يوم فرحي اماني السيد
يوم فرحى اول ما دخلت الشقه اتفاجئت بحماتى واقفه قصادى وبتشد من دراعى الدهب اللى كنت لابساه وقالتلى بمنهتى التجبر
الدهب ده بيكون معايا واى فلوس او نقوط بيجي بيكون معايا انا
وأهلك لما يجوا بكره يجيبوا فطور الصباحيه او المواسم تعملى حساب الحاجه تيجى على عندى تحت وانا اوزع بمعرفتى
هسيبك تفرحى اول اسبوع ومن الأسبوع الجاى هتنزلى كل يوم مع باقى سلايفك تحت
وفطور الفرح بتاعك لما يجيى هتنزليه تحت وكلنا هناكل معاكى مافيش حاجه اسمها هاكل لواحدى طالما وافقتى تتجوزى فى بيت عيله يبقى تمشى على قواعد بيت العيله
وقفت مكاني مصدومة، ولسه فستان الفرح عليّا، وبصيت لجوزي مستنية منه يقول أي كلمة أو يعترض على اللي أمه بتقوله.
لكن الصدمة الأكبر إنه وطّى راسه وقال بهدوء:
ـ اسمعي كلام أمي… هي عارفة مصلحة البيت أكتر مننا كلنا.
حسيت وقتها إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
أنا كنت فاكرة إني داخلة بيت جوزي… طلع داخلة نظام وقوانين ماحدش قالي عليها.
حماتي أخدت علبة الدهب من إيدي وحطتها في دولاب عندها وقالت:
ـ ده أمانة عندي… ولما تحتاجيه ابقي قوليلي.
وفي تاني يوم الصبح، أهلي جم بالصباحية.
أمي كانت عاملة أحلى فطار وفرحانة إنها بتزورني أول زيارة بعد الجواز.
لكن أول ما دخلوا البيت، حماتي نزلت بنفسها استقبلتهم وقالت:
ـ اتفضلوا… حطوا الحاجة هنا.
وأشارت على أوضة الصالون تحت.
أمي استغربت وقالت:
ـ والبنت؟
ردت حماتي بسرعة:
ـ هتنزل دلوقتي.
نزلت وأنا مكسوفة ومش قادرة أبص في عين أمي.
لقيت كل الأكل اللي جابه أهلي متحط على السفرة الكبيرة، وسلايفي وأولادهم قاعدين مستنيين الأكل يتقدم.
حتى الكحك والحلويات اللي أمي كانت جايباهم مخصوص ليا، اتقسموا على البيت كله.
رجعت شقتي يومها وأنا مخنوقة.
ولما كلمت جوزي قولتله:
ـ هو أنا ماليش أي خصوصية في بيتي؟
بصلي باستغراب وقال:
ـ بيتك إيه؟ ده بيت العيلة… وكلنا واحد.
عدى أسبوع ورا أسبوع.
وبدأت أكتشف إن الموضوع أكبر بكتير من فطار صباحية أو شوية دهب.
مرتبي لو اشتغلت لازم يتسلم لحماتي.
أي هدية تجيلي لازم تعرف بيها.
أي زيارة لأهلي لازم تستأذن فيها.
حتى الأكل اللي بعمله في شقتي كانوا يعتبروا من حقهم يطلعوا ياخدوا منه وقت ما يحبوا.
وكنت كل يوم أقول لنفسي:
“اصبري… يمكن الأمور تتغير.”
لكن اللي حصل بعد كده خلاني أعرف إن اللي بيبدأ بالتنازل الصغير… ممكن يلاقي نفسه خسر كل حقوقه واحدة واحدة من غير ما يحس. :::
فى مره مره حماتى كانت رايحه فرح ولقتها لابسه كل دهبى قولت يمكن حابه تتمنظر بيه وهتقلعه تانى
لكن جت من الفرح وعدى يوم واسبوع واتنين ودهبى لسه لابساه كنت ببص لدهبى ونغسى البسه واتعايق بيه وافرح بيه لكن غير مسموح ومش عارفه ازاى اقولها تسيبهولى البسه
والموضوع ماوقفش عند الدهب اوقات ببقى نفسى اجييبلى اكله حلوه من بره نفسى فيها او حاجه ساقعه اشربها لكن كانت بترفض وتقولى انتى عايزه تضيعى فلوس ابنى على حاجات تافهه
طلبت منها مصروف ليه لكنها رفضت وزعقت
بقيت اخاف اكلمها او اطلب منها اى حاجه
الوضع كان بيتحول لسجن بجد، مش مجرد بيت عيلة، وكنت بحس إني “عزلة” أو مجرد حد موجود عشان يخدم ويسمع الكلام، مش زوجة وليها كيان.
بدأت أحس إني ببدأ أفقد شخصيتي، بقت حياتي كلها مراقبة، من أصغر تفصيلة في أكلي وشربي، لحد أكبر حاجة زي دهبي اللي كنت بشوفه على جسمها وهي بتتبختر بيه قدام الناس، وكأنه بقى بتاعها هي!
يومها، قررت أجمع شجاعتي، خصوصاً إني كنت محتاجة أشتري حاجات شخصية ضرورية، والوضع بقى لا يُطاق. نزلتلها الشقة تحت، قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إنه مسموع
ياترى هتعرف تكلمها وتاخد حقها ولا الظلم هتفضل سلبيه
نزلت السلالم، وكل درجة كنت بدوس عليها كانت بتزود ضربات قلبي، وكأن كل خطوة بتبعدني عن حريتي وبتقربني من “المواجهة” اللي كنت مرعوبة منها. دخلت الشقة من تحت، لقيتهم كلهم قاعدين، حماتي في صدر القعدة، وسلايفي حواليها بيسمعوا أوامرها، وأولادهم مالين المكان دوشة.
دخلت وصوتي طالع بالعافية، حاولت أبين إني هادية بس جوه مني بركان:
ـ يا طنط.. كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في كلمتين، محتاجة شوية حاجات شخصية، ومحتاجة.. محتاجة الدهب بتاعي علشان ورايا مناسبة قريبة وعايزة ألبسه.
ساد صمت غريب في الأوضة، الكل سكت وبصوا لي، حماتي رفعت راسها ببطء، نظارتها كانت نازلة على طرف مناخيرها، وبصتلي نظرة خلتني أحس إني عيلة صغيرة بتطلب مصروف.
ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت بصوت واطي بس فيه نبرة تهديد:
ـ مناسبة إيه اللي عايزة تلبسي فيها دهبك؟ وإيه الحاجات الشخصية اللي فجأة بقت ضرورية دي؟ إحنا مش لسه جايبين طلبات البيت من يومين؟ وبعدين الدهب ده “أمانة”، ولما ألاقي إنك بقيتي “مسؤولة” وتعرفي تمن الفلوس، وقتها أبقى أفكر.
جوزي كان قاعد جنبها بياكل ومطنش، ولا كأنه سامع حاجة. اتجمعت الدموع في عيني، بس مسكت نفسي بالعافية، وقولت:
ـ يا طنط، ده دهبي.. ملكي أنا، وأنا اللي محتاجاه، مش من حق حد يمنعني عنه.
هنا، قامت من مكانها وقربت مني، ووسط الكل قالت:
ـ أهلاً.. ده اللي كان ناقص! بقيتي “تتشرطي” في بيتي؟ يا بنتي افهمي، اللي بيدخل بيت العيلة بيسيب أهله وأفكاره بره، إنتي هنا زيك زي أخواتك، والكلمة هنا كلمتي، والقرار قراري. وعايزة نصيحة؟ ادخلي شقتك، واحمدي ربنا إن ابني صابر عليكي وعلى طلباتك اللي مش بتخلص، وقبل ما تطلبي دهب وفلوس، اسألي نفسك إنتي عملتي إيه للبيت ده عشان تستاهلي.
حسيت بـ “إهانة” تقيلة أوي، بصيت لجوزي، كان رده إنه قام وقف وقال ببرود:
ـ أظن أمي سمعتك الرد، اطلعي فوق يا سميحه ومتحرجيناش قدام الناس أكتر من كدة
طلعت السلم وأنا حاسة بمرارة في حلقي، رجعت شقتي، رميت نفسي على السرير وفضلت أعيط بحرقة. حسيت إني محبوسة في دايرة مقفولة، لا قادرة أخد حقي، ولا قادرة أواجه، ولا حتى قادرة ألمس أغلى حاجة عندي.
قعدت أفكر في كلام أمي زمان: “يا بنتي الجواز مودة ورحمة”.. فين المودة؟ وفين الرحمة في حياة بقت عبارة عن حسابات، وطلبات، وسرقة حقوق عيني عينك؟
في اللحظة دي، وأنا قاعدة لوحدي في الضلمة، قررت.. مش هفضل “الضحية” الساكتة. لو هما بيعتبروا الصمت ضعف، أنا لازم أوريهم إن السكوت كان لأجل العشرة، بس لما العشرة تتنسى، مفيش قدامي غير إني أسترد كرامتي، حتى لو كان التمن إني أكسر كل القوانين اللي فرضوهالي.
بدأت أدور في عقلي.. إيه أول خطوة ممكن أعملها عشان أرجع “أنا”؟
مسحت دموعي، وقمت غسلت وشي بمية ساقعة، وحسيت إن برودة المية دي هي اللي فقتني. مكنش قدامي غير حل واحد: “المقاومة الهادية”. لازم أسترد كياني، بس المرة دي بمكر مش بضعف.
تاني يوم، صحيت بدري قبلهم كلهم، ونزلت المطبخ اللي تحت، بس مش عشان أطبخ لهم ولا أخدمهم زي ما اتعودوا. دخلت الأوضة اللي حماتي بتخزن فيها “الدهب” والطلبات، وعارفة إنها دايماً بتحط المفتاح في درج التسريحة بتاعها اللي في أوضتها.
لقيت المفتاح.. قلبي كان بيدق زي الطبول، وإيدي كانت بتترعش، بس كان جوايا صوت بيقولي: “ده حقك، مش سرقة”. فتحت الدولاب ولقيت علبة دهبي.. لمست الغوايش والخاتم، حسيت بوجع في قلبي من كتر ما وحشوني. لبستهم بسرعة وحطيت علبة تانية فاضية مكانها، وقررت إني مش هقلعهم تاني، مهما حصل.
طلعت شقتي، لبست أحلى لبس عندي، وحطيت ميك أب خفيف، ووقفت قدام المراية.. لأول مرة من شهور، شوفت “أنا” تانية.
على الضهر، حماتي نادت بصوتها العالي اللي بيملأ البيت:
ـ يا سميحه . انزلي يلا، الغدا جاهز والضيوف داخلين.
نزلت وأنا رافعة راسي، وكل خطوة كانت محسوبة. دخلت الصالة، الكل كان موجود، حماتي بصتلي بصه استغراب وهي بتشوفني “متزينة” ولابسة دهبي في إيدي. عيونها اتسعت من الغضب، وقبل ما تفتح بوقها، قطعتها بصوت هادي وثابت:
ـ أهلاً يا طنط.. نهارك سعيد.
جوزي بصلي بصدمة، وجمود ملامحه اتكسر وبان عليه التوتر. حماتي قامت وقفت، وقالت بصوت مسموع للكل:
ـ إنتي إيه اللي إنتي لابساه ده؟ مش أنا قولت الدهب ده أمانة عندي؟ إنتي إيه اللي جابك الأوضة عندي؟
بصيت لها في عيونها، ومن غير ولا رعشة في صوتي قولت:
ـ ده دهبي يا طنط.. وأمانة ربنا إني أحافظ على مالي وألبس اللي يخصني. أنا مش طفلة عشان أستأذن في حاجتي الشخصية.
البيت كله سكت، الصمت كان تقيل لدرجة إني كنت سامعة صوت نفسي. جوزي قام وقف وقال:
ـ إنتي اتجننتي؟ اعتذري لأمي فوراً!
بصيت لجوزي، وبنبرة كلها ثقة ووجع ممتزج بالقوة قولتله:
ـ اعتذر؟ اعتذر عشان استرديت حقي؟ اعتذر عشان عايزة أحس إني ست في بيتي؟ يا فايق ، لو كنت عايزني في البيت ده كـ “خادمة”، فده مش الجواز اللي أنا دخلت عليه. ولو أهلك مش محترمين خصوصيتي، يبقى من حقي ألاقي البديل.
حماتي احمرّ وشها من الغيظ، وكانت هتنفجر، بس المرة دي، أنا ماخفتش. حسيت إن كل “التنازلات” اللي عملتها قبل كده كانت هي اللي مغذية جبروتهم، والنهاردة.. أنا اللي هحط القواعد.
Post Views: 1٬211
بقالنا 18 سنة أنا ومراتي ليلى بننام في أوض منفصلة.. طول عمرى كنت فاكر إن ده مجرد تعود أو روتين، بس النهاردة بس فهمت إن ده كان عقاب.
يوم الإثنين كان لازم أدخل المستشفى عشان أشوف موضوع الانسداد اللي في القلب ده. دكتور القلب كان صريح معايا لو الأمور مشيت وحش هنركب دعامة، ولو فضلت تعمل فيها سبع البرمبّة وتكابر، ممكن تروح فيها في أي لحظة.
عشان كدة، الصبح وإنا بنفطر بيض بالبسطرمة كأنه يوم عادي، قلت ل ليلى تطلب إذن من المدرسة اللي بتدرس فيها عشان تيجي معايا المستشفى.
محاولتش حتى تبص لي.. فضلت تلم الأطباق، وتغسل الكوبايات، وبترتب كل حاجة بهدوء يخوف أكتر من الزعيق.
قالت لي ببرود مش هقدر.. الامتحانات النهائية قربت، وعندي ضغط كبير مع فصول تالتة ثانوي.
رزعت المعلقة في الطبق وقلت بصوت عالي يعني إيه مش هتقدري؟ يا ليلى أنا ممكن يجيلي جلطة في أي لحظة!.
هنا لفت وشها وبصت لي.. اللي جمد الدم في عروقي مش الكلام، لأ.. دي كانت نظرتها.
قالت لي من سنتين، لما كنت بعمل عملية سـ ـرطانالثدي.. إنت كنت فين؟.
حسيت كأن حد دلق فوق راسي جردل مية بتلج.
كنت مسافر شغل.. كنت بعاين موقع في إسكندرية.
طرف شفايفها اتهز بحتة حركة.. مكنتش ابتسامة، كان احتقار.
والصور اللي على البحر اللي نزلتها وقتها.. دي برضه كانت تبع المعاينة؟.
سكت.. لساني اتعقد.
أيوة، سافرت.. وأيوة،
استغليت السفرية.. ونزلت صوري وأنا بضحك وبشرب حاجة ساقعة قدام البحر وهي داخلة غرفة العمليات. بس وقتها، بدل ما أعتذر، عملت اللي بعمله بقالي 25 سنة.. بدأت أدافع عن نفسي.
قلت لها ما العملية عدت على خير والحمد لله! وبعدين أمي كانت معاكي.
ليلى نشفت إيدها براحة، كأنها بتخلص حاجة وراها قبل ما تديني رصاصة الرحمة.
مامتك قعدت تلات أيام وروحت عشان ضهرها بيوجعها.. أختي هي اللي خدت إجازة وفضلت جنبي أسبوع.. إنت مجتش ولا يوم.
حولت أغير الموضوع.. أعمل نفسي مكسور.. أشد الكلام ناحية تعبي وساعة الحساب اللي أنا فيها. بس كان خلاص، الوقت فات.
قالت لي وهي بتعد إنت دايماً كدة.. اللي يخصك لازم يخلص دلوقتي وفوراً، واللي يخصني دايماً يستنى.. فاكر ليلة امتحان ابننا لما سهرت مع صحابك ورجعت الفجر؟ فاكر يوم عزا والدتي لما قلت عندك تسليم مهم ومجتش؟.
كل جملة كانت بتنزل عليا كأنها حكم محكمة متأجل من سنين.
شفتها وهي واقفة عند الباب، لابسة جزمتها وشايلة شنطتها على كتفها.. لسه مراتي، الست اللي عايش معاها بقالي ربع قرن، بس في اللحظة دي كانت غريبة.. غريبة زهقت مني ومن أنانيتي.
سألتها بكسرة وخوف حقيقي طيب ومين هياخد باله مني؟.
ليلى فتحت الباب وقالت كلم مامتك.. مش إنت دايماً تقول مفيش حد بيحبك قدها؟.
ومشيت.
البيت فجأة بقى فيه سكوت مرعب.. سكوت مش بيتسمع بس بيخنق. قعدت على الكنبة والنهجان زاد عليا.. طلعت قرصين تحت اللسان وغمضت عيني.
أنا عندي 48 سنة.. مهندس في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة.. طول عمري فاكر إني لسه بصحتي، وإن السهر والشغل والضغط مش هيحاسبوني دلوقتي.. لحد الأسبوع اللي فات.
كنت في الموقع وفجأة الدنيا اسودت في عيني.. حسيت بتقل على ص,,دري كأن حد حط بلاطة خـ ـرسانة فوقي. المهندس المقيم خدني جرى على الطوارئ.. رسم قلب، إشاعات، تحاليل.. وبعدين نظرة الدكتور اللي تخليك تتمنى الأرض تنشق وتبلعك.
لو اتأخرت أكتر من كدة، المرة الجاية مش هتلحقنا.
كلمتها من المستشفى.. ردت بعد تالت مرة.
أنا في الحصة.. خلص عايز إيه؟.
قلت لها تعبان وهدخل المستشفى.. سكتت ثواني.. كنت مستني كلمة ألف سلامة، بس مجتش.
إنت في مستشفى إيه؟ هعدي عليك وأنا مروحة.
وبس.. مفيش غير كدة.
ليلتها لما رجعنا البيت، دخلت أوضتها وصممت تقعد تصحح الكراسات لحد نص الليل.. وأنا فضلت في الأوضة الكبيرة مستنيها تدخل، تسأل، حتى تمثل إنها قلقانة.. محصلش. زي ال 18 سنة اللي فاتوا.. كل واحد نام في دنيا تانية.
بس النهاردة الصبح، لما شفتها ماشية من غير ما تبص وراها، في حاجة وقفت في زوري أصعب من وجع القلب.
مسكت الموبايل.. فكرت أكلم أمي، ابني، المستشفى.. مكلمتش حد.
فتحت فيسبوك.
مش عارف ليه.. يمكن كنت عايز أثبت لنفسي إنها بتبالغ.. أو يمكن عشان كنت عارف الحقيقة وبعاند.
دورت في ذكريات من سنتين.
وهناك شفتها..
صورتي على بحر إسكندرية.. بضحك ولابس النظارة والشمس مالية الوش.. وكأني ملك زماني.
وبصيت على التاريخ.
كان نفس اليوم..
ونفس الساعة..
اللي كانت ليلى فيها بتدخل العمليات.. لوحدها.
بعد ما شوفت الصورة، الموبايل وقع من إيدي على السجادة.. الرخامة اللي كانت كاتمة على ص,,دري مابقتش وجع قلب طبي، دي بقت خزي.
فضلت قاعد مكاني مش قادر أتحرك، والبيت حواليا بقى واسع وبارد بشكل يخوّف. الساعة دقت واحدة الظهر، ميعاد الدوا، بس مقمتش.. حسيت إن الدوا ملوش لازمة لو القلب نفسه شبعان قسـ . ـوة.
نمت مكاني على الكنبة، وصحيت المغرب على صوت مفتاح في الباب. كانت ليلى رجعت. قامت نورت النور، شافتني نايم بهدومي، محاولتش تصحيني ولا حتى سألت إنت لسه هنا؟. دخلت المطبخ، سمعت صوت الكاتل وهو بيغلي، وريحة شاي بالنعناع مالي المكان.
Post Views: 717
قمت وقفت على باب المطبخ، كنت باين زي العيل الصغير اللي ضايع من أهله.
بصيت لها وقلت بصوت واطي ومبحوح أنا شوفت الصورة يا ليلى.
وقفت وهي ماسكة الكوباية، وبصت لي ببرود أنهي صورة فيهم؟ صورك في الساحل؟ ولا في الجونة؟ ولا صور العزوم,,ات اللي كنت بتنزلها وأنا في عز وجعي؟.
قلت لها والدموع محبوسة في عيني صورة إسكندرية.. اللي كانت في نفس يوم عمليتك. أنا مكنتش متخيل إني كنت بالبشاعة دي.
حطت الكوباية على الرخامة وقربت مني، لأول مرة من سنين تقرب كدة. بس مكنش قرب حب، كان قرب مواجهة.
قالت لي بهدوء يقطع القلب عارف يا سامح، ال 18 سنة اللي نمنا فيهم في أوض منفصلة، كنت كل ليلة بستنى تيجي تخبط على بابي.. تقول لي وحشتيني، أو حتى تقول لي أنا آسف على أي حاجة. بس إنت كنت بتنام مرتاح، كأنك مش شايف إن في بني آدمة بتنطفي جنبك.
كملت وهي بتبتسم وجع السـ ـرطانلما جالي، محزنّيش قد ما حزنّي إني كنت بفتح الموبايل وأنا في الإفاقة، عشان أطمن عليك.. ألاقيك منزل صورة وأنت بتضحك وبتقول أحلى وقت مع البحر. يومها بس، السـ ـرطانم,,ات جوايا، ومعاه م,,ات كل شعور كنت شايلاه لك.
مديت إيدي أحاول أمسك إيدها، سحبتها بسرعة كأنها لمست نـ ـار.
ليلى، أنا بجد تعبان.. والعملية الصبح.. أنا محتاجلك.
بصت في الساعة وقالت أنا جهزت لك شنطتك، فيها غياراتك والتحاليل والأشعة. السواق بتاع الشركة تحت مستنيك عشان يوصلك المستشفى.. أنا بلغتهم إنك تعبان.
قلت لها بذهول يعني مش هتيجي معايا؟.
قالت وهي ماشية ناحية أوضتها زي ما قلت لك.. عندي امتحانات. وبعدين إنت مهندس كبير، وبتعرف تسلك أمورك في كل حفرة بتقع فيها.. والمرة دي، لازم تتعلم تسلك لوحدك.
دخلت الأوضة وقفلت الباب. السكّة دي مكنتش مجرد قفلة باب، دي
كانت تيتة النهاية لقصة خلصت من سنتين، وأنا بس اللي كنت فاكر إن العرض لسه مستمر.
نزلت السلم وأنا شايل شنطتي.. وفي طريقي للمستشفى، مكلمتش أمي ولا كلمت ابني. فتحت الموبايل، ومسحت كل صور السفر.. مسحت أحلى وقت مع البحر.. بس للأسف، مسح الصور مبيصلحش القلوب اللي اتكسرت.
وصلت المستشفى، وقبل ما أدخل غرفة العمليات، الممرضة سألتني مين الشخص اللي نتصل بيه لو حصل حاجة؟.
سكتت كتير.. وبصيت في السقف.. وقلت لها مفيش.. اكتبوا لا يوجد.
طلعت من العمليات بعد تلات ساعات. أول ما بدأت أفوق من البنج، عيني كانت بتدور في سقف الأوضة.. كنت مستني أشوف خيالها، أو أسمع صوت نفسها وهي قاعدة بتقرأ في المصحف جنبي زي ما كانت بتعمل زمان لما يجيلي شوية برد.
فتحت عيني بالعافية، لقيت الممرضة بتعدل لي المحلول. بصت لي بابتسامة باهتة وقالت حمد الله على السلامة يا بشمهندس، الدعامة ركبت والعملية نجحت.
سألتها بصوت طالع بالعافية محدش سأل عليا؟.
قالت وهي بتظبط الأجهزة ابنك كلمنا من المانيا واطمن، وقال إنه هيحاول ينزل في أقرب وقت.. والبشمهندس زميلك في الموقع عدا ساب لك ورد ومشي.
سكتت.. كنت عايز أسأل عن ليلى، بس خفت من الإجابة. خفت تقول لي إنها حتى مكلمتش المستشفى.
قضيت ليلتين في المستشفى لوحدي. الوحدة في المرض مابتوجعش الجسم، دي بتبيد الروح. كنت بشوف الرجالة اللي في الأوض اللي جنبي، ولادهم حواليهم وزوجاتهم بيأكلوهم بلقمة هنية، وأنا كنت باكل الأكل المسلوق وببلعه بمرارة ندم مش راضية تسيب زوري.
يوم الخروج، لقيت السواق مستني تحت. ركبت العربية وكنت حاسس إني غريب عن الدنيا كلها. وصلت البيت، فتحت الباب بالراحة.. ريحة بخور هادية كانت مالية المكان، وصوت التلفزيون جاي من الصالة.
لقيتها قاعدة، ماسكة كراسات التصحيح وف,,اتحة التلفزيون على قناة هادية. مكنتش ليلى اللي سابتني من يومين ببرود، كانت ليلى تانية.. ملامحها مجهدة، وعينيها باين فيها أثر سهر وتفكير.
وقفت في مكاني، الشنطة في إيدي، وقلت لها بصوت مهزوز أنا رجعت.
بصت لي بصه طويلة، فيها عتاب السنين كله، وبعدين قامت من غير ولا كلمة. دخلت المطبخ ورجعت بصينية عليها شوربة لسان عصفور سخنة وفراخ مسلوقة.
حطت الصينية قدامي وقالت بصوت هادي ومحايد كُل عشان تاخد دواك.. الدكتور اتصل بيا وقال لي إنك لازم ترتاح.
مسكت إيدها قبل ما تقوم، المرة دي متململتش، بس إيدها كانت ساقعة.. ساقعة زي تلج الشتا.
قلت لها ليلى.. أنا عارف إن الرصيد خلص، وعارف إن الاعتذار دلوقتي زي اللي بيحاول يحيي ميت.. بس أنا النهاردة بس شوفت نفسي بجد، وشوفتك إنتي كنتي شايلة إيه لوحدك.
بصت للإيد اللي ماسكة إيدها، وبعدين بصت لي وقالت بوجع عارف يا سامح.. أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تعيش لوحدك، الأصعب إنك تعيش مع حد ويخليك تحس إنك لوحدك. أنا مشيت السكة دي 25 سنة، والنهاردة أنا تعبت من المشي.
سكتت شوية وكملت أنا مش هسيب البيت، ومش هتخلى عنك في مرضك، لأني مش زيك.. بس متستناش مني أرجع ليلى القديمة. ليلى دي غرقت في بحر إسكندرية اللي كنت بتتصور قدامه وأنا بمـ ـوت.
سابت إيدي ودخلت أوضتها، وقفلت الباب تاني.
قعدت أكل الشوربة، وطعمها كان مخلوط بدموعي اللي نزلت غصب عني. عرفت إن القلب اللي ركبوا له دعامة ممكن يعيش، بس البيت اللي اتهد فيه الأمان محتاج معجزة عشان يتبني تاني.
فهمت إن الرصيد مش فلوس في البنك، الرصيد هو أنا كنت فين لما هي احتاجتني؟. وللأسف، أنا كنت دايماً في المكان الغلط، في الوقت الغلط.
بصيت لشنطتي المرمية في الصالة، ولقطعة البيت اللي بقت زي السجـ ـن، وعرفت إن أصعب أنواع العقاب مش الحبس.. هو إنك تعيش مع اللي بتحبه في بيت واحد، وبينكم باب مقفول.. مبيفتحوش غير الواجب، وبيمـ,ـوّته التعود.
بقلم انجي الخطيب
Post Views: 717
أحمد فضل باصص للشاشة ومتردد ينطق، وجسمه كله تيبّس ورا الدريكسيون. مريم مسكت في كتفي بخوف، والنَفَس اللي صدقنا إنه رجع لنا كتم في صدورنا تاني.
“أنطق يا أحمد! في إيه؟” ص*رخت فيه بصوت مخنوق والقلب دق دقات سريعة ورا بعضها.
أحمد لف وشه لينا، وعينيه كانت مبرقة بذهول حقيقي: “أمي.. الظابط بيقول الهارد مش عليه بس الفيديوهات المتفبركة بتاعة مريم.. الهارد عليه ملفات كاملة باسم (دفتر مواليد 88).. ملفات فيها صور، وبيانات، وعناوين لشباب وبنات كتير من نفس جيلنا، كلهم من طنطا والمحافظات القريبة!”
مريم شهقت وحطت إيدها على بقها، وأنا حسيت برعشة في ضهري.. “دفتر مواليد 88؟!” الكلمة رنت في ودني وصحّت جوايا شكوك قديمة. مدحت ومريم كانوا زمايل جامعة، ومن جيل واحد.. بس إيه اللي يخلي مدحت يجمع بيانات جيل كامل؟
أحمد كمل وصوته بيفقد ثباته: “الظابط بيقول إن مدحت والمهندس اللي معاه مكنوش بيعملوا كدة لمجرد حبس مريم أو السيطرة عليها.. دول جزء من شبكة أكبر، شبكة بتستهدف جيل معين، بيراقبوا بيوتهم، ويعرفوا مين مسافر ومين عايش لوحده، ويستخدموا الذكاء الاصطناعي عشان يزوروا فيديوهات ومكالمات لأهاليهم، ويوهموهم إن كل حاجة تمام.. بينما الحقيقة إنهم بيتم ابتزازهم أو استغلالهم في تصفيات حسابات قديمة وتجارة مشبوهة!”
“يعني إيه؟” مريم سألت بدموع وعياط: “يعني أنا مكنتش ضحية لشكوكه وغريزته وبس؟ أنا كنت مجرد رقم في دفتر؟”
أحمد داس بنزين وتوجه بالعربية لمديرية الأمن بناءً على طلب الظابط. طول الطريق وعقلي شغال زي المكنة. افتكرت كلام مدحت يوم التخرج لما قال “بلدنا فيها مشاريع ومستقبل ولازم أرجع أرد الجميل”.. المستقبل اللي كان يقصده مكنش مشاريع معمارية، كان مشروع إجرامي منظم تكنولوجياً بيدار من قلب البيوت المعزولة في الصعيد، بعيد عن عيون الحكومة.
وصلنا المديرية، الأجواء كانت مشحونة، وعساكر وضباط داخلين خارجين بملفات. الظابط المسؤول استقبلنا في مكتبه، وكان حاطط الهارد الخارجي قدامه واللابتوب شغال.
بص لنا بجدية وقال: “يا حاجة.. ابنك أحمد أنقذ مريم، بس بالهارد ده هو فتح عش دبابير. مدحت اعترف تحت الضغط إن في (رأس كبيرة) في القاهرة هي اللي بتمول التكنولوجيا دي، وبتشتري منهم البيانات والفيديوهات المتفبركة عشان يبتزوا رجال أعمال وشخصيات ليهم ثقل، من خلال عيالهم اللي من مواليد السنين دي.”
الظابط التفت لأحمد وكمل: “الشبكة دي لما هتعرف إن الهارد اتكشف، مش هيرحموا حد.. إحنا أمنّا مدحت والرجالة هنا، بس أنتوا لازم تطلعوا على طنطا تحت حراسة، لحد ما نجيب بقية الخيوط.”
خرجنا من المكتب وجسمنا بيترعش من حجم المؤامرة. مريم كانت بتبص للأرض بكسرة، حاسة إن حياتها وجوازتها كانت كذبة كبيرة ومخططة من أول يوم دخل فيه مدحت حياتها في الجامعة.
أحمد وقف برة في الممر، ملامحه رجعت قوية وعنيفة تاني. مسك الشاقوف (البلطة الصغيره) اللي كانت لسة في جيب الجاكيت، وبص لها بضيق: “الظاهر الشوك طلع كتير أوي في السكة دي يا أمي.. والبلطة دي مش هتقعد في الشنطة كتير.”
“هنرجع بيتنا يا أحمد، والشرطة هتقوم بواجبها،” قولتله وأنا بحاول أطمن نفسي قبل ما أطمنهم.
ركبنا العربية، وتحركت معانا عربية بوكس حراسة من مديرية الأمن لتأمينا لحد حدود المحافظة. الطريق السريع كان هادي، والنور كشف كل حاجة.. بس الغموض اللي جوة الملفات كان لسة مغطي على قلوبنا.
Post Views: 855
طول الطريق، كنت باصة لمريم اللي نامت من التعب والإرهاق على الكنبة الورانية. كنت بفكر في “دفتر مواليد 88”.. الاسم ده مش غريب عليا، ده السجل اللي جوزي الله يرحمه كان بيكتب فيه ملاحظات زمان عن شغل قديم ليه في المحاماة وقضايا تزوير كبيرة! هل الموضوع ليه علاقة بالماضي؟ هل مدحت اختار مريم بالذات عشان ينتقم من حاجة قديمة؟
فجأة.. على بعد كيلومترات قليلة من استراحة الطريق الصحراوي، عربية الحراسة اللي كانت سايقة قدامنا فرملت وعملت صوت احتكاك مرعب.. ووقفت تماماً.
أحمد وقف العربية وراهم علطول. بصينا قدام.. لقينا عربية نقل ضخمة، قالبه مقطورتها في نص السكة وقافلة الحارتين، ومفيش أي أثر لسواق النقل.
عساكر الحراسة نزلوا من البوكس بحذر وشايلين س*لاحهم، وبيقربوا من المقطورة المقلوبة. وفي اللحظة دي.. النور كله انطفأ في أعمدة الإنارة بتاعة الطريق، وكأن حد فصل الكهرباء عن المنطقة كلها!
سمعنا صوت ضر*ب نار كثيف وجاي من وسط الجبل المحيط بالطريق.. ض*رب نار مش عشوائي، ده ضر*ب موجه لـ عربية الحراسة!
أحمد وطى راسه وجر مريم تحت الكراسي: “أمييي! اتخفضي!”
وسط ض*رب النار والظلمة الكحل، شفت من شباك العربية خيالات لرجالة لابسين أسود في أسود، نازلين من المدقات الجبلية ومعاهم أجهزة لاسلكي.. وواحد منهم كان ماسك جهاز تابلت منور، وبيتكلم بصوت حاد وواضح وسط الرصاص: “هاتوا الشنطة.. والهارد لازم يرجع قبل ما يوصل طنطا! تابعو صفحه رومانى مكرم
الرصاص كان بينهش في صاج العربية زي المطر، وصوت ضر*ب النار كان بيزلزل سكات الصحراء. أحمد كان مغطيني أنا ومريم بجسمه وهو كاتم أنفاسنا برعب: “أمي.. أوعي ترفعي راسك! دول مش جايين يهربوا مدحت.. دول جايين يمحوا الدليل ويمحونا معاه!”
من تحت الكراسي، شفت عربية البوكس بتاعة الحراسة وهي بتتغربل بالرصاص، والعساكر بيحاولوا يستخبوا ورا الصاج ويردوا على مصدر الض*رب، بس الهجوم كان مفاجئ ومن كذا ناحية. الظلمة كانت كحل، ومفيش نور غير فلاشات الرصاص اللي بتنور وتطفي زي الكوابيس.
الراجل اللي شايل التابلت برة بدأ يقرب من عربيتنا بخطوات واثقة، وصوته الأجش كان بيعلم على اللاسلكي: “اخلصوا.. اقلبوا العربية وجيبوا الهارد اللي معاهم، الـ “رأس الكبيرة” مش هيرحم حد لو الفايلات دي اتسربت برة الصعيد.”
أحمد في اللحظة دي ملامحه اتحولت لكتلة غض*ب وعينه لمعت بنور غريب. مد إيده تحت الكرسي وسحب البلطة الصغيرة ومسن الحديد في إيده التانية. بصلي ونظراته كانت بتودعني: “أمي.. لو قربوا من العربية، أنا هفتح الباب وأشتتهم.. أول ما تلاقيني نزلت، اتسحبي أنتِ ومريم من الباب التاني واجروا ورا المقطورة المقلوبة في الضلمة، متقفيش ومتبصيش وراكي!”
“لأ يا أحمد! مش هسيبك!” صر*خت والدموع حارقة عيني، بس هو مسمعش كلامي.
الراجل أبو تابلت وصل لحد باب السواق، ومد إيده عشان يفتح الباب وهو رافع س*لاحه. في الجزء من الثانية ده، أحمد سبق وفزع الباب بكل قوته في وش الراجل.. الباب خبط في صدره ورجعه لورا، وفي لمح البصر أحمد نزل زي الطلق.
شفت أحمد وهو بيرفع البلطة وبينزل بيها بكل غله على إيد الراجل اللي شايلة الس*لاح. الراجل صر*خ صر*خة هزت المكان والس*لاح وقع منه. أحمد مأداش له فرصة، وبظهر مسن الحديد *ضر*به ض*ربة قوية على دماغه وقعته مكانها ج*ثة هامدة.
اللاسلكي اللي في جيب الراجل وقع على الأرض، وصوت برة بدأ يندفع منه بزعيق وهستيريا: “يا عوض! إيه عندك؟ خلصت؟”
أحمد وطى بسرعة، أخد الس*لاح الآلي بتاع الراجل والتابلت المنور، وزعق فيا بصوت جهوري وهو بيض*رب نار في الهوا عشان يغطي علينا: “اجري يا أمي!! حالااااً!”
سحبت مريم اللي كانت بتترعش ومش قادرة تقف على رجليها، فتحت الباب السري الوراني واتسحبنا وسط عتمة الليل الكاحلة. زحفنا على الرمل وعيوننا مليانة تراب لحد ما استخبينا ورا عجل المقطورة الضخمة المقلوبة في نص الطريق.
من ورا العجل، كنت شايفة المشهد مرعب.. أحمد كان واقف ورا صاج عربيتنا بيتبادل ض*رب النار مع بقية الرجالة اللي نازلين من الجبل كأنه أسد بيحارب في غابة. كان بيضر*ب بذكاء ويغير مكانه كل ثواني عشان يوهمهم إن في قوة كاملة بتحاربهم. عساكر الحراسة لما شافوا أحمد بيقاوم، اتشجعوا وبدأوا يضغطوا على المهاجمين من الناحية التانية.
مسكت التابلت اللي أحمد رماه في حضني قبل ما ينزل، الشاشة كانت لسة منورة.. وفتحت عيني على آخرهم لما شفت الفايل المفتوح.
كان فيه خريطة مرسومة، وفي نصها كلمة واحدة مكتوبة بالخط العريض فوق اسم “طنطا”: (الهدف القادم: أرشيف محاماة ماكرم – تصفية الحساب القديم).
جسمي كله قشعر وعرقت في ثانية.. الشك اللي جالي في المديرية طلع حقيقة! الموضوع مش مجرد شبكة ابتزاز عشوائية.. “دفتر مواليد 88” ده سر قديم من أسرار جوزي الله يرحمه، ومدحت كان مجرد طُعم دخل بيت تلميذه عشان يوصل للسر ده!
صوت ض*رب النار بدأ يهدى فجأة.. وسمعت صوت سرينات إسعاف وقوات دعم تانية جاية من بعيد، أنوارها الزرقا والحمرا بدأت تقطع ضلمة الصحراء. الرجالة المهاجمين لما شافوا الدعم، بدأوا ينسحبوا ويجروا في الجبل زي الفئران.
“أحمد!!” صر*خت بأعلى صوتي وجريت من ورا المقطورة وأنا ساندة مريم.
وصلت للعربية.. لقيت أحمد ساند ضهره على الإكصدام، عرقان، وهدومه متبهدلة دم وتراب، والآلي في إيده بيطلع دخان.. بس كان بيتنفس وصاحي. أول ما شافنا، رمى الس*لاح وجري علينا حضننا إحنا الاتنين: “أنتوا كويسين؟ حصلكم حاجة؟”
“إحنا بخير يا حبيبي.. بخير بفضلك.” قولتله وأنا ببوس راسه وإيدي بتترعش.
قوات الدعم وصلت والمكان اتقلب كشافات ونور عمى عيوننا. الظابط الكبير نزل وجري علينا وعلى العساكر المصابين. أحمد سلم الس*لاح والتابلت للشرطة، وبص للظابط بملامح حاسمة: “الشبكة دي مش في الصعيد بس يا فندم.. الرأس الكبيرة والهدف الحقيقي مستنينا هناك.. في طنطا!”
الظابط بص في التابلت ووشه اتقلب: “الحاجة دي لازم تتحرك تحت حراسة مشددة فوراً لمديرية أمن الغربية.. اللعبة كبرت وبقت قض*ية أمن دولة.”
ركبنا عربية تانية تابعة للشرطة، مأمنة ومصفحة، وتحركنا في وسط أسطول من العربيات متوجهين لبلدنا. مريم كانت حاطة راسها على كتفي، وعينها على الطريق.. الخوف اتلاشى وحل مكانه رغبة قوية في المواجهة. أحمد كان قاعد جنب السواق، ماسك البلطة الصغيرة في إيده، بيمسح الدم من عليها ببرود وثبات.
عربيات الحراسة كانت بتنهش الطريق السريع، وأنا عيني مش مفارقة الشباك.. كنا داخلين على معركة تانية، معركة فتح دفاتر القديم.. والوصول للرأس الكبيرة اللي حركت كل الكابوس ده.
وصلنا لطنطا وسط حراسة أمنية مشددة، وكأننا داخلين في قلب عاصفة. مديرية أمن الغربية كانت في حالة استنفار، والظباط كانوا بانتظارنا ومعاهم أوامر مباشرة من القاهرة بخصوص “دفتر مواليد 88”.
أحمد نزل وهو ماسك الهارد والتابلت كأنه ماسك س*لاحه في الحرب. دخلنا مكتب مدير الأمن، وهناك، شفت راجل في الخمسينات، وقور بس عينيه فيها نظرة شريرة ومكارة، قاعد ومكلبش.. ده كان “محامي كبير” في طنطا، زميل قديم لجوزي، كان الكل بيحترمه، بس طلع هو “الرأس الكبيرة” اللي بيحرك الخيوط من ورا الستار.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة صفراء وقال بصوت هادي: “أهلاً يا أم أحمد.. جوزك الله يرحمه كان دايماً ذكي، بس كان متمسك بمبادئ تافهة في وقت كان ممكن نملك فيه الدنيا كلها.”
الدم غلى في عروقي، سيبت إيد أحمد وطلعت خطوة لقدام، وبصيت في عين المحامي ده: “جوزي كان راجل شريف، ومات وهو رافع راسه.. أنت يا حقير كنت بتسرق أعمار الشباب، بتتاجر بيهم وبتستغل التكنولوجيا عشان تبتز الناس اللي عرقوا وتعبوا!”
المحامي ضحك بهدوء: “التكنولوجيا س*لاح يا ست الكل.. ومريم بنتك كانت مجرد (كود) دخلته في النظام عشان أستدرجك وأستدرج الملفات اللي كانت مع جوزك.”
أحمد فقد أعصابه، زق الكرسي اللي كان قاعد عليه وطلع “البلطة الصغيرة” من جيبه وحطها على المكتب بقوة لحد ما الخشب اتشطب: “البلطة دي يا حضرة المحامي، هي اللي قطعت الشوك اللي أنت زرعته في طريقنا.. وهي اللي هتقطع خيوط لعبتك دي للأبد.”
المدير أخد التابلت والملفات اللي على الهارد، وبدأ يطابق البيانات اللي فيها بقضايا فساد ومحاضر تزوير قديمة، وبدأ يظهر اسم المحامي ده في كل ملف. اتضح إن الشبكة دي كانت بتستخدم “الذكاء الاصطناعي” عشان تزور مستندات ملكية أراضي وشركات لرجال أعمال متوفيين أو خارج البلاد، وتستولي عليها وتبيعها بعقود مزورة باستخدام “توقيعات إلكترونية” متفبركة.
التحقيقات استمرت ساعات طويلة. خرجنا من المديرية والشمس كانت بتميل للغروب، كأنها بتطوي صفحة سوداء من حياتنا. مريم كانت واقفة جنبي، ماسكة إيدي بقوة، وبصتلها لقيت فيها قوة جديدة.. قوة اللي مرّ بمو*ت وخرج منه للحياة.
بعد أسابيع، القض*ية اتنظرت قدام المحكمة، والحكم كان قاسي وعادل. المحامي والشبكة اللي معاه اتسجنوا لفترات طويلة، ومدحت أخد جزاءه، وعرفت إن فيه ناس تانية كتير كانت ضحية ليهم بدؤوا يرجعوا حقوقهم بعد ما الشرطة فكت شفرات الدفتر ده.
رجعنا لبيتنا في طنطا.. البيت اللي كنت فاكراه ضيق، بقى واحة أمان. أحمد رجع لشغله، وبدأ يخطط لفتح مشروع صغير، ومريم رجعت لحياتها الهادية، وبدأت تتعافى نفسياً، وبمساعدة دكاترة، بدأت تطلع طاقتها في الرسم، لوحاتها كانت جميلة ومليانة ألوان حياة.
أنا.. بقيت أم تانية. بقيت أم عندها “بلطة” بتدافع بيها عن حقها، وأم اتعلمت إن الخوف عمره ما كان حامي، وإن الحقيقة مهما اتخبت ورا شاشات وذكاء اصطناعي، لازم في يوم تظهر وتكسر قيدها.
آخر يوم قبل ما نبدأ حياتنا الجديدة، طلعت البلطة الصغيرة من الشنطة، مسحتها بقطعة قماش، وحطيتها في درج المكتبة اللي جوزي كان بيسيب فيه أوراقه القديمة.. جنب صورة جوزي.
بصيت للصورة وقلت بصوت واطي: “أنا حاميتهم يا أبو أحمد.. أنا و”البلطة” رجعنا حقنا، ورجعنا الأمان لبيتنا.”
مريم دخلت عليا، حضنتني وقالت: “يا ماما، إحنا لسة عندنا حياة طويلة.. كفاية وجع، خلينا نبدأ نعيش.”
هزيت راسي وابتسمت. الشمس كانت بتغرب في الأفق، ونورها كان بيملى البيت، ونور حياتنا.. اللي مفيش “ذكاء اصطناعي” في الدنيا يقدر يزوره، كان لسة بيزيد ويحلى.
النهاية.