حكايات زهره الربيع ٢
أحلام مسكت إيدي برعشة، وصوت أنفاسها المكتومة كان طالع بصعوبة. قربت ودنها من وشي وقالت بهمس يقطع القلب: “عبير.. الراجل ده بينقل البنات للمزارع البعيدة على الحدود.. أنا قعدت سنين محبوسة في البيت المهجور ورا الترعة، وكل ما يحاولوا يبيعوني لحد كان يهرب منهم أو يرجعني عشان مريضة.. بس النهاردة أمي قبضت التمن كاملاً، مش هيسيبونا نعيش.”
نار غضب غريبة ولعت جوايا، الخوف اللي كان مشلّلني تحول لشرر في عيني. اتعدلت في عدلتي وضغطت بجسمي على شباك العربية القديم. الزجاج كان مكسور منه حتة صغيرة ومغطى ببلاستيك مقوى. بدأت أحك الشريط اللاصق اللي على بؤي في حافة حديد الشباك البارزة بلهفة وجنون، لحد ما اللزقة اترخت وشيلتها.
بصيت لأحلام وقلت بصوت حاد متهدج: “مش هنمشي من هنا يا أحلام.. أبوي مات مظلوم وأمي بعتنا للناس دول، بس أنا مش هموت في العربية دي!”
سحبت رجلي المربوطة وبدأت أفرك الرباط القماش في نفس الحافة الحديدية. في الوقت ده، كان الراجل الغليظ وافي برة بيتكلم في التليفون وظهره للعربية، وصوته عالي: “جاهزين يا معلم.. معايا البتين، الكبيرة اللي بقالها سنين معطلانا والصغيرة العروسة الجديدة.. نص ساعة ونكون على الطريق.”
وفجأة، وأنا بقطع الرباط، سمعت صوت خطوات خفيفة وسريعة جاية من بين شوك الزراعات ورا العربية. النور الضئيل بتاع المولد كان عكس خيال شخص يقرب بحذر.
صوت فاجأنا كلنا من برة، صوت محمود خطيبي!
محمود كان جايب التليفون على ودنه، وصوته بيرتعش من القلق وهو بيكلم حد: “يا عمي أنا مشيت ورا خالتي صفية من أول المولد.. دخلت الزقاق ده وما خرجتش منه، والبت عبير مش باينة!”
أحلام بصتلي برعب وقالت: “ده محمود؟ لو شافوه هيأذوه يا عبير!”
قبل ما محمود ياخد باله، الراجل الغليظ قفل التليفون وسحب عصا غليظة من جنبه، والراجل التاني خرج من الضلمة من ورا الشجرة ورفع خشبة تقيلة وطلعوا يجري باتجاه محمود من ظهره!
جمعت كل قوتي وضربت زجاج العربية بكتفي بكل حيل، الزجاج اتكسر، وصرخت بأعلى صوت عندي هز المكان: “لحقوووونا يا محمود! احذر يا محمود ورااااك!”
صرختي شقت سكون الليل، محمود اتلفت بسرعة قبل ما الخشبة تنزل على دماغه، وبحركة سريعة تفادى الضربة واتكعبل ورجع لورا وهو بصدمة وذهول: “عبير؟! أحلام?!”