جوزي انحنى بسرعة وفتح الشنطة. كنت واقفة جنبه، وقلبي بيدق من الخوف. لكن أول ما فتحها... اتصدمنا. الشنطة ماكانش فيها لحمة ولا فراخ. كان فيها... علب أدوية. وأكياس تحاليل. وروشتات دكاترة. ومظروف كبير مليان إيصالات دفع. جوزي مسك أول روشتة، وبص فيها. وفجأة قال: "دي باسم خالي حسن!" استغربت. قلت: "خالك؟" هز راسه وقال: "آه... خالي مريض فشل كلوي، لكنه عايش في محافظة تانية، ومحدش كان بيقولنا عن حالته." وسط الورق، لقينا ورقة تانية. كانت بخط إيد حماتي. مكتوب فيها: "لو حصلي حاجة، سامحوني. أنا غلطت إني كنت باخد الأكل من غير إذن، لكن ماقدرتش أشوف أخويا وولاده جعانين. بنتي كانت بتوصل لهم الأكل كل أسبوع، وأنا كنت خايفة أقول لابني، لأنه عليه أقساط وبيساعد بيته، ومكنتش عايزة أزوده هم." حسيت بغصة في قلبي. الطريقة كانت غلط... لكن اللي وراها كان مختلف عن اللي تخيلناه. جوزي قعد على الرصيف وهو بيعيط. وقال: "ليه يا أمي؟ ليه ماقولتيش؟" في اللحظة دي وصلت عربية الإسعاف. وخدوها بسرعة على المستشفى. قضينا الليل كله قدام غرفة الطوارئ. كل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها. بعد ساعتين، خرج الدكتور. وقال: "اطمنوا... الحالة مستقرة، لكنها كانت مرهقة جدًا، وضغطها نزل بسبب الإجهاد وقلة الأكل." قلة الأكل؟ بصيت لجوزي باستغراب. الدكتور كمل: "واضح إنها كانت بتوفر الأكل لغيرها، ومهملة نفسها." نزلت دموعي. افتكرت كل مرة كنت بشوفها تملأ الشنطة. ماكنتش أعرف إنها أوقات بترجع بيتها من غير ما يبقى عندها هي نفسها حاجة تاكلها. لكن... وأنا بجمع الورق اللي وقع من الشنطة مرة تانية... خرج ظرف صغير كان مخبي بين الروشتات. كان عليه اسمي أنا. ومكتوب بخط حماتي: "ما يتفتحش إلا لو عرفتِ الحقيقة كلها." بصيت للظرف... وبصيت لجوزي... وقلبي كان بيقولي إن الرسالة دي هتغير كل اللي كنا فاكرينه عن حماتي، ويمكن تكشف سرًا احتفظت به سنين طويلة... يتبع...جوزي بصلي وقال: "افتحيه." إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف. طلعت منه ورقتين وصورة قديمة. بصيت في الصورة الأول. كانت صورة بالأبيض والأسود لحماتي وهي صغيرة، واقفة جنب راجل كبير في السن وست بسيطة، وبينهم شاب شكله مرهق. جوزي أول ما شاف الصورة قال: "ده جدي... ودي جدتي... وده خالي حسن قبل ما يتجوز." أما الورقة، فكانت رسالة بخط إيد حماتي. بدأت أقرأ بصوت مسموع: > "يا بنتي... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أكيد عرفتي إني كنت باخد الأكل من غير إذنك. وأنا عارفة إني غلطت، ومهما كان السبب، كان لازم أطلب وأستأذن. لكن كان عندي سبب عمري ما قدرت أقوله لحد." كملت القراءة، وكل كلمة كانت أصعب من اللي قبلها. > "أخويا حسن هو اللي رباني بعد وفاة أبويا. اشتغل وهو لسه صغير عشان يعلمني ويجوزني. ولما تعب وخسر شغله، حسيت إن دوري جه أرد له جزء صغير من اللي عمله معايا. لكنه كان رافض ياخد فلوس مني، فكنت أبعت له أكل من غير ما يعرف مصدره." وقفت لحظة، لأن دموعي نزلت. لكن الرسالة لسه ما خلصتش. > "كنت كل مرة أقول لنفسي دي آخر مرة... لكن كل ما أشوف ولاده، مقدرش أرجع بإيدي فاضية." بصيت لجوزي. كان ساكت، لكن عينه مليانة ندم. وقرأت آخر سطر: > "أنا بطلب السماح، مش على الأكل... لكن على الطريقة. لأن الطريقة الغلط بتضيع حتى أجمل النوايا." سكتنا. لأول مرة، حسيت إن الصورة كاملة. حماتي أخطأت. لكنها ما كانتش بتتصرف بدافع الطمع. كانت بتتصرف بدافع رد الجميل، بطريقة غلط. بعد يومين خرجت من المستشفى. أول ما دخلت البيت، وقفت قدام الباب وقالت بصوت مكسور: "أنا جاية أعتذر." قربت منها، ومسكت إيدها. قلت: "وأنا كمان آسفة لو قسيت عليكي، لكن كان لازم يبقى فيه حدود." هزت راسها وقالت: "معاكي حق... من النهارده، عمري ما همد إيدي على حاجة من غير إذنك." وفي نفس اللحظة، جوزي قال: "ومن النهارده كمان، خالي حسن مش هيشيل هم الأكل ولا العلاج لوحده. هنساعده كلنا، لكن بعلم بعض." ابتسمت حماتي لأول مرة من أيام. وحسيت إن الخلاف اللي كان هيكسر العيلة... اتحول لدرس عمرنا ما هننساه. تمت.