حكايات رشا خالد ٢
بعد ما مشيوا، قعدت على الكنبة في الشقة الفاضية. السكوت كان مالك المكان. الأستاذ فاروق حط إيده على كتفي وقال:
— نادين يا بنتي، الشقة كده بقت تحت تحفظ المحكمة لحد ما نخلص إجراءات نقل الملكية النهائية ورادع عقود التزوير. الطلاق هينزل في أول جلسة للضرر، وحقك المالي كله هيرجعلك بالقرش.
هزيت رأسي، وطلعت تلفوني. لقيت رسالة جاية لي من رقم غريب…
فتحتها، وكانت من “سمر”.
الرسالة كان مكتوب فيها:
“نادين… أنا آسفة. أنا عرفت كل حاجة، وعرفت إنه كان بيستغلني زي ما استغلك، وكان بياخد مني فلوس باسم الاستثمار عشان يشتري بيها الدهب اللي كان بيوريهوني. أنا رفعت عليه ق\ضية نصب النهارده. أنا مش زعلانة منك، أنا بشكرك إنك أنقذتيني قبل ما ألبس دبلته رسمياً. لو محتاجة أي شهادة مني في المحكمة ضد أحمد، أنا جاهزة.”
قفلت التلفون، وبصيت للشباك. الشمس كانت بدأت تغرب، والنور الأحمر كان مالي الأوضة.
كنت فاكرة إن الانتقام هيخليني أحس بالسعادة، بس للحظة حسيت بوجع عميق… وجع على الأيام اللي ضاعت، وعلى الثقة اللي اتقتلت. بس في وسط الوجع ده، كان فيه شعور تاني بيولد جوايا… شعور بالحرية.
تلفوني رن تاني… المرة دي كان المحامي بيخبرني إن أحمد طلب محامي ثاني وممصم يرفض الطلاق إلا لو تنازلت عن قضايا التزوير والتعويض، ومهدد إنه هيسحب الق\ضية لسنوات طويلة في المحاكم.
وقفت، وبصيت لنفسي في المراية، وقلت بمنتهى القوة:
— يبدو إن المعركة لسه مخلصتش يا أحمد… وأنا جاهزة للجولة الجاية.
كان الصمتُ في الحارة أثقل من الحجارة، صمتٌ يسبق انفجار المطر أو انفجار الدماء. وقف “عمران” على عتبة الدكان القديم، يمسح بقطعة قماش بالية حديد سيفه العتيق، وعيونه معلقة بأول الشارع حيث تتجمع الظلال.
أربعةُ فرسانٍ سقطوا من قبل، أربعة أخوة ذبحهم الغدر في ظلام الليل، ولم يبقَ من سلالة “الحرافيش” سواه. هو الخامس، ولكنه حلف بدمائه ألا يكون الأخير.
تقدم نحوه “الجاسور”، رجل الفتوة الجديد الذي فرض ظلمه على العباد، وتحيط به عصابة تمسك بالفضة والسياط. صرخ الجاسور بضحكة هزت أرجاء الشارع: “انتهى أمركم يا عمران! أربعة تحت التراب، وأنت الخامس الذي سأغلق به كتاب عائلتك الملعونة اليوم!”