حكايات زهره الربيع ٢
مسح الدم السائل من أنفه وشفتيه بظهر يده، وتحولت نظرته الباردة إلى وحشية مفترسة. انقض عليّ كالمجهول، وأمسك بتلابيبي وضغط بجسده الثقيل عليّ ليدفعني نحو الحائط. تضاربت أيدينا، وكانت أصابعه الغليظة تعصر رقبتي بقوة تريد كتم أنفاسي وتثبيتي على الأرض ليضع المنديل المتبقي في جيبه على وجهي.
كنت أصارع وأرفس برجليّ، أظافري تغوص في جلد وجهه وعنقه، أقتلع لحمه وأنا أراه يصر على أسنانه المدماة ويتمتم بكلمات غير مفهومة: “لازم تنتهي.. لازم اللعبة تنتهي هنا!”
تجمعت كل ذكريات السنوات السبع في عقلي في تلك الثواني المعدودة: ضحكات ولدي الأول، لمسة يد الولد الثالث، ونظرة الولد الخامس وهو يغمض عينيه للابد في حضني. أمددنا أيدينا معاً نحو قطعة الزجاج المكسورة الحادة من القارورة التهشمة الملقاة على الأرض بالقرب من أقدامنا. كانت يده أقرب، لكنني بجهد انتحاري خفضت رأسي ونطحته بجبهتي في وجهه المصاب، فترنح للخلال ثانية واحدة.
استغللت تلك الثانية، وجذبت قطعة الزجاج الكبيرة الحادة بكفي، ولم أتردد لكسر من الثانية؛ غرزتها بكل ما أمتلك من غل وقهر في جانبه الأيمن!
صرخ صرخة مدوية اهتزت لها أركان الشقة، وتراجع إلى الخلف يسقط على ركبتيه، يمسك بخصره والدم يتدفق من بين أصابعه بغزارة، ممتزجاً بالزيت القاتل المنسكب على الأرض. تنفس بتثاقل ورئتاه تصدران صفيراً مرعباً وهو ينظر إليّ بذهول، كأنه لم يكن يتوقع أبدأ أن ترفع هذه المرأة المكسورة يدها في وجهه.
زحفت على ركبتي مبتعدة عنه، أتنفس بصعوبة والجرح في حلقي يحرقني من أثر الرائحة المنتشرة. التقفت الملف الأسود الضخم المليء بالوثائق وشيكات الملايين وعقد التركة الملعون، وضغطته إلى صدري بقوة.
قام ببطء شديد، يستند على جدار الغرفة، والدم يصبغ جلبابه الأسود بالكامل. كانت عيناه جاحظتين، ينظر إلى الملف في يدي والدم يقطر من فمه، وقال بصوت خفيض متهدج، يملأه التهديد الأخير:
“فاكرة إنك لو خرجتِ بالأوراق دي هتنجي؟ الشركاء في كل مكان يا سمر.. الاتفاق ده أكبر منك ومني ومن كل البنوك. لو خرجتِ من الباب ده.. مش هتلحقي تصلي للبوليس!”
لم أرد عليه بكلمة واحدة. نظرت إليه بنظرة كره أعمق من الموت ذاته، ثم فتحت باب المكتب وانطلقت خائفة ومصممة إلى الصالة الخارجبة، أركض بنبضات قلب متسارعة ونفس مقطوع، متجهة نحو باب الشقة الرئيسي.