ابن اخويا

ابن أخويا كان بيزورني كل يوم بعد المدرسة ويطلب مني سندوتش جبنة بس لكن يوم ما حطيتله طبق فراخ كامل، قعد يعيط وسألني هو لازم أرجعه كله لو ما خلصتوش؟
اسمي شريف.
وعايش لوحدي في شقتي بعد ما مراتي اټوفت من 4 سنين.
أخويا الكبير سامح ساكن في نفس المنطقة.
وابنه ياسين عنده 8 سنين.
من حوالي سنة، الولد بقى يجيلي كل يوم تقريبًا بعد المدرسة.
يخبط الباب الساعة 3 بالظبط.
يدخل بهدوء.
يحط شنطته جنب الكنبة.
ويقولي نفس الجملة
ممكن سندوتش جبنة يا عمو؟
بس كده.
ولا يطلب عصير.
ولا شيبسي.
ولا أي حاجة زيادة.
في الأول افتكرت إنه طفل بسيط.
لكن بعد فترة بدأت آخد بالي من حاجات غريبة.
كان بيستأذن قبل ما يشرب مية.
ويستأذن قبل ما يفتح التلاجة.
وحتى لو وقع منه قلم كان يعتذر كأنه كسر عربية.
وفي يوم سألته
إنت بتحب الفراخ المشوية؟
بص للأرض وقال
معرفش.
استغربت.
قلت
إزاي متعرفش؟
رد بسرعة
مباكلهاش كتير.
الموضوع فضل شاغلني.
لحد يوم جمعة كنت عامل فراخ ورز وسلطة.
ولما جه ياسين قولت أجرب.
حطيت قدامه طبق محترم.
ريحة الأكل كانت مالية البيت.
لكن أول ما شاف الطبق
وشه اتغير.
وعينه اتمليت دموع.
وسألني بصوت مرتعش
هو لازم أرجعه كله لو ما خلصتوش؟
اتجمدت مكاني.
قلت
ترجعه لمين؟
بلع ريقه.
وبص ناحية الباب.
وقال
لبابا.
حسيت إن قلبي وقع.
قلت بهدوء
يعني إيه؟
قال
لو فضلت أكل في الطبق بيقول إني مبقدرش النعمة.
سكت شوية.
وبعدين كمل
وبيخليني أكله بارد تاني يوم.
ماعرفتش أرد.
فضلت باصصله بس.
وبعدين سألته
إنت جعان يا ياسين؟
هز راسه.
هزة صغيرة جدًا.
وقال
أنا دايمًا جعان.
الجملة نزلت عليا زي الطوبة.
قولتله
كل براحتك.
أول ما سمع الكلمة
مسك الشوكة بسرعة.
وبدأ ياكل بشكل خوفني.
كأنه حد هييجي ياخد الطبق منه.
كان بيبلع الأكل من غير ما يمضغه كويس.
وكل شوية يبص عليا.
كأنه مستني أزعقله.
بعد ما خلص الطبق كله
بصلي وسأل
مفيش عقاپ؟
حسيت إني مش قادر أتنفس.
قلت
عقاپ على إيه؟
قال
عشان أكلت كتير.
في الليلة دي قررت أكلم أخويا.
لكن تليفونه كان مقفول.
فروحت أجيب لهدوم ياسين من الشنطة عشان يبات عندي.
لقيت حاجة غريبة.
كراسة صغيرة مستخبية تحت الكتب.
فتحتها.
لقيت صفحات كاملة.
كل صفحة فيها تاريخ.
وجنب كل تاريخ كلمة.
جوع.
عقاپ.
من غير عشا.
حبس.
وفي آخر صفحة
كان فيه رسم لولد صغير واقف ورا باب مقفول.
وفوق الرسم مكتوب بقلم رصاص
لما أكبر هخرج.
إيدي بدأت تترعش.
وفي اللحظة دي
سمعت إشعار رسالة على موبايل ياسين.
الموبايل كان قديم ومكسور الشاشة.
لكن الرسالة ظهرت قدامي.
وكانت من رقم محفوظ باسم
بابا
فتحتها بالغلط وأنا بحاول أقفل الإشعار.
ولقيت جملة واحدة بس.
جملة خلت الډم يتجمد في عروقي
لو قلت لعمك أي حاجة النهارده أوعى ترجع البيت
قفلت الرسالة بسرعة كأنها ڼار ماسكة في إيدي.
بس الجملة كانت اتطبعت جوّا دماغي مش على الشاشة.
لو قلت لعمك أي حاجة النهارده أوعى ترجع البيت
بصّيت على ياسين كان قاعد على الكنبة، حضنه مضموم، وبيحاول يخبّي نفسه في جسمه الصغير كأنه لسه خاېف حتى بعد ما شبع.
سألته بهدوء مصطنع
موبايلك بييجي عليه رسائل كتير كده؟
هز راسه بسرعة
مش لازم أفتحهم لو فتحته بابا بيزعل.
سكت لحظة، وبعدين كمل كأنه بيحفظ درس
وبيقولي إني بكدب لو مسكت الموبايل من غير إذنه.
حسيت إني داخل حاجة أكبر مني.
قررت ما أضغطش عليه.
قلتله
هتبات هنا النهارده.
بصلي پخوف واضح
ومش هروح؟
قلت بحسم
مش هتروح.
أول مرة أشوف في عينه حاجة شبه الراحة بس كانت راحة قصيرة، كأنها ممنوعة عليه.
بعد ما نام على الكنبة، غطّيته كويس، وقعدت جنب الباب أفكر.
أخويا سامح لسه موبايله مقفول.
والرسالة في دماغي بتتكرر.
أوْعى ترجع البيت.
في نص الليل
سمعت خبط خفيف على الباب.
خبط مش قوي بس متردد.
قمت بهدوء، قربت من العين السحرية.
ومفيش حد.
رجعت أبعد، لكن الخبط اتكرر تاني.
نفس الإيقاع.
3 دقات توقف دقة واحدة أطول.
وقتها ياسين قام مڤزوع من النوم
هو جه؟
بصيتله
مين؟
قال بصوت مبحوح
بابا بيعمل كده لما يكون واقف برا.
قلبي اتقبض.
الخبط وقف فجأة.
سكون كامل.
وبعدين
لقيت ورقة صغيرة متزقة تحت الباب.
مشيت ناحيتها، وفتحتها

موقع أيام نيوز

بإيدي ببطء.
مكتوب فيها بخط واضح
متفكرش إنك فاهم القصة يا شريف.
اتجمدت.
ياسين ورايا بيترعش
هو عرف إني هنا
وفي اللحظة دي
التلفزيون اللي كان مطفي في الصالة
اشتغل لوحده.
على صوت تشويش.
وشاشة سودا.
وبعدين ظهرت جملة واحدة
رجّعلي ابني.
وإلى هنا الصوت انقطع وقفت قدّام شاشة التلفزيون كأنها بتبصلي مش أنا اللي ببصلها.
رجّعلي ابني.
الجملة اتكتبت وبعدين الشاشة رجعت سواد كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن الحقيقة إن كل حاجة حصلت جوا دماغي أنا.
بصيت لياسين كان ماسك في طرف الكنبة بإيديه الاتنين، ووشه أصفر.
قلت له بهدوء
متخافش مفيش حد هنا.
بس صوتي ماكانش مقنع حتى ليا.
رجعت ناحية الباب الورقة لسه في إيدي.
فتحتها تاني.
نفس الخط.
بس المرة دي في سطر صغير تحت الجملة
هو مش زي ما فاكر.
بلعت ريقي.
وفي اللحظة دي لمبة الصالة بدأت ترمش.
مرة اتنين وبعدين ثبتت على نور ضعيف جدًا.
كأن البيت كله بيحبس نفسه.
ياسين فجأة قال بصوت واطي
هو لما بييجي ما بيخبطش كتير.
سألته
بيعمل إيه؟
قال وهو بيبص في الأرض
بيقعد برّه الباب ويقول اسمي.
سكت.
وبعدين كمل
ولو مردتش بيقول إن أنا كده باختار العقاپ.
في نفس اللحظة
سمعنا صوت خفيف جدًا من برا.
مش خبط.
صوت حد بيتمشى قدام الباب.
خطوة توقف خطوة توقف.
زي حد عارف إننا سامعينه.
قربت من العين السحرية ببطء شديد.
وبصيت.
ومفيش حد.
بس الأرض قدام الباب
كان عليها حاجة جديدة.
طبق بلاستيك صغير.
نفس نوع اللي بيتحط فيه أكل أطفال المدرسة.
ومغطي بطبق تاني مقلوب عليه.
نزلت بهدوء، وفتحت الباب سنتي واحد بس ومديت إيدي أخدت الطبق بسرعة.
قفلت فورًا.
قلبي كان بيخبط.
حطيت الطبق على الترابيزة.
رفعته.
كان جواه
نص ساندوتش جبنة.
بارد.
نفس النوع اللي ياسين كان بيطلبه كل يوم.
بس متاكلش منه.
وفوقه ورقة صغيرة مكتوب عليها
هو مش بيقول الحقيقة كاملة.
ياسين فجأة صړخ
ما تفتحش!
بس كان متأخر.
البيت كله نورُه فصل.
مرة واحدة.
سواد تام.
وفي الظلام
سمعنا صوت حركة جوا الشقة.
مش برا.
جوا.
صوت حد بيقرب من الصالة ببطء شديد
وخفة طفل بيحاول ما يوقعش حاجة.
ياسين همس
هو دخل
وفجأة
صوت نفس واحد اتسمع قريب جدًا من ودني أنا.
وقال بصوت هادي جدًا
أنا مش جاي آخده
سكت لحظة.
وبعدين كمل
أنا جاي أرجّعه زي ما كان.
وفي اللحظة دي
اتفتح نور الفلاش في الموبايل لوحده من غير ما ألمسه نور الفلاش كان ثابت على السقف مش على الأرض.
كأنه مش بيحاول ينورنا إحنا كأنه بيحاول يفضح حاجة فوقنا.
رفعت عيني ڠصب عني.
السقف كان عادي.
بس الصوت اللي سمعته تاني خلاني أرجع أنزل بصري بسرعة.
أنا مش جاي أخوفكم
نفس الصوت قريب جدًا هادي لدرجة مزعجة.
ياسين كان ماسك في هدومي بقوة، لدرجة إن صوابعه بتوجعني.
همس
هو بيحب يقعد في الضلمة عشان كده بيطفي النور.
سألته بسرعة
تقصد مين؟
قبل ما يرد
سمعنا صوت كوباية بتتحرك على الترابيزة.
ببطء.
كأن حد بيحطها مكانها تاني بعد ما شالها.
بس مفيش حد قدام الترابيزة.
مديت إيدي للمفاتيح وولعت النور بسرعة.
كل حاجة رجعت طبيعية.
الصالة فاضية.
الكرسي في مكانه.
الطبق على الترابيزة.
حتى الورقة كانت ثابتة.
لكن
الساندوتش اللي كان نصه في الطبق
اختفى.
بصيت لياسين.
كان بيهز راسه
هو أخده.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت جلدي يقشعر
هو لما بيزعل بياخد الأكل الأول.
قعدت على الكرسي ڠصب عني.
حاولت أربط الكلام.
أخويا الموبايل الټهديد الطفل الرسائل
وفي وسط التفكير
سمعت صوت باب الشقة من برا.
مش خبط.
مفتاح بيتحط في القفل.
اتلف.
اتفتح.
وقبل ما أتحرك
ياسين جري ناحية باب الأوضة الصغيرة اللي في الصالة وقفله من جوه بسرعة.
وبصلي من ورا الباب وهو بيرتعش
لو هو دخل قوله إني نايم.
وقتها بس فهمت حاجة خطېرة
الطفل مش خاېف مني أنا.
الطفل خاېف إن هو يعرف إني شفته.
المفتاح اتسحب ببطء من بره.
والباب اتفتح فعلاً.
بس اللي دخل
ماكانش شخص كامل.
كان ظل طويل واقف عند المدخل.
مش واضح.
بس أول حاجة عملها
إنه وقف ساكت.
كأنه بيدور علينا بإيده مش بعينه.
وبعدين قال بهدوء شديد
شريف أنا عارف إنك فتحت الرسالة.
قفلت إيدي على مسند الكرسي.
والصوت كمل
بس أنت

شفت نص الحقيقة بس.
سكت لحظة قصيرة جدًا.
وبعدين قال
ابني ما هربش ابني اتبدّل.
وفي نفس اللحظة
صوت ياسين جاي من ورا الباب
متصدقوش هو بيقول كده عشان يخليك تسيبني.
والصمت وقع تاني
لكن المرة دي كان صمت تقيل.
كأن البيت كله بيستنى مين فينا هيقول الجملة اللي هتغيّر كل حاجةالظل عند المدخل ما اتحركش.
بس إحساسه كان بيقرب كأن المكان نفسه بيضغط علينا.
ابني ما هربش ابني اتبدّل.
الجملة كانت ماشية في البيت زي صدع في الحيطة.
ياسين ورا الباب صوته اتكتم
متصدقوش لو صدقته هيرجعني تاني
رجّعني؟
الكلمة علقت في دماغي.
بصيت ناحية المدخل تاني الظل بدأ ياخد شكل أوضح شوية مع إضاءة الشارع اللي داخلة من الشباك.
بس اللي ظهر ماكانش راجل واضح المعالم.
كان واقف بثبات غريب كأنه مش متعود يقف جوه بيت، متعود يقف برا الباب بس.
رفع إيده ناحية الصالة وقال بهدوء
أنا ما أذيتوش.
سكت لحظة.
وبعدين كمل
أنا بس كنت بحميه من اللي كان بيعمله.
قلبي دق أسرع.
قلت بصوت منخفض
بتحميه من إيه؟
الظل ما ردش فورًا.
بدل ما يجاوب لف راسه ناحية الباب اللي وراه ياسين.
كأن عارف مكانه بالظبط.
وقال
من البيت اللي مش بيتفتح عليه غير بالأكل والعقاپ.
ياسين فجأة صړخ
بكذب!
الصوت كان فيه خوف أكتر من الڠضب.
وفجأة
حصل حاجة غريبة.
باب أوضة ياسين اتفتح من نفسه.
ببطء شديد.
وظهر وشه عيونه مليانة دموع.
وقاللي
هو بيخلي الناس تصدقه عشان محدش يفتكر الحقيقة.
سكت.
وبص ناحية الظل.
أنت مش بابا بابا ما بيعملش كده.
الظل اتحرك خطوة لقدام.
أول مرة يتحرك فعليًا داخل الشقة.
وقال بصوت أقل هدوءًا من الأول
مين قالك إن اللي بيربيك هو باباك الحقيقي؟
الصمت وقع.
حتى النفس في البيت وقف.
ياسين رجع خطوة لورا.
أنا وقفت مكاني مش قادر أتحرك.
الظل رفع إيده ناحية المطبخ.
وفجأة
كل الأدراج اتفتحت مرة واحدة.
وسمعت صوت ورق بيتقلب پعنف.
زي حد بيدوّر على حاجة كان مخبيها.
وبعدين قال
فيه ورق في البيت ده لو اتقري هتفهم كل حاجة.
بصلي مباشرة رغم إن مفيش ملامح واضحة.
وإنت الوحيد اللي المفروض تقراه يا شريف.
وفي اللحظة دي
نور الشقة كله بدأ يترعش تاني.
لكن قبل ما ينقطع
سمعت صوت باب الشقة بيتقفل من برا.
وبهدوء شديد
المفتاح اتدار تاني في القفل.
كأن في حد تاني دخل وقرر يقفل علينا إحنا والسر جوه صوت المفتاح وهو بيلف في القفل كان أهدى من اللازم أهدى لدرجة تخوف.
كأن اللي برّه مش بيستعجل كأنه متأكد إننا خلاص جوّه.
كليك.
الباب اتقفل.
الصمت اللي بعده كان تقيل بشكل غير طبيعي، كأن البيت نفسه اتقفلت عليه النفس.
ياسين بصلي من ورا الباب المفتوح نص فتحة
هو مش لوحده بييجي ومعاه ناس أوقات.
سألته بسرعة
ناس مين؟
هز راسه
مش ناس بس بيقولوا إنهم من البيت القديم.
الظل في الصالة ما اتحركش.
بس أول مرة أحس إن وجوده بقى أوضح مش شكل، إحساس.
زي ضغط على الهواء.
وفجأة
كل الأدراج اللي كانت مفتوحة في المطبخ اتقفلت مرة واحدة بنفس الصوت.
دَخ.
كأن حد أنهى بحثه.
وبعدين
الظل قال بهدوء
لقيناها.
قلبي وقع.
لقينا إيه؟
ما ردش.
بدل الرد، لف ناحية الأوضة اللي فيها ياسين.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت تكسير خفيف من جوه الأوضة.
زي ورق بيتقطع.
ياسين صړخ
ما تسيبوش يدخل!
أنا جريت ناحية الباب.
مسكته من برا.
لكن الباب كان بيتسحب من جوا.
مش بيفتح بيتسحب.
كأن حد جوا بيحاول يجره ناحية ناحية تانية.
وفجأة
في خرم صغير في الباب ظهر ضوء.
مش نور عادي.
نور أصفر قديم زي لمبة في مكان تاني مش في شقتنا.
وسمعت صوت طفل تاني.
مش صوت ياسين.
صوت مختلف تمامًا.
سيبه يطلع هو كده كده مش مكاني.
اتجمدت.
بصيت للظل في الصالة.
لقيته واقف ساكت لأول مرة كأنه متفاجئ.
وقال بصوت أخف
لا ده المفروض يكون جوّه مش هنا.
في اللحظة دي
البيت كله اهتز اهتزازة خفيفة.
مش زلزال.
زي باب ضخم اتفتح في مكان بعيد.
والباب اللي قدامي بدأ يلمع من جوه أكتر.
وياسين

صوته اتغير فجأة من ورا الباب
بقى هادي جدًا غريب كأنه مش هو
شريف متفتحش
سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا لو خرجت هو هيرجع مكانه الحقيقي.
وساعتها بس
فهمت إن الموضوع ماكانش عن طفل محتاج أكل
كان عن طفل واحد اتقسم بين بيتين وبيحاول كل طرف يرجّعه لنفسه الهواء في الشقة بقى تقيل كأنه مش بيتنفس، كأنه بيتسحب من الحيطان نفسها.
صوت ياسين من ورا الباب الرفيع كان أهدى من الطبيعي وده كان أخطر من الصړيخ.
متفتحش
الكلمة كانت مش أمر كانت تحذير من مكان بعيد، مش من طفل واقف ورا باب.
الظل في الصالة اتحرك لأول مرة بخطوة سريعة.
مش نحية الباب نحية المطبخ.
بصيت وراه.
الدرج اللي قال لقيناها كان مفتوح تاني لوحده.
وجواه الكراسة الصغيرة اللي شفتها قبل كده.
بس المرة دي كانت متحركة.
صفحاتها بتتقلب بسرعة، كأن حد بيقلبها بإيد مش مرئية.
وبعدين وقفت عند صفحة واحدة.
وفي نفس اللحظة
صوت ياسين اتغير تاني.
بقى واضح بس مش طفولي.
شريف اقفل الدرج.
اتجمدت.
من ورا الباب سمعت صوتين متداخلين كأن في اتنين بيتكلموا بنفس الفم
اقفله ما تقفلوش
بصيت ناحية الظل.
قال بصوت أخفض
لو الصفحة دي اتقرت الاتنين هيتفصلوا فعلاً.
هيتفصلوا إزاي؟
ما ردش.
بس لأول مرة رفع إيده ناحية الكراسة كأنه بېخاف يلمسها.
وفجأة
صفحة الكراسة اتفتحت لوحدها على صورة.
مش رسم عادي.
كانت نفس الأوضة اللي ياسين فيها بس في الصورة كان فيه طفل واحد بس نايم.
والباب مقفول عليه من بره بسلسلة ضخمة.
وتحت الرسم مكتوب بخط صغير
اللي خرج الأول ما بيرجعش.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت معدن بيتجر على الأرض.
تِك تِك تِك
من ورا باب ياسين.
كأن السلسلة اللي في الصورة بدأت تظهر في الواقع.
والظل قال بصوت لأول مرة فيه توتر واضح
هو بدأ يفتحها لوحده
وفجأة
نور الشقة كله ضړب مرة واحدة.
وبعدين اختفى.
وفي الظلام الكامل
سمعنا صوت الباب بيتفتح سنتي سنتي من الداخل.
وصوت ياسين أو الصوت التاني قال بهدوء مرعب
أنا اخترت أخرجالهدوء اللي بعد الجملة كان أسوأ من أي صړيخ.
أنا اخترت أخرج
الصوت ماكانش جاي من ورا الباب بس كان كأنه جاي من جوّه البيت كله، من الحيطان، من الأرض، من الهوا نفسه.
في الظلام، حسّيت إن في حاجة اتفكت فعلاً.
زي عقدة كانت ماسكة الشقة واتحلّت فجأة.
الظل اتحرك بسرعة ناحيتي.
أول مرة أشوفه بيركض فعلًا.
مسك دراعي وقال بصوت منخفض لكن حاد
لو الباب اتفتح بالكامل مفيش فرق هيبقى بين الاتنين.
اتنين مين؟
ما ردش.
بس عينه كانت رايحة ناحية باب أوضة ياسين اللي كان بيتفتح سنتي بسنتي من جوّه.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت خطوات.
مش خطوة طفل.
خطوتين تقيلين ثابتين.
واحد داخل من الباب الرئيسي اللي اتقفل.
والتاني من نفس أوضة ياسين.
الاتنين بيقربوا في نفس الوقت.
البيت كأنه بقى له مدخلين لنفس اللحظة.
وفجأة
لمعة خفيفة طلعت من تحت باب الأوضة.
مش نور كهربا.
نور أصفر قديم زي اللي شفناه قبل كده.
وبدأ يرسم ظلين على الأرض.
ظل صغير وظل أطول منه بشوية.
الاتنين واقفين جوه الأوضة.
لكن الغريب
إن باب الأوضة كان لسه بيتفتح ببطء.
يبقى اللي جوه مش مربوط بالباب.
يبقى اللي جوه خرج فعلاً.
الظل اللي جنبي همس
ده حصل.
سألته وأنا صوتي بيتهز
إيه اللي حصل؟
قال
اللي كان جوه اتقسم وبقى كامل برّه.
وفجأة
صوت ياسين الحقيقي جاني من قريب جدًا من وراي مباشرة
شريف
لفيت بسرعة.
ومفيش حد.
بس على الأرض
كان فيه شنطة المدرسة بتاعته مفتوحة.
وجواها
نفس الكراسة.
بس المرة دي فاضية.
لا رسومات.
لا كلمات.
صفحات بيضا تمامًا.
وكأن كل اللي كان مكتوب اتنقل لمكان تاني.
وفي نفس اللحظة
سمعنا الباب الرئيسي بيتقفل ببطء من نفسه.
تِك.
وبعدين
صوت واحد بس من الصالة.
هادئ جدًا.
قال
دلوقتي أنا بقيت برا وبجوا في نفس الوقت.
والنور رجع مرة واحدة.
وبصيت قدامي
لقيت ياسين واقف.
بس مش لوحده.
واقف جنبه نفس ملامحه بالظبط.
واحد بيبصلي پخوف.
والتاني بيبصلي بهدوء مريب.
والاتنين قالوا في نفس اللحظة
مين فينا اللي المفروض يرجع

البيت؟سؤالهم اتقال في نفس اللحظة لكن الصوتين ماكانوش زي بعض حتى لو الكلمات واحدة.
واحد فيهم كان بيترعش.
والتاني كان ثابت زيادة عن الطبيعي.
أنا رجعت خطوة لورا ڠصب عني.
والظل اللي كان معايا اختفى كأنه انسحب جوّه الجدران أول ما المشهد اكتمل.
البيت كله بقى ساكت بشكل غير منطقي.
حتى صوت الشارع برا اختفى.
كأن العالم قرر يسمع السؤال ده بس.
مين فينا اللي المفروض يرجع البيت؟
الاتنين كانوا واقفين قدامي.
نفس الطول.
نفس اللبس.
نفس العيون.
بس في حاجة واحدة مختلفة صغيرة جدًا لكنها مرعبة
واحد فيهم كان بيبص في عيني مباشرة.
والتاني كان بيبص ناحيتي كأنه مستني إذن.
سألت بصوت واطي
إنتوا مين؟
اللي على اليمين رد بسرعة
أنا ياسين.
لكن اللي على الشمال ابتسم.
ابتسامة مش لطفل.
وقال بهدوء
ولو أنا قلت نفس الكلام؟
سكت.
وفي اللحظة دي
الكراسة اللي فاضية في الشنطة بدأت تتقلب لوحدها تاني.
صفحة واحدة اتكتبت فيها كلمة واحدة بس
اختيار.
وبعدين الصفحة اتقطعت من نفسها وسقطت على الأرض.
والورقة وهي بتقع
كتبت كلمة تانية تحتها كأنها بتظهر مع اللمس
لو اخترت الغلط هيرجع اللي كان محپوس مكانه.
الاتنين خطوا خطوة ناحيتي في نفس الوقت.
لكن واحد بس وقف قبل ما يوصل.
والتاني كمل.
وبهدوء شديد قال
لو فتحت الباب دلوقتي هتفتكر أنا مين.
وفي نفس اللحظة
سمعت خبطه خفيفة جدًا من جوه الحيطة ورايا.
نفس الخبط اللي بدأ كل حاجة من الأول.
بس المرة دي
كان بيجاوب الخَبطة في الحيطة ماكانتش صوت كانت كأنها إجابة فعلاً.
مرة واحدة بس.
لكنها قلبت كل اللي قدامي.
الاتنين ياسين وقفوا مكانهم.
واحد فيهم بص ناحية الحيطة كأنه سمع نفس اللي سمعته.
والتاني فضل باصصلي أنا بإصرار مخيف.
هو بيرد عليك قالها اللي على الشمال بهدوء.
اللي على اليمين هز راسه بسرعة
لا دي علامة إنه لسه موجود.
موجود مين؟ سألت وأنا صوتي بيطلع بالعافية.
ماحدش رد.
بدل الإجابة الحيطة اللي ورايا بدأت تسخن.
حسّيت بحرارة خفيفة زي نفس بيتحرك من جواها.
وبعدين بدأت تتكتب.
مش طلاء، ولا قلم.
كأن الحيطة نفسها بتكتب.
حروف طالعة ببطء
ما تختارش بسرعة.
وقفت مكاني.
الاتنين ياسين في نفس اللحظة قالوا
هو مش عايزك تفهم هو عايزك تغلط.
وفجأة
الضوء رجع مرة واحدة أقوى من الأول.
لكن أول ما النور استقر
لقيت حاجة مختلفة.
واحد بس فيهم كان موجود.
التاني اختفى.
سكت البيت كله تاني.
والطفل اللي قدامي كان واقف لوحده.
نفس الملامح.
نفس اللبس.
بس عينه كانت مليانة دموع.
همس
هو خدني تاني
قبل ما أتكلم
سمعت صوت باب الشقة بيتفتح ببطء شديد من تاني.
والصوت اللي جاي من الصالة قال بهدوء
دلوقتي القرار بقى أسهل.
دخل نفس الظل الأول.
لكن المرة دي كان أوضح.
وأقرب.
وقال وهو بيبص لياسين اللي واقف لوحده
شفت؟ لما بتتأخر بيختاروا عنك.
ثم لف ناحيتي.
اختار قبل ما يرجع يتقسم تاني.
وفي اللحظة دي
الطفل اللي قدامي بصلي وقال بصوت مكسور
لو اخترتني هتفتح الباب ولو ما اخترتنيش أنا هفضل جوه لوحدي للأبد.
الظل قرب خطوة.
والبيت كله حسّيت إنه بيحبس نفسه.
والمفتاح الحقيقي دلوقتي
كان في كلمة واحدة لازم تتقال قبل ما كل حاجة تقفل أو تتفتح للأبد الصمت بقى أسمك من أي صوت.
كأن البيت نفسه بيضغط عليا عشان أقول الكلمة اللي هتحدد النهاية.
الطفل قدامي بيرتعش والظل وراه واقف ثابت كأنه متأكد إني هغلط في الاختيار.
اختار قبل ما يرجع يتقسم تاني.
الجملة كانت بتتكرر جوا دماغي زي كسر في زجاج.
بصيت للطفل.
بصيت للظل.
والاتنين كانوا بيستنوا نفس اللحظة لحظة كلمة واحدة.
سألت بصوت مبحوح
لو اخترت هاعرف الحقيقة؟
الظل ابتسم.
هتعرف اللي يريحك مش الحقيقة كلها.
الطفل همس بسرعة
متسمعش له هو بيخلي الناس تختار اللي يخدمه هو.
في اللحظة دي
الحيطة اللي ورايا رجعت تخبط.
مرة واحدة أقوى من أي مرة فاتت.
لكن المرة دي مافيش رد.
المرة دي كان فيه حاجة بتطلع.
صوت زي سحب حاجة تقيلة من جوا الجدار.
والنور بدأ يضعف تاني.
الطفل صړخ فجأة
هو رجع!
والظل رفع

إيده ناحية الباب وقال بهدوء
آخر فرصة يا شريف.
وقتها
لأول مرة لاحظت حاجة غريبة.
الطفل كان واقف حافي.
بس على الأرض تحته
كان فيه ظل صغير تاني مش تبعه.
ظل متأخر عنه نص ثانية.
يعني حتى هو
مش كامل.
كل حاجة كانت بتتكسر لقدامي.
وبهدوء شديد قلت
أنا مش هختار واحد فيكم.
البيت كله سكت.
حتى الظل اتجمد.
الطفل فتح عينه پصدمة.
يعني إيه؟
وقبل ما أرد
الحيطة اتفتحت فجأة.
مش باب.
فتحة سودا كأنها جوه البيت مش برا.
وصوت عميق طلع منها لأول مرة
كويس كده رجعنا لنقطة البداية.
والنور انطفى تمامًا.
وفي الظلام
حسّيت بإيد بتسحبني من إيدي.
بس الإيد دي
ماكانتش طفل.
ولا ظل.
كانت حاجة تالتة مستنيا الاختيار من الأول الإيد اللي ماسكاني ماكانتش باردة ولا دافئة كانت فاضية من أي إحساس.
زي إنك تمسك فراغ بس الفراغ بيرد عليك.
حاولت أسحب إيدي، لكن القبضة زادت بدل ما تسيبني.
الصوت اللي طالع من الفتحة السودة في الحيطة اتكرر تاني، أعمق من الأول
مش لازم تختار إحنا اللي بنختار لك.
في اللحظة دي
سمعت الطفل ېصرخ
ابعد عنه!
وبعدها صوت خبط خفيف زي حد اتزق في الأرض.
بصيت ناحيته بسرعة.
ما شفتوش كويس، بس شفت ظله بيقع ويتسحب ناحية الفتحة.
والظل اللي كان واقف معايا ابتسم لأول مرة بوضوح وقال
اتقسم خلاص.
قلبي وقع.
تقصد إيه؟
ما ردش.
بدل الرد الفتحة السودة بدأت تكبر.
الجدار نفسه بيتشقق وبيتفتح كأنه باب مش مبني عليه.
وصوت جواها قال بهدوء
كل مرة بتختار فيها بتسيب جزء من الحقيقة برا.
وفي اللحظة دي
افتكرت الكراسة.
افتكرت جوع عقاپ حبس حب.
افتكرت إن مفيش صفحة كاملة كانت بتقول الحقيقة.
كلها كانت أجزاء.
كلها كانت قطع.
والآن
البيت نفسه بدأ يتصرف كأنه بيجمع القطع دي.
الطفل رجع صوته من جوه الفتحة، ضعيف جدًا
شريف متصدقش إنك لازم تختار هو ده الفخ.
بس صوته كان بيتسحب تاني جوه.
الظل قرب من وشي وهمس
آخر حاجة هتختارها دلوقتي هتحدد مين فينا هيكمل موجود.
ضغط الإيد اللي ماسكاني زاد فجأة.
وبدأت أشوف حاجة غريبة
الطفل قدامي بدأ يتكرر.
مش يختفي يتكرر.
نسخة صغيرة منه ظهرت جنبه.
وبعدين نسخة تانية.
وبعدين تالتة.
كأن كل اختيار غلط قبل كده بيطلع دلوقتي قدامي كواقع.
والصوت من الحيطة قال
اختار مين فيهم يفضل قبل ما كلهم يفضلوا.
وفي اللحظة دي
فهمت إن مفيش اختيار بين طفل وظل.
في اختيار واحد بس بين الحقيقة اللي بتتجزأ أو الباب اللي لو اتفتح مش هيقفل تاني أبدًا الفتحة السودة في الحيطة كانت بتتنفس.
نعم بتتنفس فعلاً، كأن الجدار بقى كائن حي بيشهي وبيزفر في نفس الوقت.
النسخ الكتير من الطفل قدامي وقفوا كلهم في نفس الوضع لكن مش كلهم كانوا نفسه.
في واحد بيبصلي پخوف.
واحد ساكت.
واحد عينه فيها ڠضب غريب.
وواحد كان بيبتسم.
الظل اللي ماسكني همس
هو ده اللي بنسميه التوازن بيتكسر.
سألته بصوت مخڼوق
توازن إيه؟!
قبل ما يرد
الفتحة السودة في الحيطة طلعت منها إيد تانية.
لكن المرة دي كانت بتشد مش بسني كانت بتشد المكان نفسه.
الترابيزة اتحركت سنة.
الكرسي اتسحب.
الكراسة اتفتحت لوحدها في الهوا.
والحروف بدأت تظهر فيها تاني
لما الحقيقة تتقسم لازم حاجة واحدة تفضل كاملة.
وفجأة
النسخة اللي كانت بتبتسم من الطفل خطت خطوة لقدام.
وقالت بصوت واطي جدًا
أنا مش محتاج أرجع.
وفي نفس اللحظة
النسخة اللي بتبص پخوف بدأت تختفي شوية شوية كأنها بتتسحب من جسمها.
والصوت من الحيطة قال
اختار بسرعة قبل ما النسخة اللي پتخاف تختفي تمامًا.
قفلت عيني لحظة.
مش عشان أهرب
لكن عشان أحاول أفهم.
لأن كل مرة باختار فيها حاجة
بيتولد خطأ جديد.
وكل خطأ
كان بيبقى طفل جديد واقف قدامي.
فتحت عيني.
وقلت بصوت ثابت لأول مرة
أنا مش هختار بينهم.
سكون.
مرة تانية.
الظل شد إيدي بقوة
إنت كده بتكسر النظام.
الفتحة السودة في الحيطة اتسعت فجأة لدرجة إن نص الصالة بقى بيبص لجوه.
وصوت عميق خرج منها لأول مرة فيه ڠضب واضح
يبقى هتفضل أنت جزء من التقسيم.
وفي اللحظة

دي
حسّيت جسمي بيتقسم أنا كمان.
مش ألم
لكن إحساس إنك بتتفك من نفسك بهدوء مرعب.
وآخر حاجة سمعتها
صوت الطفل الحقيقي، بعيد جدًا، پيصرخ
شريف ما تختارش اقفل الباب!
وبعدها
البيت كله سحبني ناحية الفتحة السحب كان أقوى من أي محاولة مقاومة كأن الأرض نفسها قررت إنها خلاص خلصت كلام.
لكن الغريب إنّي ماكنتش بتسحب للجوه بس كنت بتسحب في كل الاتجاهات.
يمين شمال جوا وبرا.
زي حد بيتفك من نفسه في أكتر من نسخة.
الفتحة السودة في الحيطة بقت قريبة لدرجة إنّي شفت جواها حاجة ماكنتش متوقعة.
مش ظلام بس
كان فيه بيت تاني.
نفس الشقة تقريبًا لكن مقلوبة.
الأثاث في أماكن غلط.
النور طالع من الأرض بدل السقف.
والطفل كان واقف هناك برضه.
لكن واقف كامل.
مش متقسم.
بيبصلي بهدوء كأنه مستني وصولي من زمان.
الظل اللي ماسكني همس بصوت متوتر لأول مرة
ما تبصش هناك
سألته بصعوبة وأنا بتسحب
ليه؟
قال
لأن ده المكان اللي كل النسخ بتروح له لما القرار يتكسر.
وفي اللحظة دي
النسخ اللي في الصالة بدأت تتصرف بشكل مختلف.
واحد فيهم جري ناحيتي.
واحد رجع لورا.
واحد اختفى فجأة.
والرابع فضل واقف ثابت.
لكن اللي صعّب الموقف أكتر
إن النسخة اللي كانت بتبتسم قالت بهدوء
أنا فاكر النهاية.
والفتحة زادت اتساع.
وصوت عميق خرج منها تاني
لو دخلت مش هتخرج تاني ك شريف واحد.
وفي نفس اللحظة
حسّيت حاجة غريبة جدًا.
إيدي اللي كانت ماسكاني بدأت تسيب.
مش لأنها بتفلت
لكن لأنها قررت.
والظل قال بسرعة
لو سيبتهم يتجمعوا خلاص اللعبة انتهت.
بصيت للبيت المقلوب جوا الفتحة.
ولأول مرة
حسّيت إن الطفل اللي هناك مش بيستنى إنّي أجي أنقذه.
لكن بيستنى إنّي أختاره.
والمرة دي
مش اختيار بين طفل وظل.
لكن بين إنّي أبقى واحد
أو أبقى كل النسخ اللي بدأت تتكسر من البداية الاختيار كان بيضغط عليا من كل اتجاه كأنه مش سؤال كأنه قانون بيتفرض.
تبقى واحد أو تبقى الكل.
الجملة دي ماكنتش صوت كانت إحساس بيتمد في عظامي.
إيدي اللي كانت بتسحبني بدأت تفلت فعلاً.
والسحب ناحية الفتحة السودة زاد فجأة كأن البيت نفسه قرر يخلص الموضوع.
لكن في اللحظة دي
حصل حاجة غريبة جدًا.
النسخ الأربعة اللي قدامي وقفوا في نفس الوقت.
حتى اللي كان بيجري وقف نص خطوة.
والبيت كله سكت سكون مفاجئ كأن حد فصل الكهرباء عن العالم.
وبعدين
كل نسخة بصت للتانية.
مش ليّا أنا.
لنفسها.
والنسخة اللي بتبتسم قالت بهدوء
لو فضلنا كده هنفضل نتكسر للأبد.
النسخة الخاېفة همست
أنا مش عايزة أختفي.
والنسخة الغاضبة قالت
هو اللي بيعمل فينا كده.
وفي وسطهم
النسخة الساكتة رفعت إيده وبصلي أنا لأول مرة وقالت
إنت مش لازم تختار بينا لازم تختار السبب.
سكت.
السبب؟
الظل اتجمد.
الفتحة السودة اهتزت.
وكأن الكلمة دي غلطت النظام كله.
الطفل في البيت المقلوب جوا الفتحة رفع عينه فجأة واتغيرت ملامحه لأول مرة.
مش استنى وصولي.
استنى فهمي.
وفي نفس اللحظة
سمعت صوت من الكراسة اللي على الأرض رغم إنها فاضية.
ورقة واحدة اتكتبت لوحدها
أول مرة يحصل تقسيم كان بسبب كڈبة واحدة.
قلبي وقع.
والصوت العميق من الفتحة اتغير نبرته
ما تفتحش اللي اتقفل من زمان.
لكن كان متأخر.
لأن النسخة الساكتة مدّت إيديها ناحيتي وقالت
لو عايز نرجع واحد لازم نعرف مين بدأنا.
وفجأة
البيت كله دخل في دوامة ضوء.
والصالة اختفت.
والحيطة السودة ابتلعتنا كلنا.
وآخر حاجة شوفتها
وش طفل واحد بس
بيبصلي وبيقول
أنا مش ابنك أنا ذكرتك الكلمة الأخيرة اتعلّقت في الهوا قبل ما الدنيا كلها تتقفل.
أنا مش ابنك أنا ذكرتك.
وبعدين سكون.
مش ظلام عادي.
ده إحساس إنك اتشالت من المكان والوقت معًا.
ولما رجع الإحساس تدريجيًا
لقيت نفسي واقف في نفس الشقة.
لكن مفيش ظل.
مفيش نسخ.
مفيش فتحة في الحيطة.
كل حاجة رجعت طبيعية بشكل مخيف.
حتى صوت التكييف اللي ماكنش عندي قبل كده
كان شغال.
وقفت في نص الصالة مش قادر أقرر أنا رجعت ولا لسه جوه.
وفي إيدي
الكراسة.
بس المرة دي مش فاضية.
كانت مليانة كتابة قديمة بخط

مختلف عن أي حاجة شفتها.
خط كبير شوية، متوتر، كأنه مكتوب بسرعة.
شريف لو إنت بتقرأ ده يبقى الدائرة بدأت تفتح تاني.
قلبت الصفحة بسرعة.
الطفل مش شخص ده النسخة اللي عملتها عشان أنسى.
سكت.
إيدي بردت.
وقبل ما أكمّل قراءة
سمعت خبط خفيف على الباب.
مرة واحدة.
نفس الخبط القديم.
وبعده صوت صغير جدًا من بره
ممكن سندوتش جبنة يا عمو؟
اتجمدت مكاني.
الكراسة وقعت من إيدي.
لأن الخط اللي على الصفحة الأخيرة
كان لسه بيتكتب لوحده تحت الجملة الأخيرة.
ببطء.
متفتحش الباب المرة دي هو فاكرك أكتر مما إنت فاكره.
والخبط اتكرر تاني.
بس المرة دي
مش طفل واحد.
اتنين خبطوا.
وبعدين تلاتة.
وبهدوء شديد
المقبض بدأ يتحرك المقبض اتلف ببطء مرة واحدة كأنه بيتأكد إننا خلاص وصلنا لآخر الخط.
الخبطات سكتت فجأة.
البيت كله رجع هدوء مخيف، الهدوء اللي بييجي قبل ما حاجة تقيلة تحصل.
أنا واقف مش قادر أتحرك، عيني على الباب، والكراسة على الأرض جنب رجلي بتتفتح لوحدها صفحة صفحة كأنها بتتنفس.
الصفحة الأخيرة بدأت تتكتب
لو الباب اتفتح مش هتقدر تقفل اللي جوّه تاني.
وفي اللحظة دي
صوتي الداخلي قاللي فجأة حاجة ماكنتش مستعد أسمعها
هو أصلًا ما اتقفلش من الأول.
المقبض اتنزل أكتر.
وفي نفس الثانية
افتكرت كل حاجة.
مش كذكريات متفرقة لكن كصورة واحدة كاملة.
ياسين الكراسة الرسائل الظل والبيت المقلوب.
وفهمت إن مفيش طفل جاي كل يوم.
كان في نسخة مني أنا كنت أنا اللي بجي كل يوم من باب ما كانش لازم يفتح.
الخبط رجع مرة واحدة أخيرة.
بس المرة دي كان من جوه صدري أنا.
والباب اتفتح.
اللي واقف على العتبة ماكانش طفل.
ولا ظل.
كان أنا بس بنسخة أصغر.
واقف وبيضحك بهدوء وقال
أخيرًا افتكرتني.
وفي نفس اللحظة
الشقة كلها ابتدت تتقفل عليا من الداخل.
مش أبواب لكن ذكريات.
كل حاجة كنت نسيتها بدأت ترجع مكانها الحقيقي.
والصوت الأخير اللي سمعته ماكانش من برا ولا من جوه
كان مني أنا
مفيش خروج غير لما تعترف إنك كنت السبب من الأول.
والنور طفى.
لكن قبل ما كل حاجة تخلص
كان فيه خبط واحد أخير
بعيد جدًا
كأنه جاي من شقة تانية أو حياة تانية مستنية حد يفتح لها الباب من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *