حكايات زهره الربيع 1

فجأة، وش أمي اتغير وصوتها طلع حاد: “أنا قلت البسي! عبير هتروح مرة تانية!”

أحلام خافت من نبرتها، وبصتلي بقلة حيلة. لبست طرحتها الخفيفة وفستانها الأزرق، وخرجت ورا أمي وهي زعلانة ومكسورة عشان سايباني لوحدي. أنا فضلت قاعدة على السرير، قلبي مقبوض، عيني على الباب بتمنى يرجعوا.

فاتوا ساعتين.. أصعب ساعتين عدوا عليا في حياتي.

سمعت صوت باب البيت الخشب بيتقفل بالراحة. خرجت أجري على الصالة، لقيت أمي داخلة لوحدها، وشها هادي جداً، ومافيش في إيدها أي حاجة.

جدتي خرجت من المطبخ وهي محتارة، وبصت ورا أمي وقالت: “فين أحلام يا صفية؟”

أمي ردت ببرود: “تاهت مني.. وملاقيتهاش وسط الزحمة.”

جدتي إيديها اترعشت، والطبق الفخار وقع من إيدها اتكسر على الأرض، وقالت بصدمة وحزن: “هو انتي خدتيها المولد يا صفية؟!”

ردت أمي بصوت هادي: “ايوه، الزحمة خطفتها مني.”

من اليوم ده، أحلام اختفت، وكل محاولات البحث عنها في القسم وبصوار القرى ما جابتش أي نتيجة، كأن الأرض انشقت وبلعتها. عشت سنين طويلة من القهرة والحزن على فراق توأم روحي، لحد ما كبرت وبقى عندي 19 سنة، واعتبرت إن اللي حصل قضاء وقدر.

وفجأة من شهر، أتقدم لي شاب من البلد، اسمه محمود، ابن ناس طيبين وشغال في صيدلية، وقال إنه هيخلص شقته في خلال شهور ونتجوز. جدتي وافقت، وأمي وافقت من غير ما تتكلم كتير، وأنا بيني وبين نفسي قلت شاب كويس وابن حلال، يمكن ربنا بيرد لي جزء من الفرحة اللي راحت مني.

تاني يوم الصبح بدري، صحيت على إيد بتتحرك على كتفي بالراحة. فتحت عيني بالتدريج، لقيت أمي واقفة فوق راسي.

نفس النظرة الخالية من التعبير.. ونفس الهدوء المرعب القديم.

قربت مني، وبصوت واطي قالتلي:
“قومي البسي يا عبير.. هاخدك افسحك في المولد قبل جوازك.”

في اللحظة دي، حسيت برعشة سريعة سرت في جسمي، رنت الجملة في ودني كأن الزمن بيرجع بيا 8 سنين ورا. بس استهدفت بالله، وقلت يمكن دي طريقة أمي الغريبة في التعبير عن الفرحة بطريقتها الخاصة، أو يمكن عاوزة تعوضني قبل ما أسيب البيت وأتجوز.

قمت لبست هدومي وروحت معاها بهدوء، مشينا وسط شوارع المولد المضيئة والزحمة، وأمي شادة إيدي بإحكام كأنها خايفة أتوه منها زي ما حصل زمان. وقفت بيا عند نفس الساحة القديمة للمراجيح، وبصتلي وقالت بصوت دافئ لأول مرة في حياتها:
“افرحي يا عبير.. وادعي لأختك إن ربنا يجمعنا بيها، سامحيني.. أنا عمري ما كرهتكم، بس الحزن ساعات بينشف القلوب.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *