حكايات رومانى مكرم 1

ارتجفت جدران الطرقة حولنا، وساد صمت أثقل من الموت. كلمات أمه في الهاتف كانت كالصاعقة التي شلت عقل سيد بالكامل. الموبايل سقط من إيده وانكسر على الأرض، وهو واقف زي الصنم، عينيه مفرغة من أي تفكير، وشفايفه بتبتعد وتقترب من غير ما ينطق بحرف.

أنا ما كانش يهمني صباح ولا البنت ولا فضايحهم، كل اللي كان بيتردد في ودني كلام الدكتور: “حمو محتاج نقل نخاع بشكل عاجل وإلا حياته في خطر.”

مسكت الدكتور من بالطوه وأنا ببتوسل له والدموع نازلة زي المطر:

– “يا دكتور خُد مني أنا! خُد النخاع كله.. خُد جسمي كله وادِّيه لحمو! أنا أمه وسليمة وجاهزة فوراً!”

الدكتور طبطب على إيدي بهدوء وتحسر:

– “يا مدام هدى، التوافق الجيني بين الأم والابن في النخاع الشوكي بيبقى صعبة نسبته تتجاوز 50%، والأب كذلك. إحنا لازم نعمل تحليل توافق فوراً لكِ ولأبوه الشرعي، ولو فيه أخ شقيق بتبقى النسبة أعلى.. بس للأسف هو ابنك الوحيد.”

سيد فاق من صدمته فجأة، وجري على الدكتور، مسكه من كتفه وهو بيصرخ بصوت مخنوق بالندم والهلع:

– “اسحب مني يا دكتور! أنا أبوه! أنا مستعد أدي له أي حاجة، اسحب دمي ونخاعي وعمري كله! اعمل التحليل حالاً!”

الدكتور هز رأسه وأخدنا فوراً لغرفة التحاليل العاجلة. سيد كان بيترعش وهو بيقعد على الكرسي، والممرضة بتسحب منه العينة. كان بيبصلي بعيون كأنها بتطلب العفو، بس قلبي كان حجر. الخيانة والظلم اللي عشتهم ثلاث سنين ما يمحيهمش مجرد ندم في لحظة فارقة.

بعد ساعة من الانتظار القاتل أمام الغرفة، وأنا ساجدة على الأرض بدعي ربنا ينجي حمو، ظهرت أم سيد (حماتي القديمة) في آخر الطرقة. كانت بتجري وعبايتها بتبطش في رجلها، وشها مجعد من الخوف والفضيلة، ولما شافت سيد جريت عليه وهي بتصوت:

– “يا كبد أمك يا سيد! يا خيبتنا السودا يا ابني! بنت الخادعة صباح طلعت مش بنتك! الدكاترة اكتشفوا إن فصيلة دم البنت ملهاش أي علاقة بيك ولا بصباح حتى! صباح كانت شرت بنت مريضة من مستشفى مجاني عشان تستر بيها على عقمها وتدبسك فيها وفي مصاريفها، وكانت عايزة تأذي ابن هدى عشان تغطي على اللعبة كلها!”

سيد وقفلها، وبص لها بنظرة كره ما شفتهاش في حياتي. قرب منها وصوته طالع زي الهسيس:

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *