من يوم م اتجوزت

أنا كنت فاكرة إن أمي زعلانة مني… لكن الحقيقة كانت أبشع بكتير.

من يوم ما اتجوزت، وأمي عمرها ما رضيت تدخل بيتي. كل مرة أعزمها كانت تبتسم بحزن وتقول: “اعذريني يا بنتي… أنا مش بارتاح في البيت ده.”

كنت أضحك وأقول: “هو البيت عملك إيه يا أمي؟”

فتغير الكلام فورًا، وكأنها بتهرب من حاجة.

حتى يوم ما ولدت بنتي، زارتني في المستشفى، لكن أول ما رجعنا الشقة رفضت تيجي معانا.

السنين عدّت… أنا اللي كنت بروحلها، وأولادي كانوا بيزوروها، لكن هي؟ ولا مرة عدّت عتبة شقتي.

قبل ما تتوفى بأيام، سألتها آخر سؤال كان محيرني طول عمري: “ليه يا أمي عمرك ما دخلتي بيتي؟”

بصتلي نظرة عمري ما هنساها وقالت بهدوء: “في أبواب… لو رجعنا دخلناها، حاجات مدفونة هتصحى من تاني.”

افتكرت إن المرض هو اللي بيخليها تتكلم كده…

وبعد أسبوع ماتت.

وأنا برتب أوراقها بعد الوفاة، لقيت عقد شقة قديم وسط ملف مترب.

فتحته…

واتجمدت مكاني.

العنوان كان عنوان شقتي بالظبط.

نفس العمارة… نفس الدور… ونفس رقم الشقة.

لكن تاريخ العقد كان قبل جوازي بعشرين سنة!

والصدمة الأكبر…

اسم المشتري كان اسم أمي… ومذيل بتوقيعها.

رجعت البيت وأنا ماسكة العقد وإيدي بتترعش.

أول ما جوزي شافه، وشه اتغير فجأة.

قلتله: “إنت تعرف حاجة عن العقد ده؟”

رد بسرعة وهو مرتبك: “أكيد تشابه عناوين.”

حطيت العقد قدامه وقلت: “حتى رقم الشقة والعقار مطابق.”

سكت.

فسألته: “إنت قلتلي الشقة كانت ملك أبوك… صح؟”

هز راسه.

قلت: “أمال إزاي أمي اشترتها قبلكم بعشرين سنة؟”

في اللحظة دي… تليفون حماتي رن.

رديت عليها من غير مقدمات وقلت: “لقيت عقد الشقة القديم… اللي باسم أمي.”

سكتت…

ثواني طويلة عدّت.

وفجأة… قفلت السكة.

وبعد أقل من نص ساعة…

كان جرس الباب بيرن.

ولما فتحت…

لقيت حماتي واقفة قدامي، ووشها كان مرعوب بشكل عمري ما شوفته.

أول كلمة قالتها خلت الدم يتجمد في عروقي…

حماتي دخلت الشقة من غير سلام، ولا حتى بصتلي.

مدّت إيدها وخطفت العقد من على الترابيزة، وبقت تقلب فيه وهي بتتنفس بسرعة.

وبعدين بصّت لجوزي وقالت بعصبية:

“أنا قلت لأبوك يحرق الورق ده… قلتله مايسيبش أي دليل.”

بصيتلها وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني.

قلت:
“يعني… إنتِ كنتِ عارفة؟”

قعدت على الكرسي كأنها فجأة كبرت عشرين سنة.

وقالت بصوت واطي:
“أمك ماكنتش بتكره البيت… كانت بتكره الذكرى اللي فيه.”

سألتها وأنا ببكي:
“إيه اللي حصل هنا؟”

بصت ناحية أوضة بنتي وقالت:
“الأوضة دي… كانت أوضتها هي.”

جوزي صرخ:
“بس يا أمي… كفاية!”

لكنها كملت وهي بتبصله:
“قولها الحقيقة… ولا أقولها أنا.”

فضل ساكت.

وساعتها بنتي خرجت من الأوضة وهي شايلة صندوق خشب صغير.

قالت:
“يا ماما… لقيته تحت لوح في الأرض.”

فتحت الصندوق…

لقيت صورة لأمي وهي لابسة فستان فرح… واقفة في نفس الصالة اللي أنا واقفة فيها دلوقتي.

وجنبها… أبو جوزي.

وتحت الصورة شهادة زواج رسمية.

اسميهم مكتوبين كزوج وزوجة.

شهقت.

بصيت لجوزي.

قلت:
“يعني… أبوك كان متجوز أمي؟”

حماتي نزلت راسها وقالت:
“أيوه… قبل ما يتجوزني.”

حسيت الدنيا بتلف بيا.

لكن لسه الصدمة الأكبر جاية.

طلعت جواب قديم من الصندوق.

كان بخط إيد أمي.

بدأت أقرأ:

“لو بنتي وصلت للرسالة دي، يبقى الحقيقة اتدفنت سنين طويلة.

أنا اتجوزت الرجل ده فعلًا، لكن بعد شهور اكتشفت إنه نصاب.

خلاني أمضي على بيع الشقة باسمه بحجة إننا هننقل لمكان أكبر.

بعدها طلقني غصب، وهددني إنه لو اتكلمت هيحرمني من بنتي.

اتجوز بعدي مباشرة… من الست اللي بقت حماتك.

ولما كبرتي يا بنتي، قابلتي ابنه من غير ما تعرفي أي حاجة.

أنا حاولت أمنع الجوازة… لكن مقدرتش أفضح الماضي.

عشان كده… عمري ما دخلت الشقة تاني.”

خلصت الجواب وأنا بعيط.

بصيت لجوزي.

كان هو كمان بيعيط.

وقال:
“والله العظيم… أنا ماكنتش أعرف أي حاجة. أبويا قالنا إنه اشترى الشقة من واحد غريب.”

في اللحظة دي، حماتي طلعت ورقة من شنطتها.

وقالت:
“دي وصية جوزي قبل ما يموت.”

فتحناها.

كان كاتب فيها:

“أنا ظلمت أم بنتك.

الشقة دي حقها.

ولو الحقيقة ظهرت يومًا… رجعوها لصاحبتها أو لورثتها.”

بعد أيام، نقلنا من الشقة بإرادتنا.

بعتها، وتبرعنا بجزء كبير من تمنها باسم أمي.

أما الصندوق والصور والجوابات…

حطيتهم في مكان آمن، عشان بنتي لما تكبر تعرف إن الحقيقة ممكن تتدفن سنين…

لكن عمرها ما بتموت.

ومن يومها فهمت آخر جملة قالتها أمي قبل وفاتها:

“في أبواب… لو اتفتحت، الحقيقة هي اللي بتخرج منها.”

والباب ده… أخيرًا اتقفل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *