حارس المقابر بقلم احمد محمود شرقاوي
منذ قليل، وجدت أختي الصغيرة تبكي بحرقة شديدة وتتحدث بسرعة لم أفهم معها كلمة واحدة، أمسكتها بهدوء لأفهم سبب بكائها، ففوجئت بها تقول إن ابنة عمي تعايرها لأن ملابسها قديمة ومتسخة، بينما هي ترتدي ملابس جديدة وغالية.
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة، شعرت بالدم يغلي في عروقي، اندفعت نحو أبي أصرخ فيه بقلة حيلة: – “شوفت المثالية بتاعتك ودتنا لفين؟ بنت أخوك بتعاير بنتك على هدومها، وشوية وابنه الكبير هيتجوز وأنا قاعد مش لاقي عِشة أتجوز فيها.. أنا خلاص زهقت وقرفت!”
قلت كلماتي وخرجت وعيناي تطلقان شراراً من الغضب. وعشان الصورة تكون واضحة؛ أبي وعمي يعملان “حراس مقابر” لبلدنا والبلد المجاورة. عائلتنا كلها تقريباً متخصصة في الدفن وتنظيف المقابر. أبي رضي بالقليل، يعيش على “اليومية” وما يجود به أهل الميت، فعشنا سنين من العدم والحرمان.
على النقيض تماماً، كان عمي الذي اشترى في سنوات قليلة قطعة أرض وبنى بيتاً كبيراً، وظهر عليهم بذخ وحياة مرفهة، حتى علاقاته تشعبت بحكم خدماته لناس “كبار”. كنت كلما طلبت من أبي أن يفعل مثله، كان رده الدائم: “اللي بيعمله عمك حرام، ومش هدخل عليكم قرش حرام”.
لكن الوضع انفجر داخلي حين رأيت ابنة عمي تأنف من اللعب مع أختي، ومرات عمي ترسل لنا الطعام وفي عينيها نظرة شفقة ممزوجة بالشماتة، وكان أبي يرفض الأكل ويترك البيت غاضباً.
قررت حينها أن أرمي بنفسي في أحضان عمي، فإما الثراء أو الفقر المؤبد، وأنا لن أقبل بالفقر. انتظرت خروج أبي لعمله، ومشيت وسط “الغيطان” المظلمة قاصداً مقابر البلد المجاورة حيث يعمل عمي.
بمجرد أن خطت قدماي مدخل المقابر، سمعت صوته الخشن الواثق: – “مين اللي جاي؟” – “أنا ممدوح ابن أخوك يا عمي”. – “يا مرحب بالغالي.. نورت الدنيا”.
احتواني بعباءته الفخمة ورائحة عطره النفاذة، وبعد جلسة شاي ودخان، بحت له بكل ما في صدري. نظر لي بخبث وقال مباشرة: – “أبوك عايش في زمن الأنبياء وفاكر إنه هيغير الكون، ميعرفش إنها بتتعاش مرة واحدة”. – “عشان كدا جيت لك، شغلني معاك وهكون عجينة تشكلها بمزاجك”. – “يعني مش هتقولي حلال وحرام؟”. – “ولا كأني أعرف حاجة”. – “تمام.. يوميتك النهاردة ألف جنيه”.
ألف جنيه! المبلغ جعل جسمي يرتعش، هذا مرتب أبي في شهر كامل. بدأ عمي يحكي لي كيف طلب منه طلبة الطب جثثاً للدراسة مقابل مبالغ ضخمة ورفض أبي، وكيف أقنعني بذكائه أن الجثث لا تشعر بشيء.
فجأة، ظهر رجل ضخم ملثم، سلم عمي كيساً صغيراً وانصرف. ابتسم عمي وقال: “يالا بينا”. دخلنا وسط المقابر، ورغم اعتيادي عليها، إلا أن هذا المكان كان له رهبة غريبة. وصلنا لمقبرة، أخرج عمي المفاتيح ونزلنا. هناك، رأيت الكابوس.. أخرج خنجراً صغيراً، وبدم بارد أحدث شقاً في جسد الجثة، وحشر “العمل” (السحر) داخل اللحم وخيطه بمهارة.
خرجت وأنا أترعش، أعطاني الألف جنيه وذهبت. ورغم الرعب، عدت له في اليوم التالي، وعرفت السر: عمي يزرع الأسحار داخل الجثث لضمان عدم فكها، ويتقاضى آلاف الجنيهات عن كل “عمل”.
تحولت حياتي، المال يجري في يدي كالماء، اعتزلت أبي وأوهمتهم أني أعمل في الأمن. وفي ليلة، كان عمي مريضاً جداً ولا يقوى على الحركة، وجاءنا “الرجل الملثم” بعملين جديدين. طلب مني عمي أن أقوم بالمهمة وحدي في مقبرة لميت حديثاً (جثته مشوهة في حادث)، مقابل 4 آلاف جنيه.
ذهبت وحدي.. الظلام كان دامساً بشكل مخيف. فتحت القبر ونزلت. كشفت عن وجه الجثة، كان المشهد بشعاً، الجسد مهشم تماماً. وبينما أحاول وضع “العمل”، انطفأ كشاف الموبايل فجأة! حاولت فتحه.. البصمة لا تعمل.. كلمة السر خطأ.. وأخيراً فتحت الكشاف.. لكن.. أين الجثة؟!
حركت الضوء يميناً ويساراً، لأجد الجثة واقفة في زاوية القبر، عيناها مفتوحتان وتصدر صوتاً يشبه “الزوم”. تجمدت مكاني، شعرت بخنجر بارد يغرس في صدري، الهواء انسحب من الرئة، وكأن الموت يطبق عليّ. رأيت الجثة تقترب وتمد يدها نحو عيني.. سقطت من طولي، حاولت الزحف هرباً من هذا الجحيم.
وفجأة.. كما بدأ كل شيء، انتهى في لحظة. عادت الجثة مكانها هامدة. خرجت أجري كالمجذوب، أغلقت الباب وهربت. لن أعود هنا ولو كلفني ذلك حياتي.
بينما أركض، رن هاتفي.. إنه أبي! رددت وأنا الهث، فسمعت صراخه: – “أنت فين يا ابني؟ ناس هجموا على بيت عمك وحرقوه، ولحقنا مراته وعياله بالعافية.. متظهرش دلوقتي لحد ما نفهم في إيه”.
قبل أن أنطق، رأيت مجموعة من الرجال الغاضبين يقتحمون المقابر، يحملون أسلحة وعصياً وناراً. اختبأت أراقبهم في رعب. كسروا باب غرفة عمي، وسمعت صرخات استغاثته وهو يُضرب بلا رحمة، ثم سكبوا البنزين وأشعلوا النار في الغرفة وهو بداخلها.
كان صوته وهو يحترق مرعباً، كأنه يذوق عذاب جهنم في الدنيا قبل الآخرة. هربت عائداً للبيت، وعرفت لاحقاً أن أهالي القرى المجاورة اكتشفوا تجارته بالجثث والأسحار، فقرروا الانتقام. قُتل عمي وحُرق ماله الحرام، وسبحان الله، لم يعرف أحد أنني كنت شريكه، وإلا كانت نهايتي معه. نجوت بفضل دعوات أبي، وستره الذي رفض القرش الحرام، فعلمت حينها أن الفقر مع الستر.. هو الغنى الحقيقي.