انا متجوزه ج٣ حكايات روماني مكرم

عدت ثلاثة أيام، ومريم لسه في المستشفى تحت الملاحظة.

 

أحمد رفض يرجع البيت.

 

كان بينام على الكرسي اللي جنب سريرها، وكل ما تفتح عينيها تلاقيه قاعد ماسك إيدها.

 

في اليوم الرابع، الدكتور قال

 

“الحمد لله حالتها بقت مستقرة، لكن لازم ترتاح فترة طويلة، وممنوع أي مجهود.”

 

أحمد هز رأسه وقال

 

“حتى لو هجيب حد ينضف البيت كل يوم، مش هخليها تشيل كباية مية.”

 

مريم ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى.

 

لكن وهي خارجة، بصتلي من بعيد.

 

أنا كنت واقفة في آخر الممر، ودموعي بتنزل.

 

حاولت أقرب منها.

 

لكنها استخبت ورا أحمد تلقائيًا.

 

الحركة دي كسرتني.

 

أحمد شافها، وقال بهدوء

 

“خلاص يا مريم… محدش هيجبرك تكلمي حد.”

 

رجعنا البيت.

 

أول حاجة عملها أحمد إنه دخل أوضة مريم.

 

شال المكتب القديم، وجابلها سرير جديد، وستارة بلون كانت بتحبه، ورف صغير للكتب، وحط ألعاب كان نفسه يجيبهالها من زمان لكنه كان فاكر إنها كبرت عليها.

 

لما دخلت الأوضة، فضلت واقفة تبص حواليها.

 

قالت وهي بتبتسم

 

“دي… دي أوضتي؟”

 

أحمد ضحك لأول مرة من أيام.

 

“أيوه… أوضتك يا هانم.”

 

مريم جريت حضنته وهي بتعيط.

 

أما أنا…

 

كنت قاعدة في أوضة النوم لوحدي.

 

لا أحمد بقى يدخل الأوضة، ولا يكلمني.

 

بقى ينام في الصالة جنب أوضة مريم.

 

ولو احتاج حاجة، يكلمها هي أو يكلم عمته بالتليفون.

 

عدى أسبوع كامل بالشكل ده.

 

وفي يوم، أحمد قال

 

“بكرة هنروح عند المحامي.”

 

قلبي وقع.

 

قلت

 

“علشان الطلاق؟”

 

رد من غير ما يبصلي

 

“علشان أعرف حقوق كل واحد.”

 

قضيت الليلة كلها بعيط.

 

افتكرت كل لحظة ظلمت فيها مريم.

 

لما كنت أصحيها قبل الفجر.

 

ولما كنت أخوفها باسم جوز خالتها.

 

ولما كنت أضربها لو تعبت.

 

ولما كنت آكل وهي تستنى البواقي.

 

أول مرة حسيت بثقل كل اللي عملته.

 

الصبح، قبل ما أحمد ينزل، لقيته بيجهز شنطة مريم.

 

سألته

 

“رايح فين؟”

 

قال

 

“هفسحها.”

 

استغربت.

 

قال وهو بيبتسم لمريم

 

“من سنتين وهي ماشافتش غير البيت والمدرسة… النهارده هنروح الملاهي.”

 

مريم فرحت بطريقة طفولية.

 

فضلت تنط وتلف حوالين نفسها وهي بتقول

 

“بجد يا أبيه؟”

 

“بجد.”

 

راحوا طول اليوم.

 

ركبوا الألعاب.

 

وأكلوا آيس كريم.

 

واشترالها فستان جديد وحقيبة مدرسة.

 

ولما رجعوا، كانت مريم بتحكي بحماس عن كل حاجة حصلت.

 

وفجأة وقفت قدامي.

 

وسكتت.

 

وبعدين مدتلي شوكولاتة صغيرة كانت في إيدها.

 

وقالت بخجل

 

“دي ليكي.”

 

أنا بصتلها باستغراب.

 

قلت

 

“بعد كل اللي عملته فيكي… لسه بتديني شوكولاتة؟”

 

قالت وهي مبتسمة ابتسامة بريئة

 

“أبيه بيقول إن اللي يسامح ربنا يحبه… وأنا نفسي ربنا يحبني.”

 

الكلمات دي نزلت عليا كأنها جبل.

 

انهرت في العياط.

 

ونزلت على ركبتي قدامها.

 

قلت وأنا ببكي

 

“سامحيني يا مريم… والله سامحيني.”

 

مريم بصت لأحمد.

 

أحمد قال لها بهدوء

 

“قرار المسامحة ده بتاعك إنتِ… محدش يقدر يجبرك عليه.”

 

وقفت مريم محتارة، ثم قربت بخطوات بطيئة، وحضنتني حضنًا خفيفًا.

 

لكن أحمد كان واقف يراقب المشهد في صمت.

 

كان واضح إن مريم بدأت تسامح بقلبها الصغير…

مرت أسابيع، والبيت اتغير تمامًا.

 

مريم بقت ترجع من المدرسة تلاقي أحمد مستنيها، يقعد يذاكر لها بنفسه، ويعمل لها الأكل، وكل يوم يطمن عليها.

 

أما أنا، فكنت أشوف كل ده من بعيد.

 

ولا مرة أحمد رفع صوته عليّ، لكنه أيضًا ما رجعش يعاملني كزوجته.

 

كان الكلام بينا في أضيق الحدود.

 

وفي يوم، لقيت مريم داخلة عليا الأوضة.

 

وقفت على الباب وقالت

 

“أبله.”

 

رفعت رأسي بسرعة.

 

من يوم اللي حصل وهي أول مرة تناديني.

 

قالت

 

“هو إنتي لسه زعلانة؟”

 

دموعي نزلت.

 

قلت

 

“أنا اللي المفروض أقولك كده.”

 

قربت مني وقعدت.

 

قلت لها

 

“أنا عارفة إن مفيش حاجة هتمحي اللي عملته، لكن كل يوم بصحى وأنا ندمانة.”

 

مريم سكتت شوية.

 

وبعدين قالت

 

“أنا كنت كل يوم بدعي ربنا يهديكي.”

 

بكيت أكتر.

 

قلت

 

“وهو استجاب دعاكي… بس بعد ما ظلمتك.”

 

في نفس الوقت، أحمد كان واقف برة الأوضة، وسمع الكلام كله من غير ما ندري.

 

بعد أيام، أحمد طلب مني أقعد معاه في الصالة.

 

كان قدامه ورقة الطلاق.

 

قلبي وقع.

 

قال بهدوء

 

“أنا روحت للمحامي، والورق جاهز.”

 

بصيت للورقة، وحسيت إن حياتي بتنتهي.

 

لكنه كمل كلامه.

 

“لكن قبل ما أمضي… هسألك سؤال.”

 

هزيت رأسي.

 

قال

 

“لو رجع بيكي الزمن… كنتي هتعملي اللي عملتيه؟”

 

قلت من غير تفكير

 

“والله لا… ولو أقدر أرجع كل دمعة نزلت من مريم كنت عملت.”

 

سكت.

 

وقال

 

“الندم سهل… لكن تغيير الإنسان هو اللي صعب.”

 

في اللحظة دي، خرجت مريم من أوضتها.

 

بصت للورقة.

 

وفهمت إنها ورقة طلاق.

 

جريت عند أحمد، ومسكته من إيده.

 

وقالت وهي بتعيط

 

“يا أبيه… متطلقهاش.”

 

أنا اتصدمت.

 

وأحمد كمان.

 

قال لها

 

“ليه؟”

 

قالت

 

“لأنها اتغيرت.”

 

سكتت لحظة.

 

“بقالها شهر كل يوم تصحيني علشان الفطار يكون جاهز، وترفض تخليني أشيل أي حاجة، وكل يوم تدخل أوضتي بالليل تغطيني وأنا نايمة، وتفتكر إني مش حاسة.”

 

بصيت لمريم وأنا مش مصدقة إنها كانت ملاحظة كل ده.

 

كملت

 

“وأنا كل يوم كنت بصحى ألاقيها قاعدة تصلي وتعيط.”

 

أحمد بصلي.

 

كانت أول مرة يبصلي من غير غضب.

 

قال

 

“الكلام ده حقيقي؟”

 

هزيت رأسي وأنا ببكي.

 

“من يوم اللي حصل وأنا بدعي ربنا يسامحني الأول… وبعدها مريم.”

 

فضل ساكت وقت طويل.

 

بعدها مسك ورقة الطلاق.

 

وبص فيها.

 

ومزقها بهدوء.

 

قال

 

“أنا مسامحتش اللي حصل.”

 

سكت.

 

“وممكن عمري ما أنساه.”

 

ثم نظر إليّ وقال

 

“لكن هديكي فرصة واحدة… فرصة أخيرة.”

 

دموعي نزلت بغزارة.

 

قلت

 

“أوعدك… عمري ما هكسر الأمانة تاني.”

 

من يومها، الحياة بدأت ترجع بالتدريج.

 

مريم بقت تعاملني بمحبة، لكن الثقة رجعت ببطء.

 

وأنا بقيت أعتبرها بنتي قبل ما تكون أخت جوزي.

 

كنت أوصلها المدرسة، وأحضر لها الأكل اللي بتحبه، وأحتفل بنجاحها، وأعتذر لها بالفعل قبل الكلام.

 

عدت السنوات.

 

وكبرت مريم.

 

دخلت كلية كانت بتحلم بيها، واتخرجت بتقدير كبير.

 

وفي يوم فرحها، كانت لابسة فستان أبيض بسيط، وجريت حضنتني قبل ما تخرج من البيت.

 

وقالت قدام كل الناس

 

“دي مش مرات أخويا… دي أمي التانية.”

 

انهرت في البكاء.

 

أما أحمد، فابتسم لأول مرة وهو مرتاح.

 

ولما جه يسلمها لعريسها، همس في ودنها

 

“أبوك وأمك لو كانوا عايشين، كانوا هيفخروا بيكي.”

 

ابتسمت مريم وسط دموعها.

 

وبعد ما خرجت من البيت، بص أحمد ليا وقال

 

“فاكرة اليوم اللي دخلت فيه ولقيتها بتغسل السجادة؟”

 

قلت بصوت مكسور

 

“أنساه إزاي.”

 

ابتسم وقال

 

“كان أسوأ يوم في حياتنا… لكنه كان بداية إننا نتغير للأحسن.”

 

بعد سنوات طويلة، كان البيت مليان ضحك أولادنا وأولاد مريم، ولم يعد أحد يتذكر السجاد الذي كانت تغسله الطفلة الصغيرة… لكن الجميع تذكر الدرس الذي تركته تلك الأيام:

 

الأمانة لا تُقاس بالكلام، وإنما بما نفعله حين لا يرانا أحد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *