ابني اتصل بيا حكايات زهره 2
وقع حازم على ركبتيه قدام الباب المقفول، الكلمات بتاعة عم حسن نزلت على ودنه زي المطرقة. “أنا دبحتهالك كلها ودلقتها في الحوض.. مخلتش منها فتفوتة”. افتكر على طول الأكلة اللي كانت مدمساها ليه، وافتكر نبرة صوته وهو بيقول لها في التليفون: “بلاش تيجي يوم الجمعة”. كان فاكر إنها مجرد مكالمة عابرة هيرضي بيها مراته، ومكنش يتخيل إنها كانت رصاصة الرحمة اللي ضــ,,ـــــربها على علاقتة بأمه.
عم حسن بص له بنظرة أخيرة، ورزع الباب وسابه بطوله في الضلمة. حازم مسك تليفونه بإيد بترتعش، وحاول يتصل بنهى، لعل وعسى تسانده في المحنة دي، لكن لقى خطها بيديه “رقم غير متاح”، واضح إنها عملت له حظر بمجرد ما وصلت بيت أهلها.
نزل حازم السلم وهو بيجر رجليه، الدنيا اسودت في عينه. ركب عربيته اللي بنزينها كان خلاص بيشطب، ومبقاش عارف يروح فين. رجع على حدائق الأهرام، الشقة الفاضية الضلمة. دخل وبص على الركنة الفخمة والستائر الستان اللي نهى اختارتها بالشيء الفلاني، وحس إن كل حيطة في الشقة دي بتضحك عليه بشماتة.
عدى الليل عليه كأنه سنة، مكنش قادر يغمض عينه. وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً، تليفونه رن بصوت عالي. خطف التليفون بسرعة وهو بيتمنى يكون اسم “أمي”، لكن الشاشة كانت بتعرض رقم غريب.
رد بصوت مبحوح: “ألو؟”
جاءه صوت رجل حاد ورسمي: “استاذ حازم عبد الحميد؟ معارك أسامة النجار، من شركة ‘القمة للاستثمار العقاري’. إحنا اشترينا النص الشائع في شقة حدائق الأهرام من والدتك السيدة عايدة، ومعانا تنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري.”
حازم وقف على حيله وبدأ يزعق بهيستيرية: “بيع إيه وتنازل إيه؟ الشقة دي شقتي وأنا اللي ساكن فيها!”
الرجل رد ببرود قاتل: “يا فندم القانون واضح، إحنا شركاء معاك على الشيوع، وبما إنك متعثر في سداد الأقساط للبنك والشركة هي اللي هتدفع الباقي عشان تحمي الاستثمار بتاعها، فإحنا بعتنا لك خبير هيوصل عندك كمان ساعة عشان يعاين الشقة ويقيم تمنها، عشان نرفع دعوى فرز وتجنيب ونبيع الشقة بالكامل في المزاد العلني، إلا لو عندك كاش تشتري حصتنا وحصة البنك.”
حازم قفل السكة وهو حاسس إن روحه بتتسحب. “كاش؟” هو مبقاش حيلته تمن لتر بنزين واحد!
بعد ساعة بالتمام، جرس الباب رن. فتح حازم وهو متبهدل وعينه منفوخة من قلة النوم. لقى قدامه راجل أربعيني لابس بدلة أنيقة، ومعاه اتنين رجالة جثتهم عريضة.
الراجل دخل من غير ما يستأذن وبدأ يتجول في الشقة ويسجل ملاحظات في دفتر معاه: “التشطيب سوبر لوكس.. المساحة 180 متر.. العمارة موقعها مميز.. تمام”.
حازم وقف قدامه وبصوت مكسور قال: “أنتو هتعملوا إيه؟”
الراجل بص له من فوق لتحت وقال: “بنقيم الوضع يا استاذ حازم. قدامك بالضبط 48 ساعة، يا تجيب 450 ألف جنيه كاش تمن حصة الشركة والبنك، يا إما تستقبل أمر الطرد المؤقت لحد ما المزاد يرسى على مشتري جديد للشقة بالكامل. عن إذنك.”
