ولد يطلبها في المستشفى

المستشفى كلمتني وقالت لي إن في ولد صغير حاطط اسمي كجهة اتصال للطوارئ. ضحكت بتوتر وقلت مستحيل، أنا عندي 32 سنة، مش متجوزة ومعنديش ولاد. بس لما قالوا لي إنه مش راضي يبطل يسأل عليا، ركبت عربيتي ورحت لهناك.. وأول ما دخلت الأوضة، الدنيا وقفت بيا..
المستشفى كلمتني الساعة 1138 ليلة التلات. كنت هكنسل لأني كنت واقفة في المطبخ، حافية وتعبانة، وبحاول أقنع نفسي إن شوية كورن فليكس ينفعوا يبقوا عشا. الأرقام الغريبة بعد الساعة عشرة عادةً بتكون سبام أو حد من الشغل ناسي حدوده.
بس في حاجة خلتني أرد.
أستاذة نورا السعيد؟ واحدة سألتني.
أيوة.
معاكي مستشفى السلام الدولي. عندنا ولد هنا، واسمك مكتوب كجهة الاتصال بتاعته في الطوارئ.
بصيت للموبايل باستغراب وضغطت عليه أكتر أنا آسفة، بتقولي إيه؟
قاصر. ولد. عنده حوالي حداشر سنة. اسمه يحيى.
قلت ببطء أنا معنديش ولاد. أنا عندي 32 سنة ومش متجوزة. أكيد في نورا السعيد تانية غيري.
سكتت شوية، وسمعت صوت ورق بيتحرك، وبعدين الممرضة وطت صوتها وقالت
هو مش بيبطل يسأل عليكي. تعالي بس.
بطني اتكركبت.
مين اللي اداله رقمي؟
لسه بنحاول نعرف. جالنا بعد حادثة طريق. هو واعي بس مرعوب. معاه كارت في شنطته مكتوب فيه اسمك بالكامل ورقم موبايلك وعنوانك.
مسكت طرف الرخامة بقوة هو متبهدل؟
حالته مستقرة. كدمات، ارتجاج بسيط، وكسر في المعصم. بس مش راضي يرد على أي سؤال إلا لما نكلمك.
كان المفروض أقول لأ. كان المفروض أقول لهم كلموا النجدة، ولا حماية الطفل، ولا أي حد تاني. بس في طفل بيطلبني بالاسم في أوضة مستشفى، ودي حاجة مستحيل أعرف أنام بعدها.
بعد عشرين دقيقة، دخلت المستشفى بشعري المبلول، وشرابات مش لايقة على بعض، وقلبي

بيدق لدرجة إني حاسة بنبضه في زوري.
قابلتني ممرضة اسمها مريم عند المكتب.
قالت لي شكراً إنك جيتي. هو في أوضة 12. بس قبل ما تدخلي، لازم أسألك.. تعرفي حد اسمه يحيى فريد؟
لأ.
طب تعرفي واحدة اسمها رشا فريد؟
الاسم نزل عليا زي المية الساقعة.
الاسم ده مسمعتوش من 12 سنة.
رشا كانت زميلتي في الكلية، وأنتيمتي، وفي الآخر كانت الشخص اللي اختفى من حياتي بعد ليلة سودة، واتهام، وسكوت مفيش واحدة فينا حاولت تكسره.
همست كنت أعرفها.
مريم بصت في وشي بدقة يحيى بيقول إنها والدته.
رجلي مكنتش شايلاني.
مشيت وراها في الطرقة.
في أوضة 12، كان في ولد صغير قاعد على السرير، إيده الشمال ملفوفة، وشعره الأسود ملزوق على قورته. وشه كان مخطوف، وشفته متعورة، وعينيه الاتنين الواسعة والمرعوبة واللي ملامحها عارفها كويس أوي جت في عيني أول ما دخلت.
للحظة، مفيش حد فينا نطق.
بعدين همس وقال نورا؟
ريقي نشف أيوة.
دقنه بدأت تترعش ماما قالت لي لو حصل أي حاجة وحشة، لازم ألاقي الست اللي عينيها اتنين…
سكت ثواني وهو بيبص لي بتركيز، وعينيه بدأت تدمع. كمل كلامه وصوته بيقطع ماما قالت لي إنك الوحيدة اللي هتعرفي تحميني.. وقالت لي أقول لك إن العهد لسه منتهىش.
الكلمة دي وقعت عليا كأنها صاعقة. العهد ده كان سر بينا وإحنا في تانية جامعة، جملة تافهة كنا بنقولها لبعض إننا هنفضل سند لبعض مهما حصل، بس الكلمة دي مخرجتش بره أوضتنا وقتها. رشا بعتت لي ابنها برسالة مشفرة مش هيفهمها غيري.
قربت منه ببطء، وقعدت على طرف السرير. يحيى.. هي فين ماما؟
نزل عينه في الأرض وبدأ يعيط بجد، جسمه كله كان بيترعش. مش عارف.. كان في ناس بيخبطوا على الباب جامد، وهي كانت خايفة أوي. دخلتني من الباب الوراني وقالت لي أجري وموقفش غير لما ألاقي حد يساعدني، ولما جيت أعدي الطريق العربة خبطتني.
طلعت الكارت اللي كان معاه من الشنطة وبصيت فيه. كان مكتوب بخط إيدها المهزوز، الخط اللي كنت عارفاه زي ما بكون شفته امبارح. بس في ضهر الكارت كان في جملة تانية مكتوبة بخط صغير جداً متثقيش في حد يا نورا، ولا حتى اللي لابسين يونيفورم.
بصيت حواليا في الممر بتوتر، وفجأة شفت الممرضة مريم واقفة بعيد بتتكلم في التليفون وبتبص لي بصه غريبة، ومعاها اتنين لابسين بدل سوداء واقفين على أول الطرقة.
قلبي وقع في رجلي. مكنتش مجرد حادثة، ورشا مكنتش بس مختفية. يحيى مكنش محتاج مستشفى، كان محتاج يهرب.
مسكت إيد يحيى اللي مش مكسورة وهمست له تقدر تقوم تمشي معايا دلوقتي حالا؟
بص لي بخوف وهز رأسه ب أيوة.
طيب، اسمعني كويس.. إحنا هنخرج من هنا كأننا رايحين نجيب حاجة من العربية، ومش هنبص ورا خالص.
لسه بنقوم، لقيت باب الأوضة اتفتح والاتنين اللي بالبدل السوداء دخلوا، وواحد منهم طلع كارنيه وقال ببرود أستاذة نورا؟ إحنا من جهة سيادية، ومحتاجين ناخد الولد معانا لاستكمال التحقيقات.
يحيى مسك في دراعي بكل قوته، وأنا بصيت للكارت اللي في إيدي.. للجملة اللي رشا كتبتها متثقيش في حد.
وقفت قدام يحيى وبصيت لهم بكل ثبات رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعض الولد مش هيتحرك من هنا غير بقرار من النيابة، وأنا مش هسيب ابني يروح في حتة.
الراجل ضيق عينيه وقرب خطوة ابنك؟ أنتي لسه قايلة للممرضة إنك معندكيش ولاد.
ابتسمت بوجع وقلت له غيرت رأي.. ده ابني، ووروني بقى هتاخدوه مني إزاي.
الراجل اللي لابس بدلة ضحك ضحكة باردة تخوف، وقرب خطوة كمان وهو بيعدل الجاكيت بتاعه أستاذة نورا، بلاش تصعبي الأمور على نفسك. الولد ده وراه حوارات أكبر منك بكتير، واللعب مع الكبار عواقبه وحشة.
في اللحظة دي، يحيى ضغط على إيدي جامد، وهمس بصوت واطي جداً الشنطة.. يا نورا.. السوسته اللي جوه.
فهمت إنه يقصد الشنطة بتاعته اللي كانت محطوطة على الكرسي جنبي. من غير ما ألف نظري، مديت إيدي وسحبت الشنطة وبدأت أتحرك لورا ناحية الشباك وأنا لسه واقفه قدام يحيى كأني بحميه.
لو سمحتوا اخرجوا بره، أنا هكلم المحامي بتاعي، قلتها بصوت عالي عشان الممرضين في الطرقة يسمعوا.
واحد منهم طلع جهاز لاسلكي وقال الحالة مش متعاونة، ابعتوا الدعم للدور الرابع.
في ثانية واحدة، استغليت إنهم باصين لبعض، سحبت يحيى من إيده وزقيت الترابيزة اللي عليها الأكل في وشهم، وطلعت أجري في الطرقة الجانبية اللي بتودي لمخزن المستلزمات. يحيى رغم إصابته كان بيجري معايا بكل قوته.
دخلنا المخزن وقفلنا الباب بالمفتاح من جوه. فتحت السوسته اللي يحيى قال لي عليها، لقيت فلاشة صغيرة مربوطة بخيط أسود، ومعاها مفتاح شقة قديم.
يحيى نهج وهو بيتكلم ماما قالت لي إن الفلاشة دي عليها كل حاجة.. وقالت لي إنك الوحيدة اللي هتعرفي توصلي للمكان اللي فيه المفتاح ده.
سمعت خبط رزيع على الباب وصوت الممرضة مريم وهي بتزعق افتحي يا نورا، أنتي كدة بتودي نفسك في داهية!
بصيت ليحيى وقلت له بتعرف تتسلق؟
بص لي باستغراب، شاورت له على ضلفة المنور الصغير اللي في سقف المخزن ده ممر التكييف، هيطلعنا لسطح المستشفى.
شلت يحيى رغم وزنه، وساعدته يطلع، وبعدين سحبت نفسي وراه والادرينالين كان مخلي جسمي حديد. وإحنا جوه الممر الضيق، سمعت صوت كسر الباب تحتنا وصوت الراجل وهو بيشتم بغل.
وصلنا للسطح، الهوا الساقع خبط في وشنا. الدنيا كانت ضلمة تماماً، والمستشفى كانت

لمحة نيوز

هادية من بره بس قلبها كان بيغلي.
طلعت الموبايل ولقيت رسالة جاية لي من رقم مجهول أنا شايفاكي يا نورا. اطلعي على كوبري قصر النيل دلوقتي حالا، الميكروباص الأبيض اللي آخره رقم 74 هو اللي هياخدكم. متقفيش.. جري.
بصيت ليحيى، وقلت له جاهز نكمل اللعبة دي للأخر؟
يحيى مسح دموعه بظاهر إيده المكسورة وهز رأسه بقوة طالما أنتي معايا، مش خايف.
نزلنا من سلم الطوارئ الخلفي، وأول ما رجلي لمست الأرض، شفت خيال حد واقف عند سور المستشفى.. كانت رشا! بس مكنتش لوحدها، كان في عربيتين سودة بيحاصروها.
رشا بصت لي من بعيد، وشاورت لي بإيدها بمعنى اجري، وفي لحظة واحدة، سمعت صوت ضرب نار مكتوم.
الرصاصة مأذتش رشا، جت في إطار العربية اللي جنبها، بس الصوت خلى قلبي يقع في رجلي. يحيى صرخ وهو بيشوف أمه بتتحاصر، بس أنا كتمت بقه بإيدي وسحبته ورا سور خرساني بسرعة.
اثبت يا يحيى، لو رحت لها دلوقت هناخدنا إحنا الاتنين، همست له وأنا كلي بترعش.
شفت رشا وهي بتترمي جوه واحدة من العربيات السودة، والعربيات طارت في ثواني واختفت. المكان رجع هادي كأن مفيش حاجة حصلت، لولا ريحة الكاوتش المحروق اللي مالي الجو.
ماما راحت فين؟ يحيى سألني وصوته بيتحشرج بالعيط.
هنجيبها.. والله هنجيبها.
مسكت الفلاشة والمفتاح في إيدي وجريت ناحية الشارع العمومي. الميكروباص الأبيض اللي آخره 74 كان واقف على جنب وبيرمش بالكشافات. ركبنا ورا في آخر كنبة، والسواق مكنش بيبص في المراية أصلاً، أول ما قفلنا الباب طار بينا.
طلعت الموبايل عشان أشوف الرسالة تاني، لقيتها اتمسحت لوحدها! الجهاز كان بيسخن في إيدي بشكل غريب، وفجأة الشاشة اسودت وطلع منها دخان بسيط.. الموبايل اتحرق تماماً. هاكرز تقال

أوي يا رشا.. أنتي كنتي شغالة في إيه؟
وصلنا لنص كوبري قصر النيل، السواق وقف فجأة وقال بلهجة مفيهاش أي مشاعر انزلوا هنا.
هنا فين؟ إحنا في نص الكوبري!
انزلوا بدل ما أسلمكم للي بيدوروا عليكم.
نزلنا والبرد كان بينخر في عضمنا. بصيت للمفتاح اللي في إيدي، كان مفتاح قديم وعليه علامة مميزة لوجو لنادي رياضي قديم في المعادي. افتكرت فجأة.. ده كان مفتاح اللوكر الدولاب بتاع رشا اللي كانت مأجراه في النادي ده من أيام الكلية، وكانت دايماً بتقول إنه المكان الوحيد اللي محدش هيشك فيه.
أخدت تاكسي وقبل ما نوصل النادي، قلت ليحيى افتح لي الشنطة تاني، في إيه غير الفلاشة؟
يحيى طلع ورقة مطبقة أربع تربع، فتحتها ولقيت خريطة لمرسى مراكب في الزمالك، وفي النص مكتوب جملة واحدة نورا.. السر في الصورة اللي اتصورناها يوم التخرج.. شوفي مين اللي كان واقف ورانا.
رجعت بذاكرتي لليوم ده.. الصورة كانت في بيتي القديم. بس البيت ده متباع من سنين!
وصلنا النادي، دخلت قسم اللوكرات بالليل والمنطقة كانت شبه فاضية. فتحت اللوكر رقم 214 بالمفتاح اللي معايا.. ولقيت جواه ظرف مقفول بختم شمع، وجهاز لابتوب صغير جداً، وصورة فوتوغرافية قديمة.
بصيت في الصورة.. كنا أنا ورشا بنضحك، وورانا في الخلفية كان في راجل لابس نظارة شمس وباصص في ساعته.
يحيى بص للصورة وقال بصدمة ده الدكتور اللي كان بيعالج بابا قبل ما يموت!
في اللحظة دي، النور في القاعة اتقطع تماماً، وسمعت صوت خطوات بيادة بتقرب مننا بانتظام.
طلعت اللابتوب وحطيته في شنطة يحيى وهمست له يحيى، لو افترقنا، تروح لعنوان ستك اللي في طنطا وتستناني هناك، فاهم؟
يحيى مسك في هدومي مش هسيبك يا نورا.
هتسبني عشان نعيش..
وفجأة، كشافات قوية جداً نورت في وشنا من كل ناحية، وصوت من مكبر صوت قال ارمي الشنطة يا نورا، اللعبة خلصت. الدكتور مستني الفلاشة.
غمضت عيني من قوة النور اللي كان ضارب في وشي، ورفعت إيدي الاتنين لفوق وأنا لسه حاطة الشنطة ورا ضهري.
ارمي الشنطة بقولك! الصوت كان حاد وقريب جداً.
بصيت ليحيى بطرف عيني، كان واقف زي التمثال من الرعب. يحيى.. أول ما أقول لك العهد، اجري ناحية حمامات السباحة وانط في المية، هما مش هيضربوا نار عشان محتاجين اللي في الشنطة سليم.
الراجل اللي ماسك الكشاف قرب، وبدأت ملامحه تظهر.. مكنش حد من بتوع البدلة السوداء، ده كان الدكتور نفسه اللي في الصورة! بس شعره شاب وشكله بقى أعنف بكتير.
ابتسم ببرود وقال نورا.. رشا دايماً كانت بتقول إنك أذكى واحدة في الدفعة، بس ذكاءك خانك المرة دي. الفلاشة دي ملكية عامة، ورشا سرقتها.. رجعي الأمانة وصونِي حياة الولد.
قلت له بصوت ثابت عكس اللي جوايا الأمانة دي رشا دفعت تمنها غالي، وأنا مش هسلمها لواحد قاتل زيك.
قاتل؟ ضحك بسخرية، أنا بحمي بلدي من اللي رشا كانت ناوية تعمله. الفلاشة دي عليها أكواد لو خرجت بره، الدنيا هتتهد.
قرب أكتر وصوب طبنجة ناحية يحيى الشنطة.. حالا.
في اللحظة دي صرخت بكل قوتي العهد يا يحيى!
يحيى في ثانية لف وجري زي البرق، والراجل اتفاجئ واتشتت لثواني، استغليت اللحظة دي وضربت إيده بالشنطة اللي كانت تقيلة بسبب اللابتوب، المسدس وقع منه، وزقيته بكل قوتي وجريت ورا يحيى.
يحيى نط في المية، وأنا نطيت وراه بملابسي. المية كانت تلج، بس النار اللي في قلبي كانت مدفياني. غطسنا وطلعنا من الناحية التانية عند منطقة الشجر والضلمة، وخرجنا من سور النادي المكسور اللي رشا كانت دايماً بتهرب منه وإحنا طلبة.
ركبنا أول تاكسي قابلنا على الطريق. كنت بقطر مية ويحيى بيترعش جنبي. على فين يا أبلة؟ السواق سأل باستغراب.
طنطا يا أسطى.. وخد اللي أنت عاوزه بس طير.
فتحت اللابتوب وأنا في العربية، يحيى كان نايم من كتر التعب على كتفي. حطيت الفلاشة، وطلبت باسوورد. جربت كل حاجة.. تاريخ ميلاد رشا، تاريخ ميلادي، اسم يحيى.. مفيش فايدة.
افتكرت الصورة.. شوفي مين اللي كان واقف ورانا.
بصيت في الصورة تاني بتركيز تحت نور أعمدة الإنارة في الطريق. الراجل اللي ورا كان باصص في ساعته، والساعة كانت واقفة على وقت غريب 0214.
كتبت الرقم.. فتحت!
ملفات كتير جداً، بس في فيديو واحد كان متسيف على الدسك توب باسمي. فتحته وصوت رشا طلع منه، كانت بتبكي بس محاولة تتماسك
نورا.. لو بتشوفي ده، يبقى أنا خلاص مقتولة أو محبوسة. الدكتور ده مش دكتور، ده تاجر أعضاء دولي وبيستخدم المستشفى ستار لعملياته. يحيى مكنش ابني يا نورا.. يحيى هو الدليل الوحيد اللي فاضل. يحيى يبقى ابن الوزير اللي مات في حادثة من سنة، وهما عاوزين يخلصوا منه عشان الميراث والسلطة.. أنا خطفته عشان أحميه، والورق اللي على الفلاشة يثبت نسبه ويثبت جرايمهم. نورا.. أرجوكي، وصلي يحيى ل…
فجأة الفيديو قطع، وظهرت رسالة حمراء كبيرة على الشاشة تم تحديد موقعك.. المسافة 500 متر.
بصيت ورايا من شباك التاكسي، لقيت تلات عربيات سودة طالعين ورا بعض وبيعدوا العربيات بجنون عشان يوصلوا لنا.
السواق شافهم وخاف في إيه يا ست أنتي؟ دول بيضربوا نار!
مسكت إيد يحيى اللي صحي مفزوع، وقولت له يحيى، افتكر كلام ماما.. إحنا مش هنقف.
طلعت ربع جنيه من جيبي، وحكيته في الشباك عشان أعمل صوت عالي، وصرخت في السواق انزل ببينا تحت الكوبري الجاي ده وادخل في

وسط الملاحات.. اللعبة لسه بتبتدي!
السواق من الرعب كسر الدريكسيون ودخل في طريق ترابي وسط الملاحات، والعفرة غطت المكان تماماً. العربيات السودة بدأت تضرب نار بجد، وإزاز التاكسي الخلفي اتدمر.
انزل يا أسطى واستخبى! صرخت في السواق وهو فرمل فجأة ونزل جرى واستخبى ورا شجرة.
سحبت يحيى واللابتوب ونزلنا وسط الملاحات.. الأرض كانت طينة ومالحة والضلمة كحل. العربيات السودة وقفت، ونزل منها تلات رجال ومعاهم كشافات ليزر وبدأوا يمسحوا المكان.
نورا! مفيش فايدة.. الأرض دي مقفولة، والولد كدة كدة هيموت من البرد لو مخدناش الفلاشة! صوت الدكتور كان بيرن في المكان.
يحيى كان بيترعش وشفايفه زرقا. بصيت حواليا، لقيت لنش صيد قديم ومركون على حرف الملاحة. سحبت يحيى ودخلنا جواه واستخبينا تحت شباك الصيد.
فتحت اللابتوب بسرعة والبطارية كانت 5. لازم أبعت الملفات دي لأي حد.. لأي حد نظيف في البلد. بصيت في قايمة الاتصالات في الملف، لقيت إيميل متسيف باسم العدل.
دوست إرسال والتحميل بدأ.. 10.. 20..
صوت الخطوات كانت بتقرب من اللنش، وسمعت صوت سلاح بيتعمر فوق راسي مباشرة.
لقيتكم.
رفعت راسي، كان واحد من الحراس وصوب الطبنجة على جبهتي. يحيى صرخ وغمض عينيه.
التحميل وصل 95..
اضرب.. قلتها وأنا باصة في عينه بتحدي، بس الملفات خلاص بقت عند النائب العام، وصورة الدكتور وهو بيسلم الأعضاء في الملف رقم 4 هتبقى تريند الصبح.
الراجل اتردد ثانية وبص للدكتور اللي كان بيقرب. وفي اللحظة دي، النور ملى المكان.. بس مش كشافاتهم هم.
صوت سرينة بوليس قوية جداً، وهليكوبتر ظهرت في السما وكشفت المكان كله بنور أبيض باهر.
ارمي السلاح أنت وهو! المكان كله محاصر!
الحارس ارتبك، والتحميل وصل 100. تم الإرسال بنجاح.
الدكتور حاول يهرب ناحية العربية، بس القوات الخاصة كانت أسرع، وفي ثواني كان متكلبش هو ورجالته في الأرض.
ظابط برتبة كبيرة قرب من اللنش، وساعدني أقوم أنا ويحيى. يحيى أول ما شافهم، سأل بصوت ضعيف ماما فين؟
الظابط بص لي بأسى وقال رشا فريد بخير، كانت محبوسة في فيلا في التجمع وقدرنا نوصل لها بمجرد ما بعتي إشارة ال GPS

من اللابتوب ده. لولا شجاعتك يا أستاذة نورا، كان زمان الحقيقة دي اتمحت للأبد.
بعد أسبوع..
كنت قاعدة في بيتي، الباب خبط. فتحت لقيت رشا واقفة، دراعها متجبس ووشها فيه كدمات، وجنبها يحيى لابس لبس جديد وبيضحك.
رشا محكتش ولا كلمة، بس حضنتني حضن كان فيه وجع وسنين وتعب الدنيا كله.
يحيى بص لي وغمز بعينه نورا.. هو لسه العهد شغال؟
ابتسمت ودموعي نازلة العهد ده مبيخلصش يا بطل.. إحنا عيلتك دلوقتي.
قفلت الباب، وأنا عارفة إن من اللحظة دي، نورا السعيد اللي عندها 32 سنة وسنجل، بقى عندها أهم عيلة في الدنيا.
عدى شهر على كل اللي حصل، والحياة بدأت تهدا ظاهرياً، بس جرح السنين اللي فاتت كان لسه بيلم. رشا ويحيى كانوا قاعدين معايا في البيت، بنحاول نستوعب إننا بقينا أحرار.
في ليلة، وإنا قاعدة مع رشا في البلكونة بنشرب شاي ويحيى نايم جوه، بصت لي وقالت بصوت واطي نورا، أنتي عارفة إن اللعبة مخلصتش بمجرد ما الدكتور اتقبض عليه، صح؟
قلبي انقبض قصدك إيه يا رشا؟ الملفات راحت للنيابة وكل حاجة اتكشفت.
رشا طلعت ورقة صغيرة من جيبها، كانت صورة تانية، بس المرة دي كانت ليحيى وهو بيبي، وفي خلفية الصورة كان فيه وش مألوف جداً.. وش الظابط اللي أنقذنا من الملاحات!
الظابط ده مكنش جاي ينقذنا يا نورا، رشا كملت وهي بتترعش، ده كان جاي يضمن إن الفلاشة متقعش في إيد حد بره الدايرة بتاعتهم. الملفات اللي بعتيها؟ اتبعتت لسيرفر خادم هما اللي بيتحكموا فيه. هما سجنوا الدكتور عشان يداروا على اللي أكبر منه.
وقفت وأنا مش مصدقة يعني إيه؟ يعني إحنا لسه في خطر؟
قبل ما ترد، سمعنا صوت خبط هادي ومنتظم على الباب. بصينا لبعض برعب. رشا أشارت لي أسكت، وقربت من العين السحرية. وشها اتقلب ألوان ورجعت لورا وهي بتهمس نورا.. ادخلي هاتي يحيى واطلعي من باب المطبخ حالا!
في إيه يا رشا؟ مين اللي بره؟
يحيى الحقيقي.. قالتها وهي مذهولة، يحيى اللي في الصورة ده مش هو يحيى اللي نايم جوه!
فتحت عيني بصدمة أنتي بتقولي إيه؟ والولد اللي جوه ده يبقى مين؟
رشا مسكت إيدي بقوة وقالت جملة واحدة وقفت شعري الولد اللي جوه ده هو اللي كان باعتني ليكي من 12 سنة.. ده مش طفل يا نورا، ده مصاب بمرض نادر بيخليه يفضل في جسم طفل.. وهو اللي مرتب كل ده عشان يوصل للفلاشة اللي معاكي دلوقتي في رقبتك!
بصيت لرقبتي، للسلسلة اللي فيها الفلاشة اللي كنت فاكرة إني سلمتها.. وفجأة، باب الأوضة بتاعة يحيى اتفتح ببطء.
يحيى كان واقف، بس نظرة عينيه كانت مختلفة تماماً. مكنتش نظرة طفل خايف، كانت نظرة حد عاقل، بارد، وواثق. وبابتسامة تخوف قال بصوت خشن وعميق ملوش علاقة بسنه
شكراً يا نورا.. بجد تعبتك معايا. بس العهد بيقول إننا منخبيش حاجة عن بعض.. مش كدة؟
في اللحظة دي، النور قطع في الشقة كلها، وسمعت صوت رشا بتصرخ وهي بتتسحب لبره، والباب اتفتح بقوة ودخلت منه ريحة بنج قوية.. وآخر حاجة شفتها كانت عينين يحيى وهي بتلمع في الضلمة وهو بيقول
دلوقتي.. نبدأ الحكاية الحقيقية.
وقعت على الأرض ورأسي تقيلة، وصوت رشا وهي بتختفي كان آخر حاجة فاكراها قبل ما الدنيا تسود تماماً.
فقت بعد وقت مش عارفة قد إيه، لقيت نفسي مربوطة في كرسي وسط مخزن واسع وريحته تراب ورطوبة. قدامي كان في ترابيزة عليها اللابتوب بتاعي، وجنبها كان قاعد يحيى.. أو الشخص اللي في جسم يحيى. كان بيشرب قهوة ببرود وبيدخن سجارة، ومنظر طفل بيمسك سجارة كان أبشع حاجة شفتها في حياتي.
أخيراً فوقتي يا نورا، قالها بصوته الخشن اللي ميركبش على ملامحه. أنا مكنتش عاوز الموضوع يوصل لكده، بس أنتي ورشا دايماً بتصعبوا الأمور.
حاولت أفك إيدي وأنا بزعق بصوت مبحوح أنت مين؟ ورشا فين؟
ضحك بوجع وقال أنا اللي رشا خانته من 12 سنة. أنا اللي كنت شريكها في كل حاجة قبل ما تقرر إنها تتوب وتعيش دور المظلومة. أما رشا.. فهي دلوقتي في مكان آمن، لغاية ما أتأكد إنك هتعملي اللي هطلبه منك.
إيه اللي أنت عاوزه؟ أنت معاك الفلاشة!
قام ووقف قدامي، وبص في عيني بحدة الفلاشة اللي بعتيها للنيابة كانت النسخة التانية.. النسخة الفخ اللي أنا زرعتها عشان الدكتور يقع. أنا عاوز النسخة اللي في السلسلة اللي في رقبتك.. النسخة اللي فيها أسماء الممولين. الدكتور كان مجرد واجهة، أنا عاوز اللي مشغلينه.
بصيت له بصدمة يعني أنت مش معاهم؟ أنت عاوز تخلص منهم؟
قرب من ودني وهمس أنا عاوز أبقى مكانهم يا نورا. والوزير اللي مات؟ مكنش حادثة، أنا اللي رتبت كل ده عشان أسترد حقي.
فجأة، سمعنا صوت خبط عنيف على باب المخزن، وصوت لاسلكي شغال بره. يحيى اتوتر وطلع طبنجة صغيرة من جيبه. الظاهر إن أصحابنا اللي في البدلات السوداء وصلوا أسرع مما كنت متوقع.
بص لي وقال بسرعة قدامك خيارين.. يا تموتي هنا مع
السر بتاعك، يا تديني الفلاشة وتخرجي من الباب اللي ورا ده وتنسي إن كان في يوم واحدة اسمها رشا أو طفل اسمه يحيى.
قبل ما أرد، الباب اتكسر ودخلت قنابل غاز سيل للدموع. في وسط الزحمة والضلمة، حسيت بإيد بتفك الحبال بتاعتي. افتكرت إنه هو، بس لما بصيت لقيتها رشا! كانت بتنهج وهدومها متقطعة.
اجري يا نورا! مفيش وقت! رشا سحبتني من إيدي وجرينا وسط الدخان.
سمعنا ضرب نار كثيف ورانا، وصوت صرخة عالية مكتومة. مكنتش عارفة مين بيضرب على مين، بس كان المهم إننا نخرج. وصلنا لنهاية الممر، ولقينا نفسنا في شارع جانبي في منطقة مهجورة.
وقفنا ننهج، ورشا بصت لي بدموع أنا آسفة يا نورا.. أنا جرجرتك لوسط كابوس ملوش نهاية.
طلعت السلسلة من رقبتي واديتها لها خديها يا رشا.. دي اللي دمرت حياتنا.
رشا مسكت الفلاشة وبصت لها بغل، وفجأة رمتها في بلاعة صرف صحي كانت مفتوحة جنبنا. كده السر مات.. ومحدش هيقدر يوصل لحاجة تاني.
بصيت لها باستغراب والدكتور؟ والناس اللي بره؟
رشا ابتسمت بوجع الدكتور هيتحاكم باللي وصل، والباكي هيتصفى ببعضه. المهم إحنا نختفي.
وإحنا بنتحرك عشان نمشي، لمحت من بعيد عربية سودة واقفة، وفي الكرسي اللي ورا، كان في وش صغير باصص لنا من ورا الإزاز.. يحيى. رفع إيده وشاور لنا بعلامة باي باي ببرود، والعربية طارت واختفت في الضلمة.
رشا شافت المنظر، ومسكت إيدي جامد متخافيش.. هو مش هيرجع تاني. هو أخد اللي هو عاوزه.. الخوف.
مشينا في الشارع والنهار بدأ يشقشق. كنت حاسة إني كبرت 100 سنة في ليلة واحدة. نورا السعيد اللي كانت بتتعشى كورن فليكس ماتت، والنسخة الجديدة مني بقت عارفة إن العالم ده أضلم بكتير مما كنت أتخيل.
بصيت للسما وقلت في سري العهد انتهى يا رشا.. بس الحكاية لسه في أولها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *