اعتاد عمي

اعتاد عمي أن يلمسني منذ كنت طفلة. كان يظن أنني نائمة دائمًا… لكن الحقيقة أنني كنت أسمع كل شيء.
خطواته فوق البلاط.
صوت الباب وهو يُفتح ببطء.
أنفاسه الثقيلة قرب سر,,ـــــيري.
ولسنوات… لم أتحرك.
ليس لأنني لم أكن خائفة.
بل لأن لا أحد سيصدقني، فالجميع في عائلتنا كانوا يرونه رجلًا لا يُخطئ.
اسمي مروة السالم. عمري أربعة وعشرون عامًا، ومنذ طفولتي علّمتني أمي ألا أعترض على عمي مازن.
كان رجلًا معروفًا في الرياض.
محامٍ ثري.
يصلي في الصف الأول دائمًا.
يتحدث بهدوء وثقة تجعل الجميع يحترمونه.
وكانوا يقولون لي دائمًا:
«عمك يحبك مثل ابنته.»
وأنا… كنت أبتسم فقط.
لكنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه أحد.
كنت أعرف موعد دخوله لغرفتي بالثانية.
الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا.
دائمًا.
في البداية، ظننت أنه يأتي ليتفقدني بعد وفــ,,ـــــاه أبي.
لكنني مع الوقت بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
كان يلمس الندبة الصغيرة أسفل عنقي كل مرة.
نفس المكان.
نفس اللمسة.
ندبة على شكل هلال… لا أتذكر أصلًا كيف حصلت عليها.
وحين أصيبت أمي بجلطة أفقدتها الكلام، أصرّ عمي أن أنتقل للعيش داخل قصره شمال الرياض.
قال يومها:
«لا يمكنكِ البقاء وحدك يا مروة… أنتِ بأمان هنا.»
الأمان.
حتى الكلمة كانت تخيفني.
كان المنزل ضخمًا بشكل مخيف.
هادئًا أكثر من اللازم.
كاميرات في كل زاوية.
وأبواب تُقفل من الخارج.
في أول ليلة، أحضر لي حليبًا ساخنًا بنفسه.
ابتسم وقال:
«اشربيه ونامي مبكرًا.»
لكني سكبته في نبات الزينة بجوار النافذة.
وعند الثانية وسبع عشرة دقيقة… دخل.
كنت مستيقظة.
كتمت أنفاسي بصعوبة بينما اقترب مني ببطء، ثم رفع شعري ولمس الندبة بأصابعه وهمس:
ما زالت موجودة.
شعرت أن الدم تجمّد داخل عروقي.
لكن هذه المرة… لم أكن وحدي.
كنت قد أخفيت كاميرا صغيرة داخل دمية قديمة، وكانت تبث مباشرة إلى هاتف صديقتي سارة.
وفي الليالي التالية، عاد مرة بعد مرة.
كان يبحث عن شيء واحد فقط.
الندبة.
والسلسلة الذهبية التي علّقتها أمي حول عنقي منذ طفولتي.
وفي الليلة الرابعة، سمعته يهمس بصوت منخفض:
«كان يجب أن تسلّمها أمها منذ سنوات…»
حينها فقط أدركت أن الأمر أكبر من رجل مريض.
بدأت أفتش مكتبه سرًا.
وجدت صورًا قديمة لأمي… وملفات محترقة الأطراف… ومجلدًا يحمل اسمي.
لكن الاسم المكتوب لم يكن “مروة السالم”.
بل:
الطفلة الناجية — ملف حــ,,ـــــريق دار النور.
شعرت ببرودة تسري في جسدي كله.
بحثت حتى عرفت الحقيقة.
قبل عشرين عامًا، احترقت دار أيتام قديمة في جدة.
مات معظم الأطفال.
لكن طفلة صغيرة اختفت… ولم يُعثر على جثتها أبدًا.
وفي صورة قديمة نشرتها صحيفة… كانت هناك طفلة تحمل نفس ندبتي.
ذهبت إلى المستشفى فورًا.
أمي لم تكن قادرة على الكلام، لكنها فهمت كل شيء حين رأت الصورة.
دفعتُ لها دفترًا وقلمًا.
استغرقت دقائق طويلة حتى كتبت جملة واحدة فقط:
مازن ليس عمك.

تتمة القصة (الجزء الثاني):
سقطت الورقة من يدي وكأنها جمرة نــ,,ـــــار. نظرتُ إلى أمي —أو المرأة التي ظننتها أمي طوال أربعة وعشرين عامًا— كانت دموعها تنهمر بصمت وهي تحاول الإمساك بيدي، لكنني تراجعت للخلف. كل ذكرى في حياتي كانت كذبة، كل حــ,,ـــــضن، كل عيد ميلاد، كل كلمة “ابنتي” كانت مجرد غطاء لجريمة بدأت قبل عقدين من الزمان.
عدتُ إلى القصر في شمال الرياض وأنا أرتجف، ليس خوفًا هذه المرة، بل غضبًا. كان عليّ أن أمثل دور “مروة” المطيعة لليلة واحدة إضافية حتى أفهم السر خلف “حــ,,ـــــريق دار النور” ولماذا يحتفظ بي مازن كل هذه السنوات؟
عندما دخلتُ الجناح الخاص بي، وجدتُ مازن واقفًا عند النافذة، ينظر إلى الحديقة الواسعة. التفت إليّ بابتسامته الهادئة التي لم تعد تخدعني، وقال بنبرة غريبة:
— “تأخرتِ عند والدتك اليوم يا مروة.. هل بدأت تتحسن؟”
قلتُ بصوت حاولتُ جاهدة أن يكون ثابتًا:
— “الأطباء يقولون إنها مسألة وقت، لكنها بدأت تتذكر أشياء قديمة.. أشياء من الماضي يا عمي.”
لمعت عيناه للحظة، واقترب مني ببطء حتى شعرت بأنفاسه الثقيلة، ثم مد يده نحو شعري كعادته، لكنني تنحيتُ جانبًا بحجة تبديل ملابسي. تجمدت يده في الهواء، وتحولت نظرته إلى حدة لم أرها من قبل.
في تلك الليلة، لم يأتِ في الثانية وسبع عشرة دقيقة. بدلاً من ذلك، سمعتُ حركة غريبة في الممر.. أصوات همس ورجال. تسللتُ إلى الباب ووضعته أذني عليه. كان مازن يتحدث بحدة مع شخص ما:
— “قلتُ لك الملفات يجب أن تُحــ,,ـــــرق الليلة! البنت بدأت تشك، وتلك العجوز في المستشفى لن تصمت طويلاً إذا استعادت قدرتها على الكتابة.”
رد عليه صوت غريب:
— “وماذا عن الأرض؟ الصكوك لا تزال باسم (الطفلة الناجية)، وإذا لم توقع مروة على التنازل قبل بلوغها الخامسة والعشرين، سيعود كل شيء لوزارة الأوقاف وتُفتح ملفات الدار من جديد.”
حبستُ أنفاسي. الأمر يتعلق بورثة.. بأرض ضخمة بُني عليها القصر أو ربما مشاريع أكبر. أنا لستُ مجرد طفلة مختطفة، أنا “صاحبة الحق” التي سلبها مازن حياتها وهويتها.
انتظرتُ حتى هدأ الضجيج، وتسللتُ إلى مكتبه مرة أخرى مستغلةً معرفتي برقم القفل السري الذي استنتجته من تاريخ الحــ,,ـــــريق. داخل درج مخفي خلف لوحة جدارية، وجدتُ الصدمة الكبرى.
لم تكن هناك أوراق أرض فقط.. كان هناك “محضر شرطة” قديم لم يُنشر أبدًا. المحضر يتهم مازن السالم بإضرام النــ,,ـــــار في دار الأيتام للتخلص من سجلات تثبت اختلاسه لأموال التبرعات.
وبينما كنتُ أصور الأوراق بهاتفي، أضاءت أنوار المكتب فجأة.
التفتُّ ببطء لأجد مازن واقفًا عند الباب، وبيده مسدس كاتم للصوت، وعلى وجهه نفس الهدوء المرعب.
قال ببرود:
— “كنتُ أعرف أنكِ ذكية يا مروة.. تشبهين والدك الحقيقي كثيرًا.. ذلك الرجل الذي مات وهو يحاول إخراجك من وسط النيران.”
ضحك ضحكة مكتومة وأكمل:
— “الندبة التي على عنقك ليست من الحــ,,ـــــريق فقط.. بل هي علامة سكــ,,ـــــين وقعت عليكِ وأنتِ تحتضنين السلسلة الذهبية التي تحتوي على مفتاح الخزنة المركزية للدار.. المفتاح الذي أبحث عنه منذ عشرين عامًا.”
خطا خطوة نحوي وهو يرفع السلاح:
— “والآن.. أين السلسلة يا مروة؟”
في تلك اللحظة، اهتز هاتفي في جيبي.. كانت رسالة من صديقتي سارة: **”مروة.. الشرطة عند الباب الخارجي، البث المباشر وصلهم!”**
نظرتُ إليه بابتسامة تحدٍّ والدموع في عيني وقلت:
— “السلسلة ليست معي يا مازن.. السلسلة في مكان لن تصل إليه أبدًا.”
انقضّ عليّ ليمسك بي، وفي نفس اللحظة تحطم زجاج النافذة بطلقة تحذيرية، واقتحمت قوات الأمن الجناح.. لكن مازن في لحظة جنونه الأخير، سحبني نحوه ووضع المسدس في رأسي وصرخ:
— “إذا لم تكن لي.. فلن تكون لأحد!”
تتمة القصة (الجزء الثالث):
تجمد الجميع في مكانهم. صرخات رجال الشرطة في الردهة اختلطت بصوت صافرات الإنذار التي دوت في أرجاء القصر. كان مازن يضغط بالمسدس على رأسي بقوة جعلتني أشعر ببرودة المعدن تخترق جلدي، وكان يرتجف بوضوح.. لم يكن خائفًا من السجــ,,ـــــن، بل كان مرعوبًا من ضياع “الإرث” الذي قضى عمره ينسجه من دماء الأيتام.
همس في أذني بصوت فحيح:
— “أعطني السلسلة يا مروة.. قولي لي أين خبأتها أمك، وسأدعكِ تخرجين من هنا حية. سأعطيكِ المال، السفر، أي شيء.. فقط المفتاح!”
في تلك اللحظة، وسط الرعب، تذكرتُ شيئًا غريبًا. تذكرتُ نظرات أمي (التي لم تكن أمي) وهي تلمس السلسلة كل ليلة قبل نومي، وتهمس بكلمات لم أكن أفهمها. لم تكن السلسلة مجرد ذهب، كانت “الأمانة” التي خانت الدار من أجلها، لكنها حافظت عليها من أجل حمايتي.
قلتُ بصوت مسموع للشرطة ولمازن:
— “المفتاح ليس في السلسلة يا مازن.. المفتاح كان دائمًا في المكان الذي تلمسه كل ليلة.”
ارتبك للحظة، وتراجعت يده قليلاً عن رأسي. استغليتُ هذه الثانية من الذهول ودفعتُ يده بقوة، وارتميتُ أرضًا خلف المكتب الضخم. دوت طلقة في الغرفة، لكنها أصابت اللوحة الجدارية خلفي. انقض رجال الأمن عليه قبل أن يتمكن من إطلاق الثانية.
سقط مازن السالم، المحامي الشهير والوجة الاجتماعي المرموق، تحت أقدام الشرطة. كان يصرخ كالمجنون:
— “إنها ملكي! الدار ملكي! هي من بدأت الحــ,,ـــــريق! تلك المرأة هي من .تهم!”
بعد ساعات في مركز الشرطة، كانت سارة بجانبي تمسك يدي. حضر محقق برتبة رفيعة وجلس أمامي، وضع كيسًا بلاستيكيًا شفافًا فيه السلسلة الذهبية التي أخذوها مني كدليل.
قال المحقق بهدوء:
— “مروة.. أو يجب أن أقول (نور)، لقد فحصنا الملفات التي صورتِها. مازن لم يكن يختلس فقط، بل كان يبيع أراضي الأوقاف التابعة لدار الأيتام بوثائق مزورة. لكن هناك حلقة مفقودة.. السلسلة.”
أخذتُ السلسلة بين أصابعي. كانت عبارة عن دلاية على شكل قلب قديم. ضغطتُ على جانبها بطريقة معينة أخبرتني بها أمي في رسالة مشفرة تركتها لي في المستشفى (عبر ممرضة أثق بها). انفتح القلب، ولم يكن بداخله مفتاح معدني.. بل كان هناك “مايكروفيلم” صغير جدًا، وصورة باهتة لرجل وامرأة يبتسمان، وفي حــ,,ـــــضنهما طفلة صغيرة لديها نفس ندبتي.
قال المحقق بدهشة:
— “ما هذا؟”
قلتُ وعيني تلمع بالدموع:
— “هذا هو سجل الأسماء الحقيقي.. الأطفال الذين ادعى مازن أنهم ماتوا في الحــ,,ـــــريق. هم أحياء يا سيدي.. باعهم لأسائل في الخارج وغير هوياتهم ليدفــ,,ـــــن سر الجريمة للأبد.”
لم تكن القضية قضية ورثة وأرض فقط.. كانت قضية “اتجار بالبشر” بطلها رجل يرتدي ثوب الواعظ في الصف الأول من المسجد.
مر أسبوع.. ذهبتُ للمستشفى لزيارة المرأة التي ربتني. كانت حالتها تتدهور، لكن ملامحها كانت هادئة لأول مرة. اقتربتُ منها، لم أكن أعرف ماذا أناديها، هل هي “خاطفتي” أم “مربيّتي”؟
نظرت إليّ وأشارت ليدي. فتحتُ كفي وأريتها صورة والديّ الحقيقيين التي كانت في السلسلة. أغمضت عينيها براحة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتتحلل من ذنبها.
لكن قبل أن أخرج، همست الممرضة في أذني:
— “هناك شخص ينتظرك بالخارج منذ الصباح.. يقول إنه كان يعمل حارسًا في دار النور قبل عشرين عامًا، ولديه أمانة لم يستطع تسليمها إلا لصاحبة الندبة.”
خرجتُ بقلب يخفق بشدة. وجدتُ رجلًا عجوزًا يرتدي ثيابًا بسيطة، وقف حين رآني وانفجر بالبكاء. قال بصوت مرتجف:
— “يا ابنتي.. مازن ليس الوحيد. هناك “مجلس” كامل خلفه. مازن كان مجرد المحامي.. الرؤوس الكبيرة بدأت تتحرك الآن لإغلاق الملف، وحياتكِ في خطر أكبر مما تتخيلين.”
ثم سلمني مغلفًا مختومًا بختم أحمر قديم وقال:
— “اهربي من الرياض.. الآن.”
تتمة القصة (الجزء الرابع – قبل الأخير):
تجمدت في مكاني والظرف المختوم بين يدي. شعرتُ أن جدران المستشفى تضيق عليّ. “مجلس كامل؟” إذن مازن لم يكن إلا مجرد بيدق في لعبة شطرنج مرعبة، والآن بعد أن سقط، قرر اللاعبون الكبار حــ,,ـــــرق الرقعة بمن فيها.
لم يعد القصر آمناً، ولا حتى المستشفى. اختفيتُ في زحام شوارع الرياض، استأجرتُ شقة متواضعة باسم مستعار بمساعدة سارة، وجلسنا هناك تحت ضوء خافت نفتح الظرف الذي سلمه لي الحارس العجوز.
كانت الصدمة تفوق كل التوقعات.
داخل الظرف، وجدتُ كشفاً بأسماء “المتبرعين” لدار النور قبل عشرين عاماً. لم تكن مجرد أسماء، بل كانت قائمة بأسماء رجال أعمال، قضاة، وحتى بعض الوجوه التي تظهر في التلفاز كرموز للنزاهة والعمل الخيري. بجانب كل اسم، كان هناك مبلغ مالي ضخم، وأمامه ملاحظة واحدة: “ثمن التبني السري”.
همست سارة وهي ترتجف:
— “مروة.. هؤلاء ليسوا مجرد مختلسين. هؤلاء شبكة تشتري الأطفال بهويات مزورة. أنتِ لستِ الوحيدة التي سُرقت حياتها، هناك العشرات مثلك، يعيشون الآن في بيوت هؤلاء القوم بأسماء كاذبة.”
قلبتُ الأوراق حتى وصلتُ إلى الورقة الأخيرة.. كانت عبارة عن خريطة قديمة لموقع الدار المحترقة بجدة، وعليها علامة “X” في القبو، مع ملاحظة بخط يد مازن: **”الأرشيف الحديدي لا يحترق.. تم دفــ,,ـــــنه تحت الخرسانة.”**
أدركتُ حينها لماذا كان مازن يلمس ندبتي كل ليلة. لم تكن لمسة تحــ,,ـــــرش فقط، بل كانت “هوساً” للتأكد من هويتي؛ لأنني الوحيدة التي تملك بصمة وراثية تربط هذه الشبكة بدار النور. أنا الدليل الحي الذي يمكنه هدم هذا المعبد فوق رؤوسهم.
وفجأة، انقطع التيار الكهربائي عن الشقة.
ساد الصمت، ثم سمعتُ صوت تحطم زجاج النافذة في الصالة.
سحبني أحد من ورائي بقوة، ووضع يده على فمي قبل أن أصرخ. كان الحارس العجوز نفسه! همس في أذني بصوت لاهث:
— “لقد وجدوكم.. سارة هربت من الباب الخلفي، يجب أن تخرجي من هنا الآن. القبو في جدة هو طريقك الوحيد.. اذهبي إلى هناك قبل أن يصلوا إلى الأرشيف ويدمروه للأبد.”
هربتُ عبر الدرج المظلــ,,ـــــم، ومن خلفي سمعتُ صوت إطلاق نــ,,ـــــار. لم ألتفت وراي، ركبتُ أول سيارة أجرة متجهة نحو المطار، وفي قلبي نــ,,ـــــار تشبه تلك التي أحــ,,ـــــرقت الدار قبل عشرين عاماً.
وصلتُ إلى جدة، إلى أنقاض “دار النور”. المكان كان مهجوراً، يحيطه سور متهالك وتملؤه الحكايات المخيفة. بدأتُ أحفر بيدي وسط الركام، والندبة في عنقي تؤلمني وكأنها تستشعر اقتراب الحقيقة.
وبعد ساعات من البحث تحت ضوء القمر، اصطدمت يدي بشيء صلب.. مقبــ,,ـــــض حديدي صدئ تحت طبقة من الإسمنت المكسور.
لكن قبل أن أفتحه، أضاءت كشافات قوية من كل جانب، وظهرت سيارات سوداء فخمة تحيط بالمكان. ترجل منها رجل يرتدي بزة أنيقة جداً، وضع نظارته الشمسية في جيبه واقترب مني بابتسامة باردة وقال:
— “أهلاً بكِ في بيتكِ القديم يا (نور).. لقد أتعبتنا كثيراً. هل ظننتِ حقاً أن طفلة مثلكِ يمكنها كسر (مجلس الظل)؟”
نظرتُ إليه بغضب وقلت:
— “السر لم يعد في القبو.. السر أصبح في يد كل صحفي في المملكة الآن.”
ضحك بصوت عالٍ وقال:
— “ومن سيصدق ابنة مجهولة النسب ضد أسياد المجتمع؟ ستمــ,,ـــــوتين هنا كما كان يجب أن تمــ,,ـــــوتي قبل عشرين عاماً.. والمرة لن نترك ناجين.”
رفع يده ليعطي الإشارة لرجاله، وفي تلك اللحظة.. اهتزت الأرض تحت أقدامنا بصوت انفجار بعيد، وظهرت طائرات مروحية في السماء تابعة لقوات الطوارئ.
صحتُ به:
— “أنا لم أرسل الملفات للصحافة يا سيدي.. أنا أرسلتها لرئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد مباشرة من مطار الرياض.. والآن، دورك لتجرب الظلام.”
لكن الرجل لم يرتبك، بل أخرج جهازاً صغيراً من جيبه وقال ببرود مرعب:
— “ظننتِ أنكِ ذكية.. لكنكِ قدتِنا للمكان الذي أردنا الوصول إليه.”
ثم ضغط على الزر، وانفتح باب القبو الحديدي ليخرج منه شيء لم أكن أتخيله أبداً.. شخص كنتُ أظن أنه مات منذ زمن طويل.
الجزء الخامس والأخير:
خرج من عتمة القبو رجلٌ بملامح أنهكها الزمن، شعره أبيض كالثلج، وعيناه تحملان حزنًا يضاهي عمق المحيط. تجمدتُ في مكاني، بينما تراجع الرجل الأنيق (عضو المجلس) خطوة للخلف وهو يهمس بذهول:
— “مستحيل.. كيف بقيت حيًا تحت الأرض كل هذه السنوات؟”
لم يكن هذا الرجل غريبًا.. كانت ملامحه هي النسخة العجوز من الرجل الذي رأيته في الصورة داخل السلسلة. إنه والدي. لم يمت في الحــ,,ـــــريق، بل سُجن في القبو السري الذي بُني فوقه الركام، ليكون “الرهينة” التي تضمن صمت الجميع.
قال والدي بصوت مبحوح وهو ينظر إليّ والدموع تشق طريقها فوق تجاعيده:
— “نور.. كنتُ أعلم أن الندبة ستقودكِ إليّ يوماً ما.”
في تلك اللحظة، لم تنتظر قوات الطوارئ. اقتحموا المكان كالإعصار. بدأت المواجهة، وسقط رجال “مجلس الظل” واحدًا تلو الآخر. حاول الرجل الأنيق الهرب، لكن والدي، رغم ضعفه، ألقى بجسده عليه ومنعه حتى أطبقت الشرطة القيود على معصميه.
بعد مرور شهر..
كانت شمس الرياض تشرق على حياة جديدة. انتهت أسطورة “مازن السالم” و”مجلس الظل” خلف قضبان السجون، بعد أن كشف الأرشيف الحديدي الذي استخرجته الشرطة من قبو “دار النور” كل أسماء الأطفال المختطفين وعمليات التزوير وال. التي تمت للتغطية على الجرائم.
كنتُ أجلس في حديقة المستشفى بجانب والدي الذي بدأ يستعيد عافيته. أخبرني كيف أنه في ليلة الحــ,,ـــــريق، حاول إنقاذنا، لكن مازن والآخرين ضــ,,ـــــربوه وحبسوه في ذلك القبو المهيأ تحت الأرض، وأخبروه أنني متُّ، ليعيش عشرين عاماً في يأس مطبق، يقتات على فتات يرمونه له ليظل حياً كـ “تأمين” ضد بعضهم البعض.
أما المرأة التي ربتني (التي ماتت قبل أسبوع)، فقد تركت لي رسالة أخيرة اعترفت فيها بأنها كانت ممرضة في الدار، هربت بي لإنقاذي من المــ,,ـــــوت، لكنها كانت أضعف من أن تواجه مازن، فوافقت على تمثيل دور الزوجة والأم لتظل قريبة مني وتحميني من بطشه.
نظرتُ إلى السلسلة الذهبية التي كانت الآن تحيط بعنقي مجددًا. لم تعد رمزًا للغموض، بل أصبحت رمزًا للعدالة.
قالت سارة وهي تقترب منا وتحمل قهوتنا الصباحية:
— “الصحافة لا تتوقف عن الاتصال.. يريدون قصة (الطفلة الناجية).”
ابتسمتُ ونظرتُ إلى والدي، ثم إلى السماء الصافية وقلت:
— “القصة لم تعد قصة الطفلة الناجية.. القصة هي عن الحقيقة التي لا تحــ,,ـــــرقها النيران، والظلــ,,ـــــم الذي مهما طال ليله، لا بد من فجر ينهيه.”
لمستُ الندبة أسفل عنقي للمرة الأخيرة.. لم تعد تؤلمني. أصبحت الآن مجرد ذكرى لمعركة ربحتها، ولحياة جديدة بدأت باسمي الحقيقي: **”نور”**.
**تمت.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *