جهاز تتبع
الجهاز اللي كان تحت عربية نادين اتحرك للقاهرة، وأحمد كان فاكر إنه بيتابعني.
بصيتله وقلت
القاهرة؟ لأ، أنا ما روحتش القاهرة يوم الاتنين.
قبض على الدركسيون.
غريبة. أنا متأكد إن عربيتك كانت هناك.
ابتسمت.
يمكن حد شاف عربية شبهها.
بصلي بطرف عينه.
إنتِ متأكدة؟
طبعًا.
ما ردش.
لكن باقي الطريق، كان ساكت تمامًا.
وفي اللحظة دي، عرفت إن خطتي بدأت تنجح.
أحمد ما كانش بس بيراقبني.
كان بيبني حكاية كاملة عن تحركاتي، ومستني اليوم اللي يقدر يستخدمها ضدي.
ولما وصلنا البيت، دخل مكتبه وقفله.
بعد حوالي ساعة، خرج ومعاه ورقة.
قال
مريم، أنا محتاج منك خدمة صغيرة.
أخدت الورقة.
كانت صورة من عقد قديم يخص مشروع جدي.
لكن في آخر الصفحة، كان فيه توقيع باسمي.
توقيعي أنا.
أو على الأقل، توقيع شبه توقيعي جدًا.
رفعت عيني ببطء.
إيه ده؟
قال
مجرد إجراء قديم. المحامي محتاج يتأكد من صحة التوقيع.
قربت الورقة من عيني.
أنا ما وقعتش العقد ده أبدًا.
والأخطر من كده، إن التاريخ المكتوب عليه كان قبل ۏفاة جدي بشهرين.
شهرين كنت فيهم ملازمة جدي في المستشفى، وما كنتش بروح الشركة إلا نادرًا.
سألته
جبت الورقة دي منين؟
رد بسرعة
من ملفات الشركة.
أنهي شركة؟
اتردد.
شركة العيلة.
حطيت الورقة على الترابيزة.
أحمد، دي مش ورقة تخص شركة العيلة. دي ورقة تخص مشروع جدي.
ابتسم ابتسامة متوترة.
ما هو إحنا بنحاول ننظم الملكية.
قلت
أنا هراجعها مع المحامية.
ملامحه اتبدلت تمامًا.
إنتِ هتدخلي محامية في كل حاجة بينا؟
لما الموضوع يبقى فيه توقيع باسمي أنا ما مضيتوش، أيوه.
خطڤ الورقة من على الترابيزة.
خلاص. براحتك.
دخل مكتبه وقفله.
وفي الليلة دي، لأول مرة من يوم ما اكتشفت جهاز التتبع، حسيت إن الخطړ الحقيقي مش في اللي أحمد ممكن يعرفه عني.
الخطړ كان في اللي هو بيحاول يصنعه.
وفي صباح اليوم التالي، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت.
سمعت صوت ست كبيرة بتتكلم بصعوبة
إنتِ مريم؟
أيوه، مين معايا؟
أنا نادية، مرات عم جوزك محمود.
اتجمدت.
نادية كانت عايشة في بيت تاني من سنين، بسبب خلافات قديمة بينها وبين عيلة أحمد.
ما كنتش بشوفها غير في المناسبات النادرة.
قالت بصوت مرتعش
أنا عرفت إنك بتدوري على الحقيقة. ولو عايزة تعرفي جهاز التتبع وصل لبيتنا ليه، لازم تيجي تشوفيني.
سألتها
بيتك فين؟
قالت العنوان.
كان في منطقة هادية في القاهرة، بعيد عن بيت العيلة.
وبعدين أضافت جملة خلت إيدي تبرد
بس تعالي لوحدك… لأن اللي حصل من سنين، لو أحمد عرف إني اتكلمت، مش هيخليني أشوف ابني تاني.
قفلت المكالمة.
فضلت باصة للموبايل.
نادية ما كانتش عشيقة أحمد.
كانت مرات عمه.
لكن ليه جهاز التتبع وصل عندها؟
وإيه اللي حصل من سنين؟
فتحت شنطتي، طلعت الورقة المزورة، وحطيتها جنب صورة جهاز التتبع.
وفجأة، بدأت أشوف خيط واحد بيربط كل حاجة ببعض.
مشروع جدي.
التوقيع المزور.
إصرار أحمد على التوكيل.
وجهاز التتبع اللي كان مستميت يعرف من خلاله أنا بروح فين.
كل ده كان بيوصل لحقيقة واحدة
أحمد كان عايز حاجة تخصني.
حاجة أكبر من الفلوس اللي المشروع بيكسبها.
وحاجة لو عرف إني اكتشفتها…
مش هيقدر يرجع خطوة لورا.
الجزء التالت الورق اللي جدي خبّاه قبل ما ېموت
تاني يوم الصبح، قلت لأحمد إني رايحة المنصورة أتابع شغل المشروع، وخرجت من البيت قبل ما يصحى.
ما كنتش عايزة أقوله إني رايحة أقابل نادية.
وصلت بيتها الساعة عشرة ونص.
كان بيت قديم في شارع جانبي هادي، بابه خشب بني، وقدامه شجرة ياسمين كبيرة.
فتحتلي نادية بنفسها.
كانت ست في أوائل الستينات، وشعرها الأبيض مربوط لورا، وملامحها باين عليها التعب.
أول ما دخلت، قفلت الباب بالمفتاح.
وبعدين بصتلي وقالت
إنتِ شبه جدك قوي.
الجملة دي خلتني أقف مكاني.
حضرتك كنتِ تعرفي جدي؟
هزت راسها.
أعرفه من قبل ما أحمد يتولد. عبد الرحمن الله يرحمه كان راجل محترم، وكان عنده مبدأ عمره ما تنازل عنه.
قعدت قدامها.
طيب ممكن تفهميني إيه علاقة جهاز التتبع بيكي؟
نادية حطت قدامي كوباية شاي، وقعدت قصادي.
الجهاز اللي إنتِ لقيتيه تحت عربيتك، كان أحمد حاطه علشان يعرف تحركاتك. ولما إنتِ نقلتيه لعربية نادين، الجهاز بدأ يتابع تحركاتها هي.
أنا عارفة ده.
نادين يومها كانت رايحة تقابلني.
اتنهدت.
هي بتيجي عندي كل فترة، علشان تساعدني في شوية مشاوير. أنا عندي مشاكل في رجلي، ومش بعرف أتحرك بسهولة.
سألتها
بس ليه أحمد كان مهتم يعرف هي بتروح فين؟
نادية سكتت شوية، وبعدين قالت
علشان هو فاكر إن عندي مستندات تخص مشروع جدك.
حسيت إن قلبي بيدق أسرع.
مستندات إيه؟
قامت من مكانها، ودخلت أوضة صغيرة، ورجعت ومعاها صندوق خشب قديم.
حطته على الترابيزة، وفتحت القفل.
جواه كان فيه مجموعة أوراق، وصورة قديمة لجدي، وصورة تانية ليه مع راجل أصغر منه بسنين.
الراجل ده كان الحاج محمود، عم أحمد.
رفعت الصورة.
إيه علاقة عمي محمود بالموضوع؟
نادية بصت للصورة بحزن.
جوزي كان شريك جدك في أول مشروع ليهم. قبل ما يبقى عندك بيت مريم للشاي والحلويات، كان فيه محل صغير جدًا، فتحوه سوا من أكتر من أربعين سنة.
استغربت.
جدي عمره ما حكى لي التفاصيل دي.
كل اللي كنت أعرفه إنه بدأ المشروع بمجهوده، وإنه تعب فيه لحد ما بقى عنده فروع في أكتر من مكان.
نادية كملت
محمود كان مسؤول عن الحسابات، وجدك كان مسؤول عن الإدارة والتوسع. وبعد سنين، حصل خلاف بينهم.
خلاف على إيه؟
على أرض.
فتحت ملف من الصندوق، وطلعت عقد قديم.
الأرض اللي اتبنى عليها أول فرع كبير للمشروع، كانت أرض ورثتها أمك عن عيلتها. جدك اشترى نصيب باقي الورثة، وسجّل الأرض باسم شركته. لكن قبل ما يتم التسجيل النهائي، محمود اكتشف إن فيه جزء من الأرض كان المفروض يتسجل باسمه هو كمان.
بصيت للعقد.
كان فيه أسماء كتير، وأختام قديمة، وتوقيعات.
نادية قالت
جدك عرض عليه فلوسه كاملة، وقاله ياخد حقه، لكن محمود رفض. وبعد فترة، اتفقوا إن كل واحد يحتفظ بنصيبه، وإن المشروع يفضل مستقل عن عيلة التاني.
سألتها
طيب إيه اللي حصل بعد كده؟
بعد ۏفاة أمك، جدك خاف إن الخلاف القديم يرجع تاني. خصوصًا إن أحمد كان بدأ يدخل في شغل الشركة، وكان شايف إن مشروع جدك فرصة كبيرة لعيلته.
أنا ما كنتش أعرف إن أحمد كان مهتم بالمشروع من قبل جوازنا.
نادية كملت
جدك جه عندي قبل ۏفاته بشهر، وسابلي أمانة.
مدت إيدها جوه الصندوق، وطلعت ظرف أبيض قديم.
كان مكتوب عليه بخط جدي
إلى مريم، لو حاولوا ياخدوا منها حقها.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
فتحت الظرف بإيدين بتترعش.
جواه رسالة قصيرة، وصورة من عقد ملكية، وورقة عليها ختم مكتب محاماة.
بدأت أقرأ.
مريم حبيبتي،
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى فيه حد حاول يتصرف في ممتلكاتك من غير علمك.
أنا عارف إنك هتستغربي إنك تلاقي أوراقك عند نادية، لكن هي أكتر واحدة أقدر أثق فيها في الموضوع ده.
مشروعك مش مجرد محلات وشاي وحلويات.
فيه أرض اشتريتها من سنين، وسجلتها باسمك، وهي الأرض اللي اتبنى عليها المخزن الرئيسي، واللي قيمتها النهارده أكبر بكتير من قيمة المشروع نفسه.
احتفظي بأصول العقود.
ومتوقعيش أي توكيل عام لأي حد، مهما كانت درجة قرابته منك.
ولو ظهر عقد عليه توقيعك قبل التاريخ اللي بلغتي فيه السن القانونية لإدارة ممتلكاتك، راجعيه كويس.
لأن فيه حد حاول من زمان يثبت إن ليه حق في الأرض دي.
جدك عبد الرحمن.
فضلت باصة