انا وخطيبي ج٢ حكايات روماني مكرم
فارس:
قاعد في قفص الاتهام، الحديد حوليّ من كل ناحية، وريحة المكان تخنق. هدوم السجن البيضاء بقت هي كفني الحي. جنبي في القفص كانت ماجدة واقفة وشها في الأرض، مرعوبة، والمرشدي قاعد في الزاوية بيسب ويستلعن في اليوم اللي عرفني فيه. كلنا بقينا باللبس الأبيض، مساجين ناطرين كلمة القاضي اللي هتحدد مصيرنا. بصيت من بين قضبان القفص، شفت مريم واقفة برة ببدلتها الكحلي الأنيقة، مرفوعة الرأس، عيونها فيها ثبات يهد جبال. افتكرت أول يوم شفتها فيه في البنك، لما كنت فاكرها صيد سهل وبنت انطوائية هتاكل الطعم وتتكسر.. يا بخت من يحسبها صح، ويا خيبة من يتغر في طيبة اللي قدامه!
مريم:
جلسة النطق بالحكم بدأت. القاعة كانت مليانة على آخرها، الصحفيين والإعلاميين مالين الدكك بعد ما القضية بقت رأي عام وتصدرت كل منصات التواصل الاجتماعي. الملايين اللي تابعوا الفيديوهات اللي نزلناها أنا وطارق كانوا مستنيين نهاية اللعبة. القاضي دخل، ودقت المطرقة ثلاث دقات هزت أركان القاعة. الصمت حلّ على المكان، كأن حتى الهواء خايف يتنفس.
القاضي:
“بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع طلبات النيابة العامة والدفاع، ومطالعة أوراق التزوير والاستيلاء على المال العام، وابتزاز المواطنين، وتشكيل عصابة مسلحة للنصب والاحتيال.. حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:
أولاً: بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة على المتهم الأول فارس، وإلزامه بردد المبالغ المستولى عليها.
ثانياً: بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات على المتهمة الثانية ماجدة، وعزلها من وظيفتها الأميرية.
ثالثاً: بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة على المتهم الثالث المرشدي، ومصادرة كافة المضبوطات والأختام المزورة.”
فارس:
أول ما المطرقة نزلت وسمعت “خمس عشرة سنة”، الدنيا اسودت في وشي. صرخت بصوت مكتوم وركبي خبطت في الأرض. خمسة عشر سنة من عمري هيروحوا بين أربع حيطان! الشباب اللي حلمت أعيشه بالفلوس الحرام، هقضيه في البرد والضلمة والحسرة. ماجدة انهارت وأغمى عليها في القفص، والمرشدي قعد يضرب رأسه في الخشب. الحراس شدوني من إيديا عشان ينزلونا التخشيبة، وفي اللحظة دي جات عيني في عين مريم. كانت بتبص لي بمنتهى الهدوء، نظرة شفقة على بني آدم باع نفسه بقرشين حرام، واكتشف في الآخر إنه ما يسواش حاجة.