اشتريت خمستاشر كيلو لحمه

اشتريت خمستاشر كيلو لحمة بلدي مخصوص لعزومة الشوي اللي بعملها كل شهر للعيلة… لكن مرات ابني وأمها جم من غير حتى طبق سلطة.
بدل الأكل، كانوا شايلين كيسين كبار مليانين علب حفظ أكل فاضية.
ولما شفت ابني بنفسه بيعبّي العلب من اللحمة اللي أنا دافع تمنها، قربت منه وقلت تلات كلمات بس… سكتوا الجنينة كلها.
أنا اسمي أمينة عبدالسلام، عندي خمسة وستين سنة، وبعيش أنا وجوزي الحاج محمود في بيتنا في مدينة هادية على أطراف المنصورة.
من أكتر من تلاتين سنة، بيتنا هو بيت العيلة.
كل عيد، وكل مناسبة، وكل نجاح، وكل جمعة بعد الصلاة… الناس كلها كانت بتتجمع عندنا.
كنت دايمًا مؤمنة إن السفرة الكبيرة معناها إن أهل البيت مرحب بيهم، وإن الشبع مش بالأكل بس… الشبع بالمحبة.
يمكن دي كانت غلطة عمري.
اتعودت أدي من غير ما أحط حدود، لحد ما نسيت إن الكرم من غير حدود ساعات بيتحول لاستغلال.
السبت الصبح قعدت أمسك ورقة وقلم وأكتب هعمل إيه.
كفتة.

ريش.
أنتركوت.
سجق.
بطاطس مشوية.
سلطة خضرا.
عيش بلدي طازة.
بصل مشوي.
وكذا نوع جبنة للمقبلات.
الحاج محمود بص للورقة وقال وهو بيضحك:
ـ يا أمينة… إحنا عاملين عزومة للعيلة ولا فاتحين مطعم؟
ضحكت وقلت:
ـ هيفضل أكل تاني يوم.
قال:
ـ وإمتى أكلِك ما بيفضلش؟
قلت:
ـ ما أنا بحب كده.
نزلت الجزار اللي بتعامل معاه من سنين، واختارت أحسن لحمة عنده.
في الآخر كنت مشتريا حوالي خمستاشر كيلو لحمة.
الحساب عدى اتناشر ألف جنيه.
دفعت وأنا مبسوطة.
ما هو الأكل للعيلة.
ابني الوحيد كريم هيجي هو ومراته ياسمين، ومعاهم أمها سعاد.
كريم زمان كان جدع، وابن أصول، وما يرضاش يزعلني.
لكن بعد الجواز…
بقى قبل ما يرد على أي سؤال يبص لمراته الأول.
ولو هي اتضايقت من أي حاجة، يعتذر للعيلة كلها.
ولو قالت كلمة مالهاش لازمة، يعمل نفسه ما سمعش.
ياسمين كانت شيك جدًا، وكل حاجة فيها محسوبة.
وأمها نسخة منها.
الست سعاد أول ما تدخل أي بيت، تبص حواليها كأنها بتقيّم المكان وتشوف ناقصه إيه.
ولما كريم سألني لو ينفع حماته تيجي، قلتله طبعًا.
باب بيتي عمره ما اتقفل في وش حد.
صحيت الأحد من الفجر.
أنا في المطبخ، والحاج محمود واقف على الشواية.
أول اللي وصلوا بنت أختي ندى، ومعاها أختها مي.
ندى جابت بسبوسة عاملاها بإيديها.
ومي جابت سلطة فواكه وعصير.
أول كلمة قالوها:
ـ نقولك نعمل إيه؟
بدأوا يساعدوني في كل حاجة.
يرصوا السفرة.
يقطعوا العيش.
يملوا الكوبايات.
ويطلعوا الأطباق للجنينة.
بعدها الجرس رن.
كريم واقف.
معاه ياسمين وأمها.
ولا واحدة شايلة حتى إزازة بيبسي.
ولا طبق حلو.
ولا سلطة.
ولا أي حاجة.
بس ما كانوش جايين بإيد فاضية.
ياسمين شايلة شنطة قماش كبيرة مليانة علب بلاستيك.
وسعاد شايلة كيس تاني كله أغطية وعلب.
ياسمين باستني وقالت:
ـ يا طنط… الريحة تجنن.
وسعاد بصت في البيت وقالت:
ـ البيت دافي ولطيف.
قالتها بطريقة حسستني إنها بتقول: “قديم”.
طنشت.
وطلعتهم الجنينة.
الحاج محمود فتح غطا الشواية بفخر وقال:
ـ أمينة جابت خمستاشر كيلو لحمة مخصوص النهارده.
بصيت لياسمين وأمها.
أول حاجة شوفتها على وشهم…
ما كانتش فرحة.
كانت حسابات.
قالت ياسمين وهي بتضحك:
ـ خمستاشر كيلو؟
كويس إننا جبنا العلب.
ما ينفعش الأكل الحلو ده يترمي.
والعزومة لسه حتى ما بدأتش.
سكت.
قعدوا على الكراسي.
بينما باقي الناس كانوا بيساعدوا.
سعاد علقت إن الزرع محتاج يتظبط.
وياسمين قالت إن المفارش شكلها قديم شوية.
مرة تقول السجق مدخن زيادة.
ومرة تقول التتبيلة تقيلة.
ومرة تقول اللحمة ملحتها كتير.
لكن الغريب…
إنهم خلصوا أطباقهم.
وقاموا خدوا مرة تانية.
وياسمين صورت الأكل بالموبايل ونزلته على الفيسبوك، كأنها هي اللي عاملاه.
أما كريم…
فكان ساكت.
ولا كلمة.
بعد ما الكل خلص أكل، بصت ياسمين على اللحمة اللي فاضلة وقالت:
ـ مستحيل كله يتاكل.
قالت سعاد:
ـ حرام يضيع.
وبعدين بصت لابني وقالت:
ـ هات الشنط يا كريم.
قام على طول.
من غير ما يبصلي.
ولا يستأذن.
جاب الكيسين.
وبدأوا يطلعوا العلب.
علب صغيرة.
وعلب كبيرة.
وعلب تكفي وجبات كاملة.
ومسك كريم الملقاط.

لمحة نيوز

وبدأ يحط أحسن حتت اللحمة.
الريش.
والأنتركوت.
والكفتة.
كلها بتدخل العلب.
واحدة ورا التانية.
الكلام في الجنينة وقف.
الحاج محمود اتجمد مكانه.
ندى وهي بتملا العصير وقفت.
ومي نزلت الشوكة من إيديها.
وأنا…
ببص لابني.
ابني الوحيد.
واقف بيعبّي علب ناس، من أكل أنا اللي اشتريته، وأنا اللي طبخته، وأنا اللي عزمتهم عليه.
أكل…
أنا أصلًا ما عرضتش عليهم ياخدوه.
هما قرروا من نفسهم إنه حقهم.
في اللحظة دي فهمت حاجة.
لو سكت…
يبقى أنا اللي علمتهم إن بيتي مالوش صاحب، وإن كرمي معناه إن أي حد يعمل اللي هو عايزه.
مشيت لحد الترابيزة.
وقفت جنب كريم.
بصيت للعلب اللي اتمليت بأغلى حتت اللحمة.
وقلت تلات كلمات بس…
“رجّعها مكانها.”
وفجأة…
الجنينة كلها سكتت.
كانت الجملة بسيطة…
“رجّعها مكانها.”
لكن وقعها كان أقوى من أي صريخ.
كريم فضل ماسك الملقاط في إيده، وبصلي كأنه مستني أضحك وأقول: “بهزر.”
ما ضحكتش.
بصيتله تاني وقلت بهدوء: ـ سمعتني يا كريم… رجّع كل حاجة مكانها.
ياسمين قامت من على الكرسي بسرعة وقالت وهي بتحاول تضحك: ـ يا طنط… إحنا كنا بناخد البواقي بس.
قلت: ـ بواقي؟ العزومة لسه مخلصتش من عشر دقايق… وفي ناس لسه بتشرب الشاي. إمتى بقت دي بواقي؟
سعاد عقدت دراعاتها وقالت بنبرة مستفزة: ـ يعني هو إحنا غرب؟ ما إحنا أهل.
ابتسمت لأول مرة من أول اليوم.
قلت: ـ بالظبط… ولأنكم أهل، المفروض تستأذنوا. مش تدخلوا بعلب فاضية من باب البيت وكأنكم داخلين مخزن تموين.
بدأت الهمهمات بين الضيوف.
ندى بصت في الأرض عشان ما تضحكش.
أما الحاج محمود، فكان واقف ساكت، لكنه لأول مرة من سنين حسيت إنه مستني أشوف هعمل إيه.
كريم اتوتر وقال: ـ يا أمي… دي مجرد لحمة.
لفيت وبصيتله.
ـ لأ يا كريم… دي مش مجرد لحمة.
دي احترام.
ودي حدود.
ودي أم صرفت من تعبها أكتر من اتناشر ألف جنيه عشان تفرحكم، مش عشان تفتح محل توزيع مجاني.
وش ياسمين احمر.
قالت بعصبية: ـ يعني حضرتك بتعايرينا؟
قلت: ـ لو كنت بعايركم، كنت قلت من أول ما دخلتوا بإيدكم الفاضية.
لكن أنا سكت.
ولما صورتِ الأكل ونسبتيه لنفسك… سكت.
ولما انتقدتِ كل لقمة وأنتِ بتاكلي منها… سكت.
لكن لما قررتوا تاخدوا رزقي من غير حتى كلمة “ينفع؟”… هنا السكات بقى إهانة لنفسي.
سعاد خبطت العلبة على الترابيزة وقالت: ـ والله إحنا عمرنا ما شفنا بخل كده.
هنا…
الحاج محمود اتحرك.
قرب منها وقال لأول مرة بصوت عالي:
ـ البخل… إنك تيجي عزومة من غير حتى طبق سلطة، وتخرجي منها بوجبات أسبوع كامل.
الجنينة انفجرت ضحك.
سعاد اتكسفت، لكن حاولت تداري وقالت: ـ إحنا كنا بنحافظ على النعمة.
ردت عليها مي بهدوء: ـ الحفاظ على النعمة يبدأ إن الواحد ما ياخدش حاجة مش بتاعته.
كريم بدأ يحس إن كل العيون عليه.
حاول يلم العلب بسرعة.
قلتله: ـ افتحهم.
فتح أول علبة.
رجع الريش.
التانية.
رجع الأنتركوت.
التالتة.
رجع الكفتة.
لحد ما كل حاجة رجعت مكانها.
كنت فاكرة الموضوع خلص.
لكن المفاجأة كانت في آخر اليوم.
بعد ما الضيوف مشيوا…
الحاج محمود دخل البيت، وطلع ملف قديم من الدرج.
قال: ـ يمكن جه الوقت.
بصيتله باستغراب.
طلع ورقة مكتوب فيها عقد ملكية البيت.
وقال قدام كريم:
ـ البيت ده باسم أمك.
من يوم اشتريناه.
مش باسمي.
ولا باسمك.
لأنها هي اللي باعت دهبها زمان عشان ندفع مقدم البيت.
كريم وشه اصفر.
واضح إنه أول مرة يعرف الحقيقة.
أما ياسمين…
فسألت بسرعة:
ـ يعني… البيت مش هيتكتب لكريم؟
الحاج محمود ضحك ضحكة صغيرة وقال:
ـ اللي يفتكر إن بيت أمه مخزن ياخد منه وقت ما يحب… يبقى لسه ما اتعلمش يعني إيه مسؤولية.
الصمت رجع تاني.
لكن المرة دي…
كان صمت صدمة.
بعد أسبوع، كريم جه لوحده.
من غير مراته.
قعد قدامي ساعة كاملة.
وأول مرة من سنين، مسك إيدي وقال:
ـ حقك عليا يا أمي.
أنا كنت كل مرة بسكت علشان أتجنب المشاكل… وفي الآخر بقيت بظلمك.
قلتله:
ـ أنا مش زعلانة عشان اللحمة يا كريم.
أنا زعلانة لأنك شفت حد بيتصرف في بيت أمك كأنه صاحب البيت… وإنت كنت واقف تساعده.
نزل راسه.
وقال:
ـ سامحيني.
سامحته…
لكن قلتله جملة عمره ما نسيها:
ـ الكرم أخلاق…
لكن من غير حدود… بيبقى دعوة مفتوحة لقلة الأدب.
ومن يومها…
العزومات ما وقفتش.
لكن بقى ليها قاعدة جديدة.
اللي يدخل بيتي يدخل مرحب بيه.
واللي يحب ياخد حاجة من بيتي…
يسأل الأول.
الغريب إن أكتر واحدة اتضايقت من القاعدة دي…
ما حضرتش بعدها ولا عزومة.
أما باقي العيلة…
فقالوا إن أول مرة من سنين يحسوا إن العزومة كانت فيها احترام أكتر من الأكل.
وساعتها بس…
عرفت إن أصعب كلمة ممكن يقولها الإنسان أحيانًا…
مش “اتفضل”.
لكن…
“لأ.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *