انا متجوزه ج٢ حكايات روماني مكرم
أحمد فضل واقف دقيقة كاملة من غير ما ينطق.
كان باصص لي بنظرة كلها خذلان، كأن الإنسان اللي قدامه غريب عنه.
بعدها قال لمريم بهدوء
“ادخلي أوضتك يا حبيبتي… وغيري هدومك المبلولة.”
مريم بصتله بخوف.
“وأنت مش زعلان مني يا أبيه؟”
أحمد حضنها تاني وقال
“أنا زعلان من نفسي… إني سيبتك لوحدك.”
دخلت مريم أوضتها، وأول ما الباب اتقفل، أحمد لف ناحيتي.
قال
“اقعدي.”
قعدت وأنا قلبي بيدق بسرعة.
قال
“أنا هسألك كام سؤال… وأقسم بالله لو كدبتي في حرف واحد هعرف.”
بلعت ريقي.
“كنتِ بتخليها تشتغل كل يوم؟”
قلت بسرعة
“كانت بس بتساعدني.”
قام وقف مرة واحدة وخبط بإيده على الترابيزة.
“بتساعدك؟ طفلة عندها اتناشر سنة بتغسل سجادة لوحدها دي اسمها بتساعدك؟”
سكت.
فتح تليفونه.
اتصل بمديرة مدرسة مريم.
بعد دقائق ردت.
سمعتها بتقول
“أيوة يا أستاذ أحمد… كنت عايزة أكلم حضرتك من زمان. مريم بتيجي المدرسة مرهقة جدًا، وإيديها كلها تشققات، وكنا فاكرين إنها بتساعد في البيت بسبب الظروف.”
أحمد مردش.
قفل المكالمة.
وبصلي.
“حتى المدرسة لاحظت… وأنا الوحيد اللي كنت أعمى.”
أنا حسيت إن الدنيا بتقفل عليا.
قلت
“أنا كنت بربيها… علشان تعتمد على نفسها.”
ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
“بتربيها؟”
لف ناحية المطبخ.
فتح التلاجة.
طلع طبق فيه فراخ ومحشي كنت مخبياه لنفسي.
وبعدين فتح حلة تانية.
لقى فيها رز ناشف وعدس.
نادى
“مريم… تعالي.”
خرجت وهي مغيرة هدومها.
قال لها
“إنتي بتاكلي إيه كل يوم؟”
مريم بصتلي.
أحمد قال
“بصيلي أنا.”
قالت بصوت مكسور
“أنا باكل بعدكم… ولو فضل أكل.”
أحمد سألها
“والفراخ دي؟”
هزت راسها.
“دي لأبله.”
ساعتها أحمد قعد على الكرسي.
وحط إيده على راسه.
كان بيحاول يستوعب إن أخته الصغيرة كانت عايشة معاه في نفس البيت، وهو مش عارف عنها أي حاجة.
بعد شوية قام.
دخل أوضة النوم.
فتح الدولاب.
بدأ يجمع هدومي كلها في شنط.
جريت عليه.
“إنت بتعمل إيه؟”
قال من غير ما يبصلي
“بتلم هدومك.”
“يعني إيه؟”
“يعني هتمشي.”
صرخت
“هتطلقني بسبب شوية شغل في البيت؟”
لف ناحيتي.
“لا.”
سكت ثانية.
“هطلقك لأنك كسرتي الأمانة.”
الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
أحمد فتح.
كان عمه الحاج عبد الرحمن، اللي ساكن في نفس المنطقة، داخل يطمن عليه.
أول ما شاف وش أحمد عرف إن في حاجة كبيرة حصلت.
قال
“مالك يا ابني؟”
أحمد رد بصوت مخنوق
“تعالى شوف الأمانة اللي أبويا سابهالي.”
حكى له كل حاجة.
الراجل بص لمريم، ولما شاف آثار الضرب في إيديها دمعت عينه.
قرب منها وربت على رأسها.
وقال
“والله لو أخوكي كان عرف من أول يوم، ما كانت دمعة واحدة نزلت من عينك.”
أنا حاولت أبرر.
لكن كل كلمة كنت بقولها كانت بتخليني أبان أسوأ.
وفي وسط الكلام…
مريم فجأة حسيت بدوخة.
وشها اصفر.
وجسمها وقع على الأرض.
أحمد صرخ باسمها وجري عليها.
شالها بين إيديه وهو بيقول بخوف
“مريم… افتحي عينيكي… كلميني يا حبيبتي.”
لكن مريم كانت فاقدة الوعي تمامًا.
أحمد خرج بيها يجري على أقرب مستشفى، وهو قلبه بيتقطع، وكل اللي بيدور في دماغه سؤال واحد…
أحمد خرج يجري بمريم، والحاج عبد الرحمن ركب معاهم العربية، وأنا طلعت وراهم وأنا مرعوبة.
وصلنا المستشفى، وأحمد دخل بيها الطوارئ وهو بيصرخ
“حد يلحق أختي!”
الممرضين خدوا مريم بسرعة، والدكتور دخل يكشف عليها.
الدقايق كانت بتمشي ببطء.
أحمد كان واقف قدام باب الكشف، إيده بتترعش، وكل شوية يبص للباب.
بعد حوالي نص ساعة، الدكتور خرج.
قال
“مين المسؤول عنها؟”
أحمد قال
“أنا أخوها.”
الدكتور بصله وقال
“البنت عندها إجهاد شديد وسوء تغذية واضح، ونسبة الهيموجلوبين منخفضة جدًا. واضح إنها كانت بتبذل مجهود أكبر من سنها بكتير، ولازم تتعالج وترتاح.”
الكلمات وقعت على أحمد كأنها طعنات.
لف ناحيتي ببطء، وعينيه مليانة دموع وغضب.
لكن قبل ما يتكلم، رجع بص للدكتور وقال
“اعملوا كل اللي يلزمها.”
دخل أحمد لمريم بعد ما فاقت.
كانت أول ما شافته ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
“أنا آسفة يا أبيه… عطلتك عن شغلك.”
أحمد مقدرش يمسك نفسه.
قعد جنبها، ومسح على شعرها.
“إنتي اللي بتعتذري؟ ده أنا اللي لازم أعتذرلك.”
مريم قالت بخوف
“أبله زعلانة مني؟”
أحمد اتنهد وقال
“من النهارده، محدش هيخوفك تاني.”
فضل معاها طول اليوم، ولما خرج من الأوضة، قابلني في الممر.
قال بهدوء
“أنا هروح البيت أجيب هدوم لمريم.”
رجعنا البيت.
أول ما دخل، بدأ يلف في الشقة.
فتح دولاب مريم.
لقى هدومها قليلة جدًا، ومعظمها قديم.
بينما دولابي كان مليان هدوم جديدة.
فتح درجها، لقى كراساتها ورسوماتها.
في واحدة من الرسومات كانت رسمة لبنت صغيرة ماسكة إيد أخوها، ومكتوب تحتها
“نفسي أبيه يقعد معايا يوم كامل.”
أحمد فضل يبص للرسمة وهو ساكت.
بعدها طواها وحطها في جيبه.
جهز شنطة لمريم، وبعدين خرج من أوضة النوم.
أنا حاولت أكلمه.
“أحمد… أنا غلطت، بس اديني فرصة أصلح اللي حصل.”
وقف عند الباب وقال
“إصلاح اللي حصل مع مريم هيحتاج وقت طويل.”
وسكت لحظة.
“أما اللي بيني وبينك… فهفكر فيه بعد ما أطمن إن أختي رجعت تضحك زي الأول.”
وقفل الباب ومشي.
فضلت واقفة في الشقة لوحدي.
أول مرة أحس إن البيت الواسع بقى فاضي بشكل يخوف.
وفي نفس الوقت، كان أحمد قاعد جنب سرير مريم في المستشفى، ماسك إيدها، ووعد نفسه إن من اللحظة دي، مش هيسيبها تواجه أي خوف أو ظلم وحدها مرة تانية.