خرجوا وسابوا الباب مفتوح وراهم، كأن البيت مبقاش بيته ولا ليه أي حرمة.
حازم حس إن الأبواب كلها اتقفلت في وشه، فقرر يعمل آخر حاجة ممكن ينقذ بيها نفسه. راح لمديره في الشركة اللي شغال فيها في التجمع الخامس. دخل المكتب والدموع في عينه: “أرجوك يا فندم.. أنا في مصيبة ومحتاج سلفة عاجلة بخصم من المرتب، بيتي هيتخرب وهترمي في الشارع”.
المدير بص له بأسف وهز رأسه: “حازم.. أنت موظف كفء، بس أنت عارف سياسة الشركة، السلف لا تتعدى شهرين من المرتب يعني أخرك 20 ألف جنيه، وده مش هيحل مشكلتك. وبعدين أنت جاي في وقت صعب، قسم الحسابات لسه مكلمني عن التقرير المالي اللي أنت أخرته الأسبوع اللي فات بسبب خروجاتك الكتير.. فوق لنفسك يا حازم”.
خرج حازم من الشركة وهو بيجر أذيال الخيبة. قعد في عربيتو المركونة على الرصيف، ودفــ,,ـــــن وشه بين إيديه وبكى لأول مرة بحــ,,ـــــرقة زي الأطفال. بكى على أمه اللي كان وجودها مأمن حياته من غير ما يحس، بكى على الستر اللي ضيعه بإيديه عشان يرضي طمع وِعوجان مراته.
وفجأة، جاله إشعار على التليفون. فتح الرسالة لقاها من رقم والدته!
قلبه دق بسرعة رهيبة وفتح الرسالة بلهفة وهو بيقول: “الحمد لله.. حنت عليا”.
لكن الرسالة ما كانتش كلام اعتذار ولا طيبة خاطر.. الرسالة كانت عبارة عن صورة.
الصورة كانت لـ “شيك بنكي” مقبول الدفع باسم “مؤسسة الأورمان لرعاية الأيتام”، ومكتوب فيه تمن بيع حصة الشقة بالكامل! وأمه كاتبة تحت الصورة رسالة قصيرة:
“الفلوس اللي كنت بسندك بيها ومنعت نفسي من الأكل عشان تحوشها، راحت للي يستاهلها يا حازم.. للأيتام اللي ملهومش أم تحن عليهم وتدبح لهم.. من النهاردة أنت برضه مبقاش لك أم.. شيل شيلتك وورينا هتعيش بالطول والعرض إزاي لوحدك”.
في نفس اللحظة، لقى عربية نص نقل وقفت قدام برج الياسمين في حدائق الأهرام، ونزل منها والد نهى وأخوها الكسيب، ومعاهم عمال.. وبدأوا يرفعوا عدهم عشان يدخلوا الشقة وياخدوا “عفش العروسة” بالكامل قبل ما الحكومة تحجز عليه!
حازم وهو لسه باصص في شاشة التليفون وبيرتعش، لقى تليفونه بيرن تاني.. وكان محامي شركة الاستثمار العقاري بيقول له بنبرة جامدة: “جهّز نفسك يا حازم بيه.. قوة التنفيذ جاية لك بكرا الصبح”.
وقف حازم قدام باب الشقة وعينه بتزيغ بين عمال نقل العفش اللي بيتحركوا زي النمل، وبين حماه اللي واقف على باب الشقة وسيجارته في بقه، بيبص لحازم بنظرة كلها احتقار وخسة.
“بتعملوا إيه هنا؟” حازم نطق الكلمتين دول وهو حاسس إن حنجرته ناشفة كأنها صحراء.
أبو نهى نفخ الدخان في وش حازم وقال ببرود: “بنلم حاجة بنتي يا حازم بيه. بنتي مش هتقعد في شقة على البلاط، ولا هتنزل تتبهدل معاك في المحاكم والمحاضر. وبصراحة كده.. إحنا سألنا وعرفنا إن الشقة دي ضايعة ضايعة، فقلنا نلحق عفشنا وجهازنا قبل ما شركة الاستثمار تحط إيدها على المكن والمتاع.”
حازم حس بنــ,,ـــــار قايدة في صدـ,,ـــره، صرخ فيهم: “العفش ده أنا دافع في نصه! الأجهزة دي أنا مضيت على شيكات وتسهيلات عشان تيجي! أنتو بتسرقوني عيني عينك؟”
أخو نهى، الشاب الصايع اللي طول عمره عايش عالة على قفا غيره، قرب من حازم وزقه في صدـ,,ـــره: “احترم نفسك يا ياض ولِم لسانك! سرقة إيه؟ دي قايمة بنتي، وبكرة الصبح تروح للمحامي تطلقها بالمعروف وتدفع المؤخر، وإلا وقسمًا بالله هنسحبك في المحاكم بقضية تبديد منقولات ونرميك في السجــ,,ـــــن جنب بقية ديونك.”
العمال كانوا بيشيلوا الشاشة الكبيرة اللي حازم اشتراها بالتقسيط عشان نهى تتفرج على مسلسلاتها، شالوا غسالة الأطباق، وحتى الركنة الستان اللي أمه مالحقتش تقعد عليها ربع ساعة. حازم كان واقف مشلول، مش قادر يتحرك ولا يمنعهم. القوة الِجسمانية اللي كان بيتباهى بيها، والمركز الاجتماعي اللي كان شايف نفسه بيه، كله اتهد في لحظة. اكتشف إنه من غير الـ 7500 جنيه اللي أمه كانت بتدفعهم، ومن غير السند والدعاء اللي كان حاميه، هو مجرد “قشرة” فارغة.
في خلال ساعتين، الشقة الفخمة اللي في برج الياسمين اتحولت لخرابة. حيطان متبهدلة، تراب مالي الأرض، وأسلاك كهرباء مدلدلة من السقف مكان النجف اللي اتخلع.
حماه قبل ما يمشي، رمى له مفتاح الشقة على الأرض وقال له: “ابقى اقفل الباب وراك يا حازم.. ده لو فضل في باب أصلاً.”
رزعوا الباب وسابوه. حازم قعد في نص الصالة الفاضية على الأرض، ساند ضهره على الحيطة المقشرة. التليفون في إيده رن.. بص في الشاشة لقى رسالة من البنك: “عزيزي العميل، نود إعلامكم بصدور أمر حجز تحفظي على حساباتكم البنكية بناءً على طلب جهة قضائية (شركة القمة للاستثمار العقاري).”
معنى كده إن المرتب اللي هيقبــ,,ـــــضه بعد أسبوع مش هيشوف منه مليم واحد. يعني مش هيعرف حتى يشتري سندوتش فول يأكل بيه نفسه.
شريط حياته كله عدى قدام عينه. افتكر أمه وهي جاية في عز الحر، شايلة الشنط التقيلة، ووشها عرقان وهي بتضحك وبتقول له: “دبحالك الفراخ البلدي بإيدي يا حازم عشان رم عضمك يا بني.” وافتكر رد فعله البارد لما كان بياخد منها الحاجه على الباب ويقفل في وشها عشان نهى “ما تشمش ريحة زفر.”
حس بالندم بياكل في قلبه زي السكاكين. الندم لما بيجي متأخر بيبقى قاتل.
شمس اليوم التاني طلعت، وحازم مكنش نام ولا دقيقة. الساعة بقت 10 الصبح، وجرس الباب رن ضــ,,ـــــربات متتالية وعنيفة. حازم عرف إنهم وصلوا.. قوة التنفيذ.
فتح الباب وهو مكسور تماماً. لقى قدامه معاون التنفيذ، ومعاه اتنين عساكر، ومحامي شركة الاستثمار، وورق رسمي كتير.
المعاون بص في الشقة الفاضية باستغراب، وبعدين بص لحازم وقال: “أنت الأستاذ حازم عبد الحميد؟”
حازم هز رأسه من غير كلام.
المعاون: “معانا أمر تنفيذ وإخلاء جبري للشقة رقم 12 بناءً على الحكم الصادر لصالح شركة القمة وصالح الشريك المتنازل، لعدم سداد الأقساط وبدء إجراءات البيع بالمزاد. اتفضل اخرج واقفل الشقة وراك.”
المحامي بتاع الشركة بص لحازم بشماتة وقال: “يلا يا كابتن، ورينا عرض كتافك. الشقة دي خلاص بح، والشركة هتعيد هيكلتها وتبيعها.”
حازم مد إيده وخد محفظته وتليفونه اللي مبقاش فيهم أي لازمة، وخرج برة الشقة وهو بيجر رجليه. العسكري شد الباب ورزع قفله الكبيرة، وحط الشمع الأحمر على الكالون. صوت رزعة الباب كان كأنه حكم بإعدام حياة حازم القديمة.
نزل للشارع، لقى نفسه في وسط حدائق الأهرام.. الشمس حامية، وهو معاهوش حتى تمن مواصلة يروح بيها لأي مكان. افتكر إن عربيتو مركونة تحت، جر رجليه وراح لها. فتح الباب وقعد جوة، شغل التكييف عشان يهرب من الحر، لكن بعد دقيقتين المــ,,ـــــوتور كتم والعربية بطلت.. البنزين خلص تماماً.
قعد جوة العربية اللي بدأت تتحول لفرن نــ,,ـــــار، وبدأ يفر في أسماء تليفونه.. “أصحابه”.. “شلة القهوة”.. “زمايل الشغل”.. كلم الأول، والتاني، والتالت.. اللي يقوله “والله الظروف مزنقة معايا يا حازم”، واللي يقوله “أنا مسافر”، واللي يعمل نفسه مش سامع ويقفل السكة. في المحنة، الغربال بيصفي، وحازم صفي على مفيش.
وفجأة، تليفونه رن برقم غريب تاني. رد بلهفة الملهوف: “ألو؟”
جاءه صوت نسائي غريب بس فيه نبرة جدية: “أستاذ حازم؟ أنا أستاذة منى، مديرة الحسابات في فرع بنك مصر اللي والدتك الحاجة عايدة بتتعامل معاه.”
حازم قلبة دق بعنــ,,ـــــف: “أيوة يا فندم! أمي مالها؟ أمي حصل لها حاجة؟”
الموظفة ردت بعملية: “والدتك الحاجة عايدة كانت عندنا في الفرع من ساعتين.. وسحبت كل شهادات الاستثمار والودائع اللي باسمها كاش، ولغت التوكيل العام اللي كانت عملاه لك من 5 سنين، وسابت لنا هنا أمانة باسمك.. وقالت لنا مش هسلمها له إلا لما يجي بنفسه ويمضي على إقرار.”
حازم حس إن الروح ردت فيه، وقال بصوت بيترعش: “أمانة؟ أمانة إيه يا فندم؟ فلوس؟”
الموظفة: “تعالى الفرع وأنت تعرف يا فندم.. بس لازم تيجي قبل الساعة 2 عشان بنقفل الحسابات.”
حازم قفل السكة وهو حاسس إن أمه، رغم كل اللي عمله، لسه قلبها طيب ومش هتهون عليها كسرة ابنها. نزل من العربية وجري في الشارع زي المجنون، مبقاش يفكر في التعب ولا الجوع، كان بيجري في الشمس الحارقة وموجه نفسه لفرع البنك.. والأسئلة بتاكل دماغه: يا ترى أمه شالت له إيه؟ هل سابت له الفلوس اللي تنقذه؟ ولا دي صدمة جديدة مستنياه؟