كسرة عين بقلم منــال عــلي

لما عرفت إن ضرتي حامل، عيلته كلها جت لحد عندي البيت.. مش عشان يطيبوا خاطري، ولا عشان يعتذروا على الجوازة اللي تمت من ورايا، ولا حتى يسألوا حالي إيه. دخلوا وقعدوا في الصالة، على الكنبة اللي كانت أمي الله يرحمها هي اللي منقياها، وبكل بجاحة طلبوا مني أخلي المكان.
أنا مأعلنتش الحرب.. مصوتش ولا حاجة. موقفتش أشرح وجعي من غدر السنين. أنا بس ابتسمت، وقلت جملة واحدة.. بعدها وشوش الستة اللي قدامي اتخطفت، كأن النور قطع فجأة في المكان.
أنا وإبراهيم عشنا مع بعض خمس سنين. قبل الجواز، كان يبان إنه الراجل اللي الواحدة تقدر تكبر معاه وهي مطمنة. كان يجيبلي الدوا وأنا عيانة، ويستناني بالليل قدام المترو لو اتأخرت. كان ينادي أمي يا ماما يا ست الكل بحنية خلتها مرة دخلت المطبخ ودموعها في عينيها من الفرحة. وقتها قلت بس، هو ده الراجل اللقطة.
يوم فرحنا، أمي أهدت لينا بيت. تلت أدوار، مش قصر طبعاً، بس بيت متأسس صح، دافي، وراه جنينة صغيرة وقدام الباب شجرة جوافة قديمة. أمي قعدت عمرها كله تجمع في تمنه، تحوش من الماهية، وتشتغل شغلانتين، وتوفر في اللقمة والهدوم عشان تشيل القرش على القرش لليوم ده. بس هي سجلت البيت باسمي أنا.

ساعتها مخدتش بالي من المغزى، وأمي قالتلي كلمتين خلي ليكي سقف يا بنتي.. الدنيا مالهاش أمان، والست لازم يكون ليها مطرح مفيش مخلوق يقدر يطردها منه. ضحكت وبستها، وقلت لها يا ماما إبراهيم مش كدة. بصت لي بنظرة طويلة مليانة كلام.. وسكتت.
بعد الجواز، كنت بحاول أكون الست المثالية. بشتغل في البنك، بخرج من الفجر وأرجع والنور طافي في الشوارع. وسلفت إبراهيم فلوس عشان يفتح مشروعه ويقف على رجله. حماتي، ست ليلى، مكنتش فاهمة تعبي. كانت شايفة إن الست لازم تستقبل جوزها بالأكل السخن والضحكة المنورة، حتى لو مهدود حيلها في الشغل.
لحد ما إبراهيم جه في يوم وشه ميتفسرش، وقالها لي في وشي أنا اتجوزت عليكي يا نيرمين.. وهي حامل، وده شرع الله. في اللحظة دي، مسمعتش صوته، سمعت بس صوت تكة الغلاية في المطبخ وهي بتفصل.
بعد أسبوع، شرفوا كلهم. إبراهيم، وأمه، وأبوه، وأخته وجوزها، والعروسة الجديدة.. سماح. قاعدة بحذر بس بثقة، كأنها بتعاين البيت اللي خلاص بقى حقها بصفتها أم الولد. حماتي بدأت الكلام يا نيرمين، إحنا مش جايين نخرب، إحنا جايين نعمر. سماح حامل في حفيدنا الأول، وإنتي عارفة إن البيت ده كبير عليكي لوحدك، وهي أولى بالرعاية هنا وسطنا. خلينا ننفصل بالمعروف، وإنتي لسه صغيرة وألف مين يتمناكي. كلمة ألف مين يتمناكي دي وجعتني أكتر من الجوازة التانية نفسها. كأنهم شالوني من حياتي ورموني على الرصيف مع شنط هدومي القديمة.
سماح الزوجة التانية بصت لي وقالت بصوت ناعم أنا مكنتش عايزة أخد مكانك، بس إبراهيم قالي إن البيت ملكه وهو اللي بانيه من تعبه، فقلت حقي أعيش في ملك جوزي. إبراهيم كان ساكت.. قاعد جنبها، شابك صوابعه في بعض، ومش قادر يرفع عينه في عيني.
قمت وقفت.. دخلت المطبخ، صبيت لنفسي كوباية مية، ورجعت الصالة. حطيت الكوباية على التربيزة وبصيت للستة واحد واحد وقلت حقكم طبعاً ترتبوا مين هيسكن فين.. بس قبل ما تفرشوا وتختاروا الأوض، حد فيكم يسأل إبراهيم هو البيت ده ملكه بصفته إيه؟
السكوت اللي ساد الأوضة كان مرعب. إبراهيم رفع راسه فجأة وصدمته كانت واضحة. حماتي وشها بقى زي الورقة البيضاء. أما سماح، فشالت إيدها من على بطنها وبصت لإبراهيم بنظرة مرعبة.. كأنها اكتشفت إنها متباع ليها وهم.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا. الصدمة بدأت لما فتحت الدولاب وطلعت دوسيه الأوراق.. وإبراهيم شاف جواه عقد بيع وشراء مؤرخ من تلات سنين، بيمضي فيه هو نفسه على بيع نصيبه اللي كان فاكر إنه نصيبه ليا مقابل الفلوس اللي خدها مني لمشروعه.. قلت لهم وأنا بفتح الباب إبراهيم ملوش هنا غير الهدوم اللي عليه.. والبيت ده بيت أمي، والباب يفوت جمل.
الورقة مكنتش جديدة، كان فيها ثنية بسيطة في النص، كأنها اتفتحت واتقرت مية مرة قبل كدة واتشالت في الدوسيه بسرعة. إبراهيم فضل مبلم فيها، مش فاهم هو شايف إيه بالظبط، وبعدين ملامحه بدأت تتخطف، كأن في حد سحب النور من وشه. دي مكنتش مجرد ورقة، ده كان إقرار موثق في الشهر العقاري. مكتوب فيه بالبند العريض إن البيت ده ملكية خاصة وحصرية لنيرمين، وإنه مشتري بفلوس والدتها الست تامر، وإن ملوش أي حق في سكن أو انتفاع أو حيازة، وأي محاولة للتصرف في البيت من غير موافقة مالكته تعتبر باطلة. وتحت، كان في سطر مكتوب بلغة قانونية ناشفة لا يجوز لأي شخص، بما فيهم الزوج، المطالبة بطرد المالك من سكنه. أمي معملتش كدة بس عشان تأمن لي البيت، هي عملت كدة عشان في أي تمثيلية عائلية يقرروا فيها يرموني بره حياتهم، ميكونش سلاحي الدموع والكلام.. يكون سلاحي الكماشة والقانون.
ست ليلى الحماة كانت أول واحدة تنطق، وصوتها كان بيرعش بس حاولت تتماسك بأسلوبها اللي متعودة فيه تمشي
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *