جوزي مكنش عاوزني اشتغل

جوزي كان رافض أشتغل طول 9 سنين جواز بحجة إنه راجل البيت ولما خسر شغله لأول مرة، اكتشفت السبب الحقيقي اللي كان مخبيه عني طول السنين دي.
إنتِ مش محتاجة شغل.
قالها محمود وهو بياخد مفاتيح عربيته من على الترابيزة.
أنا موجود.
في الأول افتكرت إنها ثقة.
بعدين افتكرتها غيرة.
لكن بعد سنين فهمت إنها كانت حاجة تانية خالص.
طول جوازنا، كل ما أقدم في شغل كان يلاقي سبب يخليني أرفضه.
المرتب قليل.
المكان بعيد.
مين هيقعد مع العيال؟
إحنا مش محتاجين فلوس.
ولأن حياتنا كانت مستقرة، كنت بصدقه.
لحد اليوم اللي رجع فيه البيت الساعة 11 الصبح.
من غير عربيته.
ومن غير شنطة اللابتوب.
ومن غير الابتسامة اللي متعود عليها.
أول ما شفته عرفت إن في حاجة حصلت.
قلت
مالك؟
قعد على الكنبة.
وبص للأرض.
وقال بصوت مكسور
الشركة قفلت القسم كله.
سكت شوية.
وبعدين قال
أنا اتفصلت.
لأول مرة في حياتي شفته خايف.
خايف بجد.
قعدنا أسبوع كامل نحاول نتأقلم.
لكن الغريب إنه بدل ما يشجعني أشتغل
بقى يرفض أكتر.

لحد ما لقيته في ليلة واقف لوحده في البلكونة.
ولما قربت منه سمعته بيقول في التليفون
لو اشتغلت هتعرف كل حاجة.
في اللحظة دي
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لأن الكلام ما كانش عن الفلوس.
ولا عن الشغل.
كان عن سر كبير جدًا
سر خلاه يمنعني أشتغل طول 9 سنين.
واللي اكتشفته بعدها خلاني أتمنى إني ما سألتش أصلًا.
وقفت متسمرة في مكاني، النسمات الباردة اللي كانت بتخبط في وشي في البلكونة حسيتها زي خناجر بتغرس في قلبي. محمود ما أخدش باله من وجودي، كان غرقان في تليفونه، وعيونه اللي كانت دايماً بتبصلي بحب، دلوقتي كانت مليانة بلمعة خوف وحيرة. دخلت بهدوء، مش عايزة أواجهه وأنا لسه مش فاهمة إيه اللي بيحصل، دخلت الأوضة وبدأت أراقب.
عدت الأيام، ومحمود بدأ يتغير أكتر. كان بيقضي ساعات طويلة في أوضة المكتب، قافل الباب على نفسه، بيسمع دوشة أوراق بتتقطع، وأصوات تليفونات واطية. الفضول كان بيقتلني، بس الخوف كان أكبر. كنت حاسة إن بيتي، اللي قضينا فيه 9 سنين من الذكريات، بقى سجن مليان ألغاز.
في يوم، محمود خرج يقابل حد من أصحابه زي ما بيقول ونسي تليفونه التاني اللي بيخبيه دايمًا في درج المكتب. دي كانت فرصتي. قلبي كان بيدق زي الطبول، إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الدرج. التليفون كان مقفول بكلمة سر، بس الغريب إن أول ما لمسته، فتحت الرسالة الأخيرة اللي كانت ظاهرة على الشاشة من غير ما أحتاج افتحه، لأنها كانت إشعار من البنك.
تم تحويل مبلغ 50000 جنيه من حسابك باسم مريم حسن عبد العزيز.
تجمدت في مكاني. حسابي؟ أنا ما عنديش حساب بنكي أصلاً! فتحت بقية الرسائل، لقيت صدمات ورا بعض حسابات بنكية، كروت ائتمان، وقروض شخصية.. كلها طالعة باسمي، وبإمضائي اللي ما كنتش أعرف عنه حاجة!
بدأت أدور في المكتب بعشوائية، سحبت درج تاني لقيت فيه ختم باسمي، ودفاتر شيكات، وأوراق مختومة بختمي الشخصي! للحظة حسيت إني مش مريم، إني مجرد أداة في إيد راجل جوزته 9 سنين، طلع بيستخدمني كواجهة لعمليات مشبوهة. محمود ما كانش بيمنعني من الشغل عشان خايف عليّ، كان بيمنعني عشان لو نزلت الشغل، هحتاج أطلع فيش وتشبيه، وهحتاج أفتح حساب بنكي رسمي، وهكتشف في اللحظة دي إن اسمي مطلوب في قضايا نصب وتزوير وتبيض أموال!
كنت بقرأ الأوراق والدموع مالية عيني، لدرجة إني ما سمعتش صوت مفتاح الباب وهو بيفتح.
مريم؟ بتعملي إيه هنا؟
الصوت كان بارد ومخيف. لفيت لقيت محمود واقف في باب المكتب، عينيه كانت بتلمع بشرّ لأول مرة أشوفه. سيبت الأوراق من إيدي ووقعت على الأرض.
قلت بصوت مبحوح محمود.. إيه ده؟ إيه الأوراق دي؟ ليه اسمي موجود في كل حتة؟
ابتسم ابتسامة صفرا، قرب مني خطوة، وقال بصوت واطي كنت عايزك تعيشي ملكة، يا مريم. كل اللي عملته كان عشان أوفر لكم حياة كريمة. الشركات اللي كنت بشتغل فيها كانت محتاجة واجهة قانونية لست بيت، حد بعيد عن الشبهات، وأنتِ كنتِ الاختيار المثالي.
صرخت فيه أنت دمرت حياتي! أنت خليتني مجرمة من غير ما أعرف!
هجم ناحيتي ومسك إيدي بقوة اسمعيني كويس، لو حد عرف حاجة، أنتِ اللي هتتحبسي، مش أنا. كل الورق ده ممضي باسمك، وكل العمليات دي طالعة من حساباتك. أنتِ دلوقتي في وش المدفع، وأنا
لمحة نيوز

الوحيد اللي أقدر أحميكي.
هنا أدركت إن التهديد كان هو السلاح الأخير اللي بيستخدمه. قعدت على الأرض، ودموعي اتحولت لغضب مكتوم. فضلت أيام عايشة في كابوس، مش عارفة أنام، مش عارفة آكل، خايفة حد يخبط على الباب والبوليس يدخل ياخدني. بس في وسط الكابوس ده، بدأت أفكر. أنا لازم أخرج من القفص ده.
اتصلت بأختي، اللي كانت محامية، ومن غير ما أدخل في تفاصيل إجرامية عشان التليفون، قلت لها إن محمود كان بيلعب في أوراقي وإن فيه ديون طلعت باسمي وأنا مش عارفة. أختي ذكية، فهمت إن فيه مصيبة، وقالتلي يا مريم، اجمعي كل الورق ده، صوريه، وخبيه في مكان ما يعرفوش، وتعالي لي فورًا.
جمعت كل اللي قدرت عليه، وصورت الأوراق بالموبايل، وخبأت النسخ الأصلية في شنطة هدوم قديمة كنت عارفة إنه عمره ما هيبص فيها. وفي يوم محمود كان بره، أخدت العيال وسافرت لأهلي، بحجة إني عايزة أقعد معاهم يومين.
وصلت عند أختي، ووريتها كل حاجة. وشها اتغير، وقالتلي يا مريم، اللي عمله ده جناية، وممكن يوديكي في داهية لو ما تحركناش دلوقتي. دي شبكة غسيل أموال، ومحمود مجرد ترس صغير فيها، وهم دلوقتي بيكبروا العملية على حسابك.
بدأنا نتحرك في صمت. قدمنا بلاغات للنيابة، وقدمت كل الأدلة اللي معايا. كانت شهور من الرعب، محمود كان بيتصل بيا ويهددني بالطلاق، وبأنه هياخد العيال، وبأنه هيبلغ عني في قضايا تانية عشان يضغط عليا. بس أنا كنت خلاص، الخوف جوايا مات.
في يوم، قوات الشرطة اقتحمت بيت محمود، ولقوا كل الأدلة اللي كانت ناقصة عشان يوقعوا الشبكة الكبيرة اللي كان شغال معاهم. محمود اتعامل مع الموضوع بذكاءه المعتاد، حاول يرمي التهمة عليا، بس الأوراق اللي كنت مصوراها، والشهادات اللي قدمناها، أثبتت إن كل التعاملات كانت بتتم من خلال كمبيوتره الشخصي، وإن اسمي كان مجرد غطاء.
دخل محمود السجن، مش بس بتهمة الاختلاس، لكن بتهمة التزوير واستغلال اسم مراته.
النهارده، عدت سنتين. أنا مطلقة، وبشتغل في شركة محترمة جداً، وبدأت حياتي من الصفر. في الأول كان صعب جداً، بس دلوقتي، كل ما أبص في المراية وأشوف اسمي المكتوب في عقود الشغل، بحس بفخر. أنا ما بقيتش مجرد ست بيت خاضعة، أنا بقيت إنسانة عارفة قيمتها، وعارفة إن الرجل اللي بيمنع مراته من الشغل مش دايماً بيكون خايف عليها، أحياناً بيكون خايف على سره.
الدرس اللي اتعلمته في ال 9 سنين دول عمرك ما تدي لحد مفاتيح حياتك وتقولي أنا موجود. الشخص الوحيد اللي لازم يكون عارف أسرار حياتك وتفاصيلها المالية والقانونية هو أنتِ.
الحياة مش بس حب ومشاعر، الحياة وعي، وفهم، وحرص.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *