سندى فى الحياه قصص وروايات أمانى سيد٢

مشي وساب وراه سكوت غريب، سكوت عامل زي الرعد اللي بييجي بعد العاصفة.
أخويا ساند ضهره على الباب، ومغمض عينه وهو بيتنفّس بصعوبة، كأن كل الوجع اللي كتمه جواه من وهو عنده خمس سنين طلع في الكلمتين دول. أنا جريت على ماما، لقيتها قاعدة على الكنبة، مصلوبة، ضهرها مفرود، وعينها باصة للفراغ. مكنتش بتعيط، ملامحها كان فيها هدوء مخيف، هدوء المنتصر اللي شاف هزيمة عدوه بعينه ومبقاش فارق معاه.
أخويا قرب منها، قعد تحت رجليها ومسك إيدها وباسها وقال بنبرة مكسورة بس مليانة فخر:
ـ حقك رجعلك يا أمي.. لحد عندك وراقع تحت رجليكي. اللي عايرك في يوم، جه يبوس الإيد اللي شقيت عشان يشحت منها رضا لـ بنته.
ماما حركت راسها ببطء، وبصت له وطبطبت على كتفه، وقالت بصوت واطي بس فيه هيبة:
ـ أنا حقي رجعلي من يوم ما شوفتكم واقفين في الطول ده، وشلتوا عني الحمل. الراجل ده مات بالنسبة لي من عشرين سنة، والنهاردة أنا شوفت جثته وهي بتتدفن.. ملوش عياط ولا عتاب يا ابني. ارموا ورا ظهركم، وعيشوا حياتكم.
ومن اليوم ده، قفلنا الصفحة دي تماماً. أخويا غير خط تليفونه، وبدأ يركز في شغله وفي حياته وكأن البنت دي مكنتش موجودة في يوم. أما في الشقة التانية، في الحي الشعبي، فـ الكابوس كان يلا دوب بيبدأ.
عبد العزيز رجع بيته مكسور، مهدود الحيل. الندم مكانش مجرد إحساس، ده كان مرض بياكل في جسمه. كل ما يبص في وش مراته (فوزية)، يشوف الست اللي بسببه خسّر نفسه ولاده وعزّه. وبنتها مكانتش بتبطّل صريخ وعياط؛ البنت جالها صدمة نفسية، حست إن حياتها وشرفها وعريسها اللي كانت بتتباهى بيه راحوا بسبب ماضي أبوها الأسود. بقت تبص له بنظرات اتهام وقرف، نظرات كانت بتدبحه في اليوم ألف مرة.
عرفت بعد كده من حد من معارفنا القدام، إن البنت حاولت توصل لأخويا بكذا طريقة، بعتت له رسايل مع ناس، وحاولت تروح له مكان شغله، بس أخويا كان عامل زي الحيطة السد. أمن الشركة مكنش بيدخلها، وبقا يعامل سيرتها كأنها وباء. ولما يأست، وقفت محاولاتها، وانطفت تماماً، وبقت عايشة في البيت زي القتيلة، لا بتتكلم ولا بتخرج، ومقاطعة أبوها تماماً.
عبد العزيز عاش اللي باقي من عمره منبوذ في بيته، مراته بتعايره بنكستهم وبنتها شيفاه السبب في دمار حلمها. كل ما يفتح التليفزيون أو يقرأ خبر عن نجاح دكتور أو مهندس شاب، يفتكر ولاده اللي من صلبهم وحرم نفسه من شرف إنه يتقال له “يا بابا” من دكاترة ومهندسين تشرف أي حد.
أما إحنا.. فـ كملنا طريقنا لفوق. أخدنا ماما وسافرنا نعمل عمرة، عشان نغسل من قلوبنا أي نغزة وجع قديمة. وهناك، قدام الكعبة، ماما دعت لنا وهي بتضحك من قلبها، وأنا وأخويا ساندينها من الجنبين، وإحنا حاسين إننا مش بس عوضناها.. إحنا بنقول للدنيا كلها إن “الست الشقيانة” لما بتصون وتكبر، ربنا بيرفعها فوق سابع سما، وبيسيب الظالم ياكل في نفسه لحد ما ينتهي.

مرت الشهور، والحياة مكنتش بتقف. أخويا قفل الباب ده وراه بالترباس، ورمى المفتاح في أبعد بحر. البنت (بنت فوزية) حاولت بكل الطرق اللي تتخيلوها؛ كانت بتبعت ناس يتوسطوا، وتكلم قرايب من بعيد، وحتى بعتت له رسايل طويلة كلها عياط ورجاء إنها ملهاش ذنب في اللي عمله أبوها، وإنها مستعدة تعيش معاه بأي وضع. كانت فاكرة إن الحب اللي كان بينهم ممكن يشفع لها، بس أخويا كان خلاص.. قلبها اتكسر فيه حاجة ومبقتش تتصلح، وكل ما كان بيفتكر كسرة عين أمه ورعشة إيدها في الصالون يومها، كان بيزيد قسوة وجفاء. مكنش بيرد على رسالة واحدة، ولو لقاها واقفة في طريق شغله، كان بيمشي ويعدي من جنبها كأنها هوا، كأنها مكنتش في حياته يوم.
لحد ما جه اليوم اللي أخويا حس فيه إن الجرح دبل، وإن حياته لازم تستمر. اتعرف على بنت تانية خالص.. بنت من مستواه، متعلمة، وأهلها ناس ولاد أصول بيعرفوا قيمة الست وبيحترموا الكبير. لما اتقدم لها، الفرحة دخلت بيتنا من أوسع أبوابه. ماما كانت بتزغرد من قلبها، الضحكة رجعت تنور وشها من تاني وهي شيفاه بيختار صح، وبيقفل صفحة الماضي بحلوها ومرها.
الخبر لما وصل هناك، في الشقة اللي في الحي الشعبي، نزل عليهم زي الصاعقة اللي قسمت ضهر البنت تماماً. البنت كانت عايشة على أمل ضعيف إن أخويا يحن، أو يرجع، لكن لما عرفت إنه خطب وعايش حياته وفرحان، انطفى جواها آخر قنديل أمل.. واتحول الحزن جواها لكتلة من الغل والكراهية العمياء.
بس الغريب إن الغل ده موجهتهوش لأخويا.. وجهته للبيت اللي هي عايشة فيه. بصت لأمها ولجوز أمها (عبد العزيز) بنظرة مرعبة، نظرة كلها قرف وكره. انهارت في وسط الصالة وصوتها جاب آخر الشارع وهي بتصرخ في وش أمها:
ـ أنتِ السبب! أنتِ وهو السبب في كل الوجع اللي أنا فيه! ضيعتوا مني الراجل الوحيد اللي حبيته، وضيعتوا مستقبلي عشان نزواتكم وأنانيتكم!
ومن اليوم ده، البنت اتقلبت تماماً. بقت تعامل عبد العزيز كأنه حشرة في البيت، لا بتسلم عليه ولا بتطيق تبص في وشه، وكل ما تشوفه قاعد منكسر وتعبان في الصالة، تقوله بكلام يسم البدن: “يا رب تموت ونخلص من ذنبك اللي مشقوعين فيه”. وأمها (فوزية) مكنتش بتسلم من لسانها؛ بقت تعايرها ليل نهار إنها خطفت راجل من عياله، وإن ربنا رد لها العمل في بنتها.
البيت اللي عبد العزيز هرب ليه زمان عشان يعيش في “روقان” ويصرف فيه شقاه، اتحول لجهنم الحمرا. مراته وبنتها بقوا يبصوا له على إنه “اللعنة” اللي حلت عليهم ودمرت حياتهم. بقى قاعد وسطهم منبوذ، ملوش كلمة، ولا ليه قيمة، وبنت مراته اللي رباها وصرف عليها من دم قلبه بقت أكتر واحدة بتكرهه في الدنيا وتتمنى له الموت.
عبد العزيز كان بيقعد في ركن الشقة، يبكي دموع ندم ملهاش آخر، وهو شايف بنته الحقيقية وابنه بقوا فوق في العالي، وبنت مراته اللي اشترى خاطرها بتمسح بكرامته الأرض. عرف وقتها إن الدنيا سلف ودين، وإن الوجع اللي دوّقه لأمنا زمان، ربنا رده له في أعز ما يملك، ومن نفس الإيد اللي طبطب عليها وظلم ولاده عشانها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *