حكايات زهره الربيع 1

نزلت الشارع زي المجنون، أجرِ في المنطقة، أسأل البوابين، أسأل السوبر ماركت، أسأل سائقين التاكسيات في الموقف.. محدش شافها، محدش يعرف عنها حاجة! البيت كان فاضي والدنيا برة ضلمت، وأنا ماشي في الشوارع زي المجذوب، بهلوس باسمها، والناس بتبصلي برحمة وشفق.

رجعت البيت على نص الليل، جثتي هربانة مني. دخلت لقيت سميرة قاعدة لمة هدومها في شنطة وجاهزة! بصتلي وقالت بمنتهى القسوة: “أنا مش هقعد مع واحد بيتهمني في شرفه ويزعقلي عشان بنت مش متربية. أنا رايحة بيت أهلي، ولما تعقل وتعرف قيمة مراتك وتعرف إن البنت دي هي اللي بوظت بيتك، ابقى تعالَ صالحني”.

بصيت لها ونظرة الغضب والندم كانت كل اللي فاضل فيا.. مسكت الشنطة ورميتها برة الباب، وبصيت في عينها وقلت لها بصوت مكسور بس مليان كره: “أنتِ طالق يا سميرة.. طالق بالتلاتة. وعمري ما هسامح نفسي إن إني بعت حتة من قلبي عشان واحدة زيك”.

قفلت الباب في وشها، وقعدت على الأرض ورا الباب أعيط بحرقة.. أول مرة أعيط بالشكل ده من يوم وفاة مراتي الأولى. افتكرت كل لحظة: لما كانت تحضرلي الأكل وهي تعبانة، لما كانت تذاكر وتحاول تفرحني بتقديراتها، لما كانت بتحضن صورة أمها بالليل وتعيط من الظلم، وأنا كنت بروح أنام في حضن اللي ظلمتها!

عدى أسبوع، وأسبوعين، وشهر كامل.. وأنا لفيت مصر كلها. بلغت الشرطة، عملت محاضر غياب، نزلت صورها في كل جريدة وفي كل حمايل الفيس بوك، مشيت في شوارع القرى والمحافظات اللي فيها قرايبنا القدام، حتى أعمامها وأخوالها اللي كنت خايف أوديها عندهم، رحتلهم وأنا بتذلل وأترجاهم لو كانت راحت لحد فيهم يرحموني ويقولولي.. بس الكل كان بيرد بنفي، والكل كان بيلومني ويقولي: “أنت رميت بنتك للكلاب عشان مراتك، جاي تدور عليها بعد ما ضاعت؟”.

خسرت شغلي، صحتي تدهورت، شعري شاب كلياً في كم شهر، والبيت بقى كأنه مقبرة. كل ما أدخل أوضتها، أشم ريحة برفانها، وأشوف السلسلة الدهب محطوطة على التسريحة بتأنبني كل ثانية. بقيت عايش على أمل واحد بس.. أمل إني ألمس إيدها تاني، وأبوس رجلها وأقولها: “سامحيني يا بنتي، أنا كنت أعمى”.

وفي يوم.. بعد مرور سنة كاملة على اختفائها، وأنا قاعد في الصالة دبلان ومش قادر أقوم من السرير، تليفوني رن برقم غريب مش متسجل عندي.. مسكت التليفون بفتور، وفتحت الخط وقلت بصوت متقطع: “ألو؟”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *