حكايات رشا خالد ٢
… لقيت الرقم اللي بيتصل بيا هو رقم أختي شيماء!
الخط كان لسه مفتوح وصوت الجلبة والكلاكسات والأغاني واصل لحد عندي في الشارع، وأول ما فتحت السبيكر، جالي صوت شيماء وهي بتصرخ بهستيريا وصوتها يادوب طالع من كتر الفزع:
* الحقيني يا سماح! إلحقيني البنت بتموت! وش رنا اتبهدل.. وشها بيقع في الأرض يا سماح!
ضحكت ببرود تام وأنا بتمشى على مهلي في الشارع والمساعدة واقفة جنبي حاطة إيدها على بوقها من الصدمة، وقلت لشيماء:
* جرى إيه يا شوشو؟ بتموت إزاي يعني؟ مش إنتي اللي قلتي إيدي تتلف في حرير؟
شيماء بدأت تعيط وتصوت، وصوت أم العروسة واصل من وراها وهي بتندب:
* حرير إيه وزفت إيه! إحنا لسه بنركب العربيات والجو حر بره، البنت لفت وشها تبص في مراية العربية لقت الميكب كله عزل عن جلدها! الروچ ساح ونزل لحد دقنها، والبودرة شققت وبقت شبه الأرض الناشفة، ووشها بقى لونه أزرق في رمادي كأنها طالعة من تربة! الناس في الشارع برقت والعريس جاله ذهول وفضل يزعق ويقول إيه العفريت اللي قاعد جنبي ده! تعالي بسرعة بأي حاجة معاكي لِمّي الفضيحة دي، المعازيم مستنيين في القاعة!
قلت لها بنبرة حاسمة وناشفة زي اللوح:
* أجي فين يا حبيبتي؟ أنا خلاص ركبت وراجعة على القاهرة، وشغلي اللي بـ 200 ألف جنيه نزلت بيه لـ 10 آلاف عشان خاطر أصول أهلي، وفي الآخر يتطاول عليا حتة عريس جربان ويقول عليا نصابة؟ أنا عملت بأصلي وظبطت الميكب قبل ما أمشي، والعروسة شافت نفسها في المراية وكانت زي القمر.. الحر بقى والرطوبة وبسكوت العروسة ماليش دعوة بيهم، يمكن ذنب الناس اللي واكلين حقهم بره على الباب بيخلص في وشها دلوقتي!
وفجأة، الخط اتخطف من إيد شيماء، وجالي صوت العريس أحمد وهو ينهج وبيصرخ وعروقه باين عليها هتنفجر من الغيظ:
* يا فنانة! يا ست سماح! أنا أسف.. أنا لساني كان طويل وغلطت في حقك، بس وحياة أغلى ما عندك تعالي انقذينا، الفرح هيبوظ والناس بتاكل وشنا بره، والعروسة قاعدة في العربية بتصوت ودموعها بوظت الباقي خالص! وشها بقى شبه خطوط الزلازل!
أخدت نفس عميق، ووقفت في ضل شجرة في الشارع، وقلتله بلهجة فيها تشفي وثقة تزلزل الأرض:
* الميكب ده خاماته اتفاعلت مع بعضها يا عريس، ومحدش في البلد كلها يعرف يلم الشقاق والبوظان ده غيري، لأنها تركيبتي الخاصة.. وإنت قلت بنفسك إن الألف جنيه بزيادة عليا ومش هشوف مليم تاني.. يبقى خلي الألف جنيه بقى ترجع لمرتك وشها الأوريجينال!
أحمد زعق بقلة حيلة وهو بيكلم حد جنبه:
* المحفظة فين؟ هاتي المحفظة بسرعة!
ورجع للموبايل وقال بصوت متقطع:
* يا ست الكل، الـ 9 آلاف جنيه الباقيين هحولهملك حالا.. حالا والله العظيم، بس ابعتي المساعدة بتاعتك بالشنطة ترجع تلحق الوش ده قبل ما ندخل القاعة!
ضحكت بسخرية وقلتله:
* الـ 9 آلاف جنيه دول كانوا تمن طيبتي وموقفي مع أختي الصبح قبل ما تفتح بوقك وتغلط فيا وتسمعني كلامك البجح.. دلوقتي العداد قلب يا عريس، وتمن الكرامة وتمن المشوار من القاهرة وتمن الفضيحة اللي هداريها لمرتك.. 30 ألف جنيه كاش يوصلوا على المحفظة حالا، وإلا سيبها بالوش ده يدخلوا بيها قفص الرعب مش قاعة الفرح!
أحمد صرخ بصوت مكتوم:
* 30 ألف جنيه؟! دي سرقة! ده استغلال!
قلتله ببرود تام:
* طالما استغلال يبقى مع السلامة، ومبروك عليك العروسة “المنورة” ليلتها..
ولسه جاية أقفل السكة، لقيت رسالة جاية لي على الموبايل من البنك بتعلن عن تحويل مبلغ…
… لقيت رسالة جاية لي على الموبايل من البنك بتعلن عن تحويل مبلغ الـ 30 ألف جنيه كاملين!
أحمد من كتر الرعب والفضيحة اللي لفت حوالين رقبته، محطش ثانية زيادة وداس على زرار التحويل وهو إيده بترتعش. المساعدة بتاعتي لمحت رقم الإشعار والملغ اللي ظهر على الشاشة، ففتحت عيونها على آخرهم وفضلت تتنطط في الشارع وهي مش مصدقة، وقالت بصوت واطي: “يخرب بيت كده يا أبلة! دول دفعوهم فعلاً وثواني وكانوا باعتين الفلوس!”
رجعت التليفون على ودني وقلت لأحمد اللي كان ساكت ومستني ردي ونفسه عالي:
* الفلوس وصلت يا كابتن.. بس عشان تبقى فاهم، أنا مش هحرك رجلي من مكاني وأرجع للعروسة في عربيتها وسط الشارع والناس تتفرج عليا. إنتوا هتاخدوا بعضكم وترجعوا على بيت رنا، في نفس الأوضة اللي كنا فيها، وإحنا هنسبقكم على هناك. وأقسم بالله لو لمحت صريخ، أو لية بوق، أو نظرة مش عاجباني من أي حد فيكم أو من أهلي، هسيبكم وأمشي والـ 30 ألف جنيه دول هعتبرهم تعويض نفسي عن قلة الأدب اللي سمعتها الصبح.
أحمد قال بنبرة مكسورة تماماً ومفيهاش ريحة البجاحة بتاعت الصبح:
* حاضر.. حاضر يا فنانة، إحنا لفينا العربيات وراجعين على البيت علطول، خمس دقايق وهنكون عندك.
قفلت السكة في وشه، وبصيت للمساعدة بتاعتي وقلت لها:
* يلا بينا يا شاطرة، نرجع نوري العيلة دي الشغل على أصوله، والمرة دي خدي الـ 2000 جنيه دول ليكي مكافأة فوق شقاكي وتعبك من الفجر.
البنت دعت لي من قلبها وشالت الشنطة وهي حاسة بانتصار ملوش مثيل.
رجعنا البيت، وطلعنا الشقة. أول ما دخلنا، لقيت أبويا وأمي قاعدين في الصالة ووشوشهم في الأرض من الكسوف، وأختي شيماء رايحة جاية فركا في إيدها ووشها أصفر زي الليمونة. أول ما شافتني داخلة، جرت عليا وكان شكلها يصعب على الكافر، وقالت بنبرة عتاب وخوف:
* إيه اللي إنتي عملتيه ده يا سماح؟ حرقتي دمي وصغرتيني! العروسة وشها باظ والناس بره كانت بتبص لنا بنظرات غريبة، والمنطقة كلها قعدت تتكلم!
بصيت لشيماء ببرود تام وقلت لها:
* صغرتك؟ أنا صغرتك لما جيت مجاملة عشانك ورضيت بـ 10 آلاف جنيه وأنا أقل باقة عندي بـ 200 ألف؟ ولا إنتي اللي صغرتيني لما سبتي صاحبتك وجوزها يغلطوا فيا ويهينوا شغلي وتعب صحيان الفجر عشان تظهري قدامهم إنك “الست الجدعة” على حساب أختك؟ البنت دي وجوزها نصابين، والمنطقة كلها عارفة إن عليهم ديون ومبيسددوش، وإنتي جايباني عشان يتنططوا عليا!
أبويا وأمي حبوا يتكلموا ويقولوا “يا بنتي عيب”، فرفعت إيدي بكل احترام وقلت:
* يا جماعة، الكلام خلص. العريس غلط فيا واسترخص شقايا، ودلوقتي دفع تمن غلطته 30 ألف جنيه كاش عشان يعرف إن الله حق، وإن سماح مفيش مخلوق بياكل حقها.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل أحمد وهو شايل ديل فستان رنا، ورنا دخلت وراهم وهي حاطة طرحة الفرح على وشها ومخبياه بالكامل وهي بتعيط وتشهق بكتمة. أحمد قفل الباب وبصلي وقال:
* إحنا جينا أهو يا ست سماح، اتفضلي شوفي هتعملي إيه.
قعدت رنا على الكرسي قدام المراية، وشلت الطرحة من على وشها.. المنظر كان فعلاً مرعب وكفيل يخلي أي عروسة يجرالها حاجة في ليلة عمرها. المواد الرخيصة اللي حطيتها مع حرارة الشمس والعرق والدموع خلت الميكب يتكتل ويقشر، وبقى وشها عبارة عن بقع زرقاء على رمادي، والروچ سايح وواصل لرقبتها، وشكلها بقى أشبه بشخصيات أفلام الرعب.
بصيت لها وقلت بنبرة خالية من أي تعاطف:
* اقعدي يا رنا، واهدي خالص ومتمسحيش أي حاجة بإيدك، عشان لو مسحتي، وشك هيتسلخ والمواد دي هتعلم في جلدك.
رنا وبكاء هستيري قالت:
* أنا أسفة يا سماح.. أنا غلطانة، حقك عليا.. بس بالله عليكي رجعيني زي الصبح، الميعاد راح والزفة واقفت بره وأهل أحمد مستنيين في القاعة والكل بيتصل!
فتحت الشنطة ببطء شديد، وطلعت مواد التنظيف الخاصة (الـ Cleansing Oils) وبدأت أمسح العك ده كله من على وشها حتة حتة. المساعدة بتاعتي كانت واقفه بتناولني القطن وهي كاتمة ضحكتها بالعافية وهي شايفاهم واقفين زي التلامذة في الفصل، مفيش حد فيهم قادر ينطق بكلمة ولا يرفع عينه في عيني.
بعد ما نظفت وشها تماماً ورجع على طبيعته، طلعت الخامات الأوريجينال بتاعت الصبح، وبدأت أشتغل بتكنيك سريع جداً واحترافي عشان الوقت. كنت بحط كل طبقة وبثبتها بمواد ضد المية والرطوبة الحقيقية، وإيدي كانت بتتحرك بسرعة مذهلة خلت أحمد ورنا يبرقوا من الشطارة وسرعة الإنجاز.
في خلال نص ساعة بالظبط، رنا لفت وشها للمراية.. وبدون مبالغة، وشها رجع ينور تاني، والميكب طلع أحلى وأجمل من بتاع الصبح بكتير، وبان فيه ملامح الفرحة الحقيقية الممزوجة بالراحة. رنا قفت وفضلت تبص لنفسها في المراية ومش مصدقة، وبصتلي وعيونها مليانة دموع حقيقية المرة دي وقالت:
* أنا مش عارفة أقولك إيه.. بجد إنتي فنانة ومفيش منك اتنين، وأنا أسفة على كل كلمة قلتها أنا وأحمد.. احنا مكناش نعرف قيمتك.
أحمد قرب وحط إيده في جيبه وطلع علبة قطيفة صغيرة فيها انسيال دهب، وحطها على الترابيزة قدامي وقال بصوت واطي:
* وده كمان فوق الفلوس يا فنانة، عشان تبري ذمتنا وتسامحينا على قلة الذوق.. إحنا اتعلمنا الدرس خلاص.
بصيت للانسيال الدهب وبعدين بصيت لأحمد ورنا، وابتسمت ابتسامة هادية وقلت:
* الدهب ده خليه لعروستك يا عريس.. أنا حقي وكرامتي أخدتهم تمن كاش بالماتريال والتعب. روحوا لحقوا فرحكم، والمرة الجاية لما تحبوا تعملوا فيها أذكياء، اتأكدوا الأول إنتوا بتلعبوا مع مين.
أحمد ورنا أخدوا بعضهم ونزلوا جري على السلم وهما بيدعوا ويشكروا، والزفة بدأت تضرب كلاكسات تاني تحت البيت، بس المرة دي بفرحة حقيقية.
التفت لأختي شيماء اللي كانت واقفة بتبصلي بذهول ومكسوفة من نفسها، وبصيت لأبويا وأمي وقلت لهم:
* أنا داخلة أوضتي أرتاح بقى عشان أفصل من مرمطة اليوم ده.. ولما حد يجي يكلمكم عن الأصول والواجب تاني، افتكروا إن الأصول بتبقى مع الناس اللي بتفهم في الأصول بس، مش مع اللي بيستغلوا طيبتكم.
دخلت الأوضة وقفلت الباب ورايا، ورميت نفسي على السرير وأنا حاسة براحة نفسية مفيش بعد كده، والمحفظة في إيدي فيها الـ 30 ألف جنيه تمن كسر العين وتأديب النصابين.
نمت ومحستش بالوقت، لحد ما صحيت تاني يوم العصر على صوت خبط ورزع عنيف على باب الشقة بره، وصوت صريخ وزعيق جاي من الصالة.. قمت مفزوعة من السرير وفتحت الباب عشان أشوف في إيه، ولقيت…