حكايات بسمه ٢
وسحب رجاله وانسحب مسرعاً في ظلام الليل، بينما بقيت حماتي تقف على الدرج تتنفس بسرعة، تنظر إليّ بنظرات كراهية لم أرَ لها مثيلاً من قبل.
لم ننتظر حتى الصباح. أصررت على طلب نجدة الشرطة فوراً، وتحرير محضر بالواقعة، وإرفاق مقطع الفيديو الموثق بالأشخاص والأدوات ورقم سيارتهم، مع إثبات شهادة الجيران الذين هالهم ما حدث في منتصف الليل.
في اليوم التالي، كانت القضية قد أخذت مساراً جنائياً جديداً. لم تعد مجرد دعوى مدنية ببطء إجراءاتها، بل محضر تعدٍّ وصحيفة اتهام بالبلطجة تحيط بأسرة حماتي وابن أخيها.
مر أسبوعان، وكانت الضغوط النفسية تدق أبوابنا بكل قوة. محمد كان يمر بأصعب أيام حياته، يرى أمه تساق إلى التحقيقات، ويرى بيته مهدداً، وميزانيته مجمدة جزئياً، وأقاربه ينقسمون بين مدافع ومهاجم. كان يجلس في المساء ينظر إلى السقف ويقول لي بصوت مبحوح: “أنا حاسس إني في كابوس مش راضي يخلص يا هدى.. أوقات بقول يا ريتني سكت وعزمت الناس ودلعت أمتي ولا إننا نوصل للخراب ده.”
أمسكت بيده وقلت له بصرامة حنونة: “لو كنت سكت يا محمد، كان الاستنزاف هيفضل لحد ما تبيع الشقة دي وتلاقوا نفسكم في الشارع. اللي بيصير دلوقتي مش بسببنا، ده بسبب إنها رفضت تتراجع لما انكسرت خدعتها. أنت ما ظلمتش، أنت بس دافعت عن بيتك وبنتك.”
وفي منتصف الأسبوع الثالث، بينما كنا ننتظر قرار النيابة بشأن محضر التعدي، وردنا اتصال هاتفِي غير متوقع من خالي محمد الأكبر، الرجل الخمسيني الذي يحترمه الجميع في العائلة ولا يجرؤ أحد على كسر كلمته.
قال الخال لمحمد بصوت جاد وحاسم: “تعالى أنت ومرتك عندي في البيت الليلة.. في كلام لازم يتقال، والحكاية دي لازم تتنسف من جذورها القعدة دي فيها الكل.”
حين وصلنا إلى بيت الخال، وجدنا المجلس مكتظاً. حماتي كانت تجلس في الزاوية، وإلى جوارها كبار العائلة، وأخت محمد، وحتى المحامي الشاب الذي ظهر عليه التعب والارتباك.
جلسنا في المقابل. خيم الصمت على الغرفة لعدة دقائق، حتى قطعه الخال بنبرة حادة ووجه كلامه لحماتي:
“يا أم محمد.. العائلة دي طول عمرها مستورة. نعدي العزومة، ونعدي اللقمة، ونعدي الزعل. لكن توصل بيكِ الجرأة تنزلي بلطجية في نص الليل تكسروا بيت ابنك؟ وتجرجري اسم العيلة في المحاكم وأقسام الشرطة عشان كبرياء وعناد؟”