستقلاليتها خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه تحت مسمى صلة الرحم أو العادات.**

> والزوج الصالح هو الذي يعرف كيف يوازن بين بر أمه وحماية زوجته، فلا يترك زوجته فريسة للظلم والتحمل فوق طاقتها، ولا ينساق وراء الأحكام الجائرة لمجرد إرضاء الآخرين. فالمرأة ليست خادمة أو طباخة تُستغل في أوقات ضعفها، بل هي شريكة حياة، وكرامتها من كرامة زوجها، وحمايتها في وقت انكسارها هي الاختبار الحقيقي لرجولة الزوج وأصالته.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *