تورتة حكايات رومانى مكرم ٢
انقبضت صدورنا الثلاثة في نفس اللحظة، وتجمّدت حركة طارق ومحمود فوق جثة مريم التي كانت تفارق الحياة بتشنجات مرعبة على أرضية الصالة.
الصوت القادم من ظلام المطبخ لم يكن مجرد صدى أو تهيؤات.. كان صوت خطوات بطيئة واثقة تتجه من المطبخ نحو الصالة، تتبعها برودة مفاجئة سرت في أرجاء الشقة كأن باب ثلاجة عملاقة فُتح في وجوهنا.
محمود بص لجثة أخوه المرمية في الأوضة، والدم الأسود اللي مالك السجادة، وبعدين بص لناحية المطبخ وعينيه محقونة بالدم والذهول: “ده.. ده صوت طارق أخويا! إزاي؟! هو مش ميت قدامنا جوة؟!”
طارق جوزي وقف بشويش، سحب زهرية ورد رخام تقيلة من على الطاولة، وشاورلي بإيده إني أرجع لورا. كنت حاسة إن أرجلي مش شيلاني، ضهري لزق في الحيطة وطعم الدم في بؤي بيزيد مرارة.
من عتمة المراهق الموصل للمطبخ، برز خيال..
خرج شخص بيمشي ببطء، رافع راسه، لابس نفس بيجامة طارق أخو جوزي، بس الملامح.. الملامح مكنتش ملامح إنسان حقيقي! وش شاحب كأنه منحوت من شمع رمادي، عينيه مظلمة ومفيهاش أي لمعة حياة، وفي إيده اليمين ماسك فنجان القهوة اللي القهوة الدسمة السخنة بتطلع منه بخار دافي.
توقف الشخص على أطراف الصالة، وبص لمريم وهي بتموت على الأرض، وبعدين رفع عينيه وبصلنا واحد واحد.. وابتسم ابتسامة عريضة مش طبيعية، فتحت بؤه لحدود خلّت جلود وشنا تقشعر.
“إنتوا مستغربين ليه؟” الصوت خرج من حنجرته بس مكنش صوته لوحده.. كان مزيج بين صوت طارق أخو جوزي، وصوت همس خفي تاني مرعب: “التورتة مكنتش واحدة يا رانيا.. مريم لما طمعت في ورثي وعلاقتي بيكي وبأخويا.. مكنتش عارفة إن السحر والزنيخ اللي حطتهم في التورتة فتحوا باب لحاجة تانية خالص.”
أنا صرخت وأنا بحط إيدي على بؤي، طارق جوزي صرخ فيه بصوت مبحوح: “إنت مين؟! إنت مش أخويا! طارق أخويا مات على الأرض جوة!”
الشيء اللي واقف قدامنا حط فنجان القهوة على بنش الصالة بجميع الهدوء، وخطى خطوة ناحيتنا. محمود، من كتر الصدمة والجنون، هجم عليه بصرخة هستيرية عشان يضربه: “أنا هقتلك يا مجرم يا ابن…!”
بس قبل ما محمود يلمسه، الكائن ده حرك إيده بسرعة غير بشرية، ضرب محمود في صدره ضربة خفيفة ظاهريًا، بس طيرت محمود في الهواء وترزعته في حيطة الصالة! محمود وقع على الأرض مغمي عليه ونازل من مناخيره دم.