حماتي كانت تاخد مني كيس لحمة ج ٣ حكـايات بسمة
الجو في المحكمة كان مشحون، والناس كانت واقفة صفوف بره عشان تشوف “ست اللحمة” اللي قلبت كيان البلد. قعدت في قفص الاتهام، المرة دي بصفتي شاهدة، بس حاسة إن القفص ده كان بيتي لشهور طويلة. حماتي كانت قاعدة في قفص المتهمين، شعرها الأبيض منكوش، وعنيها اللي كانت بتلمع بالشر بقت مطفية ومكسورة، زي قماشة قديمة لونها بهت من كتر الغسيل.
أحمد، جوزي.. أو اللي كان جوزي، كان قاعد على كرسي متحرك، وشه شاحب، باين عليه إنه كبر عشر سنين في أسبوع. بص لي، ولأول مرة شفت في عينيه حاجة غير المكر.. شفت ندم حقيقي. ندم مش عشان اللي حصله، بس عشان اللي عمله فيا وفي ولاده.
القاضي خبط بالمطرقة:
— الجلسة منعقدة.
بدأت الشهادات، والنيابة عرضت كل حاجة. الفلاشة، الورق، تسجيلات المكالمات، وكمان “الوصية” اللي لقيتها في شنطة أحمد. كل كلمة كانت بتطلع من لسان الشاهد بتدُق مسمار في نعش “الشبكة”. واتضح إن المحل بتاعي كان مجرد حلقة في سلسلة طويلة بتوصل لتجار كبار، ناس واصلين، كانوا بيستخدموا اسمي “كواجهة قانونية” عشان يغسلوا أموالهم من تجارة ممنوعة، مش بس لحوم فاسدة، ده كمان تجارة في أدوية منتهية الصلاحية.
لما جه دوري في الكلام، وقفت قدام القاضي. صوتي كان بيرتعش في الأول، بس بسرعة استجمعته. بصيت لحماتي، بصيت لأحمد، وقلت:
— أنا مكنتش مجرد زوجة، أنا كنت “أداة”. استخدموا طيبتي، واستخدموا حبي لبيتي وعيالي عشان يبنوا إمبراطوريتهم القذرة. كانوا بياخدوا مني كيس اللحمة، اللي كنت بحرم عيالي منه عشان أوفر لهم، عشان يبيعوه، ويغلوا التمن، ويحطوا الفلوس في حساباتهم.. ولما الأمور اتكشفت، كانوا جاهزين يضحوا بيا.. كانوا عايزين يسجنوني مكانهم.
حماتي صرخت في القاعة:
— هي كدابة! كانت شريكة! كانت بتعرف كل حاجة!
القاضي زجرها:
— الزمي الصمت!
كملت كلامي:
— أنا مش شريكة. أنا كنت ضحية لست حطت “السم” في “اللقمة” اللي كنت بديهالها، وراجل باع مراته وأم ولاده عشان خاطر “ديون القمار” وأوهام الغنى السريع.
بعد شهور من الهرج والمرج، صدر الحكم. السجن المؤبد لحماتي، وسجن مشدد لأحمد، وأحكام غيابية لـ “الرؤوس الكبيرة” اللي هربت بره البلاد. المحكمة برأتني تماماً، ورجعت لي اعتباري، بس الاعتبار ده كان له تمن.. تمن غالي جداً.
بعد الجلسة، وأنا خارجة، أحمد طلب يقابلني في غرفة الزيارة قبل ما يرحلوه للسجن. دخلت، كان قاعد لوحده، بيحاول يقوم بس جسمه مش مساعده.
— هبة.. قال بصوت ضعيف.
— عايز إيه يا أحمد؟ قلتها وأنا واقفة بعيد، المسافة بيننا بقت سنين ضوئية.
— أنا عارف إني ما استاهلش كلمة واحدة منك. بس عايزك تعرفي.. أنا مكنتش عايز ده يحصل. كنت فاكر إني هقدر أخرج من اللعبة قبل ما تبدأ، بس هما.. هما كانوا أكبر من أي حد.
بصيت له بأسف:
— إنت ما بعتنيش عشان هما كبار يا أحمد، إنت بعتني لأنك كنت “أناني”. كنت شايفني “كيس لحمة” في فريزر حياتكم، يترمي وقت ما تحبوا، ويُستخدم وقت ما تعوزوا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— أنا مسامحاك.. مش عشانك، عشان نفسي. مسامحاك عشان أقدر أنسى، عشان أقدر أكمل، وعشان عيالي ما يكبروش وهما شايلين في قلوبهم كره لأبوهم. بس اللي بينا انتهى. ده مش سجنك إنت بس، ده سجننا كلنا، وكل واحد فينا هيقضي عقوبته بطريقته.
خرجت من السجن، الهوا كان تقيل، بس كان مختلف. لأول مرة من سنين، ما كانش ورايا حد بيراقبني، ما كانش فيه “أكياس لحمة” لازم أطلعها، ما كانش فيه “كذبة” لازم أعيشها.
بدأت حياتي من الصفر. بعت كل حاجة كانت بتفكرني بالبيت القديم، وسافرت لبلد تانية، بعيد عن أعين الناس والفضول. أخدت ولادي وبدأت أشتغل، أي شغلانة، المهم أكلهم لقمة حلال.
في البداية كان صعب. كنت بنام وأنا خايفة، كنت بصحى على صوت أي خبطة على الباب. بس مع الوقت، الخوف بدأ يقل. ولادي كبروا، بدأوا يفهموا، بدأوا يسألوا.. وأنا كنت بجاوبهم بصدق، بصدق من غير كره.
دلوقتي، وأنا قاعدة في شقتي الصغيرة، بشرب الشاي وببص لولادي وهما بيذاكروا، بحس إن كل اللي عشته كان “درس”. درس إني لازم أكون دايماً واعية، إني لازم أعرف إيه اللي بيحصل في بيتي، وإني عمري ما أسلم “بطاقتي” أو “اسمي” لأي حد، مهما كان.
اللحمة.. بقيت أشتريها من الجزار، وأنا بضحك في سري. بشتريها وأنا عارفة قيمتها، وعارفة إنها “أكل”، مش “مؤامرة”.
حماتي لسه في سجنها، بتعيش أيامها في عتمة زنزانة، بتفكر في “أكياس اللحمة” اللي ضيعت عمرها. أحمد في سجنه، بيحاول يلاقي طريق للتوبة. وأنا.. أنا في طريقي للحرية.
ساعات، ولادي بيسألوني: “يا ماما، إحنا ليه سيبنا بيتنا القديم؟”. كنت ببتسم وأقول لهم: “عشان البيت القديم كان محتاج يتنضف من حاجات كتير، وإحنا اخترنا نبني بيت جديد، ريحته حلوة، وقاعدينه ناس بيحبوا بعض بجد”.
الحكاية خلصت، بس الحكايات في الحياة ما بتخلصش. كل يوم هو فصل جديد، وكل اختيار هو بداية لقصة تانية. المهم مش إيه اللي حصلنا، المهم إحنا عملنا إيه باللي حصلنا.
أنا هبة، ست كانت بتأكل عيالها مكرونة وبيض عشان توفر “كيس لحمة” لحماتها، والنهاردة.. أنا الست اللي عرفت إن “اللحمة” هي مجرد أكل، لكن “الكرامة” هي اللي بتخلينا نعيش.
قمت وقفت، بصيت في المراية. ملامحي اللي كانت دايماً تعبانة وخايفة، بقت ملامح قوية، واثقة. مسكت شنطتي، وخرجت، مش عشان أهرب، بس عشان أعيش.
الدنيا لسه فيها خير، والناس لسه فيها قلوب طيبة. وأنا، هبة، قررت إني مش هبطل أكون طيبة، بس هكون طيبة “بذكاء”، هكون طيبة للي يستاهل، وهكون “قوية” في وش اللي يفكر يستغل طيبتي.
القصة دي مش قصتي لوحدي، دي قصة كل واحدة بتستحمل عشان عيالها، قصة كل واحدة بتضحي عشان بيتها، بس بتنسى إن أغلى تضحية هي “نفسها”.
لو رجع بيا الزمن، مش هعمل حاجة تانية غير إني أقول لنفسي من أول يوم: “يا هبة، بيتك هو جنتك، وما تسمحيش لأي حد، حتى لو كان مين، إنه يحول جنتك لـ ‘فريزر’ للكدب والمؤامرات”.
وبينما أنا ماشية في الشارع، والناس بتعدي من جنبي، محدش فيهم يعرف إيه اللي ورا الملامح دي. محدش يعرف إني كنت “بطلة” قصتي اللي كتبت نهايتها بإيدي.
نهاية مش “سعيدة” بالمعنى التقليدي، بس نهاية “عادلة”. والعدالة.. العدالة هي أسمى أنواع السعادة.
**بعد ما قفلنا الفصل الأخير، إيه أكتر رسالة أو درس تحبي توجهيه لكل ست بتمر بظروف صعبة ومش عارفة تاخد قرار التغيير؟**