ثـمن العيـش والمـلح ج 1 حكـايات مني السيد

ـ إيه؟ يعني الفلوس اللي كنت بتجيب لي بيها الشنط واللبس دي كانت من فلوس مروة؟ إنت مش قلت لي إنك بتكسب من شغل المقاولات الخارجي؟
كريم زعق فيها:
ـ اتلهي ويسدي بقك دلوقتي خالص! مش وقت منظرة وشنط!
المنظر قدامي كان كوميدي وسوداوي في نفس الوقت.. الأقنعة كلها كانت بتسقط على السفرة فوق طبق المحشي والفراخ.. العيلة المثالية اللي كانت بتدعي العزة والكرامة، بدأت تنهش في بعضها أول ما “الحنفية” اتقفلت..
بصيت لأحمد وقلت بكل برود:
ـ شفت يا أحمد؟ أهلك اللي إنت ضــ,,ـــــربتني عشانهم.. أول ما عرفوا إن الفلوس وقفت، نسوا كرامتك ونسوا القلم اللي إنت لسه ضاربهولي، وكل واحد بقى بيبكي على مصلحته وجيبه.. إنت خسرت كل حاجة في ثانية.. خسرتي أنا، وخسرت الشقة، وخسرت العربية.. ومن بكرة.. اللعبة الكبيرة هتبدأ.
أحمد سخر مني وقال: لعبة إيه يا ست مديرة؟ إنتي أقصى ما عندك هتقطعي المصروف.. اعلى ما في خيلك اركبيه!
ابتسمت وسبتهم ودخلت أوضتي.. قفلت الباب بالمفتاح من جوه.. قعدت على السر,,ـــــير وظهري مفرود.. مسكت الموبايل ودخلت على حسابي البنكي، ومنه على السيستم المالي الخاص بالشركة اللي أحمد بيشتغل فيها مهندس صيانة.. الشركة دي، للمصادفة البحته، هي واحدة من الشركات التابعة للمجموعة الاستثمارية الكبيرة اللي أنا بدير قطاعها المالي بالكامل في القاهرة الجديدة.. أحمد كان فاكر إني مجرد موظفة في شركة أدوية، ماكنش يعرف إن الترقية الأخيرة اللي أخدتها من 6 شهور خليتني مشرفة على ميزانيات الفروع والشركات الشقيقة، ومنها الفرع اللي هو شغال فيه!
فتحت اللابتوب بتاعي، ودخلت بـ “الكود السري” بتاعي كمديرة مالية إقليمية.. وبدأت أراجع ملفات “بدلات الانتقال والمصاريف النثرية” لمهندسين الصيانة في فرع أحمد عن السنتين اللي فاتوا..
أنا مكنتش حابة أفتش وراه طول السنين اللي فاتت بدافع الثقة وحسن النية.. بس المحاسب المالي اللي جوايا، لما بيقرر يفتش.. مبيسيبش وراه ففوته..
وقعدت أراجع الشيتات.. شيت ورا شيت.. تمن قطع غيار، فواتير بنزين، بدلات سفر لمحافظات.. وفجأة.. عيني برقت.. تثبتت الشاشة قدام فواتير مريبة.. فواتير صيانة وهمية لشركات مش موجودة في السجل التجاري اصلاً، بأسماء مكررة، ومبالغ بتتسحب نقدي تحت بند “طوارئ صيانة”.
كل فاتورة عليها إمضاء وتوقيع مهندس الموقع: “أحمد عبد الحميد”.
المبالغ ماكنتش صغيرة.. دي كانت بتوصل لـ 40 و50 ألف جنيه في الشهر الواحد.. يعني الباشمهندس المحترم ماكنش بس عايش على قفايا وياخد مرتبي يتدلع بيه، ده كمان كان بيسرق من الشركة اللي أنا بدير ماليتها! بيعمل فواتير مضروبة وياخد فلوسها لحسابه الخاص!
ضحكت بصوت عالي.. ضحكة هزت الأوضة.. الدموع نزلت من عيني من كتر الضحك..
ـ ياااه يا أحمد.. بقالك سنتين بتسرق من ورايا في الشركة اللي أنا براجع وراها؟ وبتمد إيدك عليا وبتطالب بـ 15 ألف جنيه زيادة عشان ترضي ست الحبايب؟ ده إنت طلعت غبي غباء ملوش مسيل!
عملت “تحميل” لكل الملفات والفواتير المضروبة دي على فلاشة خارجية.. وسحبت تقارير المقارنة الممالية اللي بتثبت الاختلاس بالتاريخ والساعة.. طبعت نسختين من كل حاجة على الطابعة الصغيرة اللي في أوضتي.. وحطيت الورق كله في دوسيه أسود أنيق.
الساعة كانت بقت 2 بعد نص الليل.. المطر بره وقف، وبقى في هدوء قاتل في الشقة..
سمعت حركة بره الأوضة.. صوت همس وخناق مكتوم بين أحمد وأمه وكريم.. واضح إنهم ماكنوش قادرين يمشوا في المطر، أو مستنيين يشوفوا أنا هعمل إيه الصبح..
فتحت باب الأوضة وخرجت.. الصالة كانت مكركبة، وبواقي الأكل لسه على السفرة..
أحمد كان قاعد على الكنبة حاطط راسه بين إيديه، وأمه قاعدة جمبه بتهديه وتوشوشه.. أول ما شافوني خارجة والدوسيه في إيدي، أحمد وقف وربع إيده وقال بسخرية:
ـ إيه؟ نمتي وفكرتي وعرفتي إن مالكيش غير بيتك وجوزك؟ جايبة إيه في إيدك ده؟ ورق الطلاق؟ بليه واشربي ميته.. أنا مش هطلق يا مروة، وهتقعدي هنا غصب عنك، ورجلك فوق رقبتك هتدفعي الـ 15 ألف ورجلك فوق رقبتك، وإلا هحجرك على الشقة دي وأقول إنك مجنونة!
مشيت كام خطوة لحد ما بقيت واقفة قدامه مباشرة.. رميت الدوسيه الأسود على الترابيزة اللي قدامه.. الورق اتفرد وظهرت الفواتير والإمضاءات بتاعته بالخط العريض واللون الأحمر..
بص للورق باستغراب.. ومد إيده وأخده.. فتح أول صفحة.. وشه بدأ يهرب منه الدم.. فتح الصفحة التانية.. إيده بدأت تترعش بجد المرة دي.. الشيتات الملوّنة باللون الأصفر اللي بتوضح الفروق المالية والاختلاسات كانت واضحة زي الشمس.
ـ إيه.. إيه ده؟ إنتي جبتي الورق ده منين؟ دي ملفات سرية في حسابات الشركة!
قالها بصوت حشرجة وكأن حد بيخنقه..
قعدت على الكرسي اللي قباله، وحطيت رجل على رجل، وبصيت له بكل ثقة وشماتة:
ـ الملفات دي سرية على أي حد يا أحمد.. إلا على “المديرة المالية الإقليمية للمجموعة”.. اللي هي أنا.. اللي إنت لسه ضاربها من ساعتين.. الورق ده فيه إثبات كامل بإنك اختلست من أموال الشركة ما يقرب من 800 ألف جنيه على مدار السنتين اللي فاتوا عن طريق فواتير صيانة وهمية وشركات مضروبة..
حماتي وقفت مذهولة:
ـ اختلاس إيه يا مروة؟ ابني مهندس محترم وميعملش كده! إنتي بتتبلي عليه عشان تاخدي الشقة؟
ـ اسألي ابنك المحترم يا حاجة أمينة.. اسأليه الإمضاء اللي على الفواتير دي إمضاء مين؟
أحمد كان بيبص للورق وهو بيلهث.. وعرق بارد نازل على جبهته.. بصلي برعب حقيقي وقال:
ـ مروة.. أرجوكي.. إنتي مش هتعملي كده.. إنتي عارفة ده معناه إيه؟ ده معناه طرد من الشغل.. وقض..ية أموال عامة وسجــ,,ـــــن مش أقل من 7 سنين!
وقفت وقربت منه.. وطيت لحد ما بقى نفسي في نفسه.. وقلت بصوت واطي زي فحيح الأفاعي:
ـ ده مش معناه سجــ,,ـــــن وبس يا أحمد.. ده معناه فضيحة هتخلي اسمك واسم عيلتك في الأرض.. كريم مش هيلاقي كلب في العتبة يرضى يأجر له محل.. وداليا هتروح لأهلها تطلب الطلاق عشان متقعدش في بيت راجل حرامي ومسجون.. وأمك الحاجة أمينة اللي كانت عايزة 15 ألف جنيه عشان تتمنظر بيهم، مش هتلاقي تمن علاج أبوك اللي إنت دمرت صحته بأفعالك!
أحمد اترمى تحت رجلي.. أه والله.. الراجل اللي من ساعتين كان فارد عضلاته ونازل فيا ضــ,,ـــــرب قدام أهله.. اترمى تحت رجلي ويمسك طرف عبايتي ويبكي:
ـ أنا آسف يا مروة.. أبوس إيدك سامحيني.. أنا الشيطان وزّني.. كنت عايز أعمل فلوس بسرعة عشان أثبت لأمي وكريم إني ناجح.. كنت باخد الفلوس دي أديهالهم وأقولهم إني بكسب من بره.. أرجوكي بلاش توديني في داهية.. اطلبي اللي إنتي عايزاه وأنا هعمله.. مش عايز العربية، ومش عايز الشقة، وهطلقك في هدوء.. بس بلاش الفضيحة والسجــ,,ـــــن!
حماتي أمينة قعدت على الكرسي وهي بتلطم على وشها:
ـ يا مصيبتي السودا! يا خرابي يا أحمد! ودتنا في داهية يا ابني!
كريم وداليا كانوا واقفين مصدومين، مش مستوعبين إن الإمبراطورية الوهمية اللي كانوا عايشين فيها انهارت في أقل من 120 دقيقة..
بصيت لأحمد وهو على الأرض.. وسحبت عبايتي من إيده بقرف.. وقلت له:
ـ الطلاق في هدوء؟ ده كان زمان يا أحمد.. قبل ما إيدك تترفع عليا.. دلوقتي.. اللعبة بشروطي أنا.. ومن أول بكرة الصبح.. إنت وأهلك هتشوفوا الوش التاني لمروة السيد.. الوش اللي عمركم ما كنتوا تتخيلوا إنه موجود.
ولسه اللي جاي.. هيخليكم تتمنوا إنكم ماكنتوش عرفتوا اسمي اصلاً!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *