صوت زنة الأسانسير المرعبة وهوا بيقفل كان زي إعلان الموت على باب الشقة. محمود كان لسه راكع على الأرض جنّب جثة أخوه المترامية في الدم الأسود، وشه باهت وعينيه مش مفارقة الملامح الشمعية اللي تشوهت بالسم. طارق جوزي اتنفض من مكانه، وبلمحة سريعة شدني من إيدي لورا ضهره، وعينيه بتتطلّع لباب الشقة الخارجي المفتوح على الصالة. صوت خطوات كعب عالي بتضرب على بلاط الممر البراني.. خطوات سريعة، متخبطة، ومصطحبة بصوت أنفاس متقطعة وصريخ مكتوم زي صرخة مجنونة. “رانياااا! طااارق!” صوت مريم كان طالع زعيق مش بشري، حاد ومشروخ، بيتردد صداه في سلم العمارة كله. طارق زقني بسرعة ناحية المطبخ وهو بيهمس بصوت مرعوب وبيموت من الخوف: “ادخلي جوة يا رانيا وقفي ورا الباب! محمود! قوم معايا بسرعة زق الكنبة على الباب!” لكن محمود مكنش في وعيه.. كان في حالة ذهول وتخدير نفسي تام، مسك إيد جثة أخوه الميتة وبيتمتم بكلام مش مفهوم: “طارق مات.. مريم قتلت أخويا.. قتلت أخويا.” وقبل ما طارق يلحق يتحرك خطوة واحدة ناحية الصالة عشان يقفل الباب الخارجي، كانت مريم وقفت على عتبة الشقة. منظار مرعب يخلي الشعر يقف. مريم كانت واقفة، شعرها المنكوش نازل على وشها المبلل بالعرق والدموع، بجامتها الشيك متغرقة طين ودم من إيديها، وفي إيدها اليمين ساطور مطبخ عريض بيلمع تحت إضاءة نجفة الصالة. عينيها كانت جاحظة وشرايينها الحمرا باينة ومحقونة بالغل والخوف. أول ما شافتنا، عينيها وقعت على الجثة المرمية على أرضية أوضة النوم وعلى السائل الأسود اللي مغرق السجادة. سكتت فجأة.. الخطوات السريعة وقفت، والسطور اتدلى في إيدها شوية. طلعت منها تنهيدة طويلة ومكسورة، وبعدين بدأت تضحك.. ضحكة هستيرية عالية ومتواصلة هزت الشقة كلها. ضحكة بكاء وجنون في نفس الوقت. “أكلتها يا طارق؟” قالتها وهي بتبص للجثة وبتتحرك ناحيتها ببطء، مش حسة بوجودنا ولا شايفانا، كأن كل اللي في العالم أختفى وما فاضلش غير هي والجثة: “كنت فاكرة إنك هتموت في بيتك.. كنت فاكرة إنك هتختفي وهقول للناس إنك سافرت أو جالك جلطة.. إيه اللي جابك هنا؟ إيه اللي خلاك تجري على رانيا في نص الليل عشان تاكل بقيتها؟!” طارق جوزي خد خطوة لورا بالراحة وهو ماسك كرسي سفرة خشب تقيل في إيده، وقال بصوت بتحاول تسيطر عليه الرعشة: “مريم.. ارمي الساطور ده من إيدك.. البوليس والإسعاف زمانهم في السكة، الحارس بلّغ خلاص!” مريم لفت وشرارة الجنون ضربت في عينيها لما سمعت كلمة “البوليس”. بصت لطارق وبعدين بصتلي أنا اللي واقفة مستخبية ورا الحيطة بلكة ورعب. صرخت وهي بتمسك الساطور بإيديها الاتنين ورفعته فوق دماغها: “بوليس؟! مفيش بوليس هيجي يلحق حد! إنتوا كلكم شفتوا! إنتوا كلكم عرفتوا إني أنا اللي حطيت الزنيخ! لو خرجت من هنا هتحبس وطول عمري هتعفن في السجن! إنتِ يا رانيا.. إنتِ السبب! لو مكنتيش قلتيلي إن طارق أكل التورتة مكنتش جيت! لو مكنتيش عزمتيه مكنش مات هنا!” وفي ثانية، اندفعت مريم زي الوحش الكاسر باتجاه طارق! رفع طارق الكرسي الخشب يدافع بيه عن نفسه، والساطور نزل بقوة رهيبة فوق الخشب، شق الكرسي نصين وصوت ضربته ضرب في نفوخنا كلنا. طارق اتكعبل في السجادة ووقع على ضهره، والكرسي طار من إيده. مريم رفعت الساطور تاني وكانت نازلة بيه على صدر طارق! “طاااارق!” صرخت بعلو صوتي وبدون ما أفكر في أي حاجة، رميت نفسي من مكان استخبائي وهجمت على مريم من ضهرها! مسكت شعرها بقوة وعصرت دراعها اللي ماسك الساطور. مريم صرخت صرخة مكتومة ولفت بحدة، كوعها خبط في وشي بقوة خليت طعم الدم يملى بؤي، ووقعت على الأرض جنّب طارق. ساعتها محمود—اللي كان غايب عن الوعي—سماع صريخي وصوت الهرج، كأنه أستوعب الكابوس فجأة. قام من الأرض زي المجهود وجري على مريم، مسك دراعها اللي فيه الساطور وثبته على الأرض بقوة وجسمه كله فوقيها. “اقتليهم يا محمود! ارمي الساطور!” صرخ طارق وهو بيحاول يقوم ويكتم الدم اللي نازل من جبهته. محمود كان بيحاربها وهي بتتلوى تحته زي الثعبان، بتعضه وبتصرخ وبتضرب برجليها في كل حتة. نجح محمود إنه يضرب إيدها في بلاط الأرضية لحد ما الساطور طار وتسحب بعيد تحت كنبة الصالة. مسكنا مريم بالعافية، طارق ومحمود مكتفين إيديها ورجليها وهي بتتلوى وتصرخ بصوت هيستيري وتف وتسب وتلعن فينا وفي الدنيا كلها، وشها بقى شاحب وشفايفها بدأت تزرق من المجهود والجنون. فجأة.. صراخ مريم وقف. بدأت جسمها يتشنج بشكل مرعب زي ما حصل لزوجها قبل ما يموت.. عينين مريم لفوا لفوق، وبدأ يطلع من بؤها رغاوي بيضا مخلوطة بدم! أنا وُقفت مشدوهة ومصدومة: “إيه ده؟! هي مالها؟! هي جرى لها إيه؟!” محمود بصلها برعب وساب إيدها: “مريم.. إنتِ أكلتي من التورتة؟!” مريم وهي بتتشنج وصوت أنفاسها بيتقطع ويتحول لهسيس واطي، ابتسمت ابتسامة مرعبة مليانة دم، وهمست بصوت مكسور وطالع بالعافية: “أنا.. أنا دوقتها بالأول.. عشان أتأكد إن طعم المانجو مغطي على الزنيخ.. أنا.. أنا ميتة زيكم.. مفيش حد.. مفيش حد هيطلع من الشقة دي عايش..” وفي اللحظة دي بالضبط، وبينما مريم بتدخل في سكرات الموت والتشنج على أرضية الصالة.. سمعنا صوت سرينات البوليس والإسعاف بتملى الشارع تحت العمارة. لكن الصوت اللي خلّى شعر جسمنا يقف من الرعب.. كان صوت جايلنا من جوة المطبخ! صوت خطوات هادية.. بتتحرك ببطء في الضلمة بتاعة المطبخ.. وصوت فنجان قهوة بيتحط على الرخامة.. وصوت طارق أخو جوزي (الجثة المرمية في الأوضة) وهو بيكح كحة مكتومة وبيقول من جوة المطبخ: “رانيا.. القهوة زبطت.. تعالي خدي فنجانك.” انقبضت صدورنا الثلاثة في نفس اللحظة، وتجمّدت حركة طارق ومحمود فوق جثة مريم التي كانت تفارق الحياة بتشنجات مرعبة على أرضية الصالة. الصوت القادم من ظلام المطبخ لم يكن مجرد صدى أو تهيؤات.. كان صوت خطوات بطيئة واثقة تتجه من المطبخ نحو الصالة، تتبعها برودة مفاجئة سرت في أرجاء الشقة كأن باب ثلاجة عملاقة فُتح في وجوهنا. محمود بص لجثة أخوه المرمية في الأوضة، والدم الأسود اللي مالك السجادة، وبعدين بص لناحية المطبخ وعينيه محقونة بالدم والذهول: “ده.. ده صوت طارق أخويا! إزاي؟! هو مش ميت قدامنا جوة؟!” طارق جوزي وقف بشويش، سحب زهرية ورد رخام تقيلة من على الطاولة، وشاورلي بإيده إني أرجع لورا. كنت حاسة إن أرجلي مش شيلاني، ضهري لزق في الحيطة وطعم الدم في بؤي بيزيد مرارة. من عتمة المراهق الموصل للمطبخ، برز خيال.. خرج شخص بيمشي ببطء، رافع راسه، لابس نفس بيجامة طارق أخو جوزي، بس الملامح.. الملامح مكنتش ملامح إنسان حقيقي! وش شاحب كأنه منحوت من شمع رمادي، عينيه مظلمة ومفيهاش أي لمعة حياة، وفي إيده اليمين ماسك فنجان القهوة اللي القهوة الدسمة السخنة بتطلع منه بخار دافي. توقف الشخص على أطراف الصالة، وبص لمريم وهي بتموت على الأرض، وبعدين رفع عينيه وبصلنا واحد واحد.. وابتسم ابتسامة عريضة مش طبيعية، فتحت بؤه لحدود خلّت جلود وشنا تقشعر. “إنتوا مستغربين ليه؟” الصوت خرج من حنجرته بس مكنش صوته لوحده.. كان مزيج بين صوت طارق أخو جوزي، وصوت همس خفي تاني مرعب: “التورتة مكنتش واحدة يا رانيا.. مريم لما طمعت في ورثي وعلاقتي بيكي وبأخويا.. مكنتش عارفة إن السحر والزنيخ اللي حطتهم في التورتة فتحوا باب لحاجة تانية خالص.” أنا صرخت وأنا بحط إيدي على بؤي، طارق جوزي صرخ فيه بصوت مبحوح: “إنت مين؟! إنت مش أخويا! طارق أخويا مات على الأرض جوة!” الشيء اللي واقف قدامنا حط فنجان القهوة على بنش الصالة بجميع الهدوء، وخطى خطوة ناحيتنا. محمود، من كتر الصدمة والجنون، هجم عليه بصرخة هستيرية عشان يضربه: “أنا هقتلك يا مجرم يا ابن…!” بس قبل ما محمود يلمسه، الكائن ده حرك إيده بسرعة غير بشرية، ضرب محمود في صدره ضربة خفيفة ظاهريًا، بس طيرت محمود في الهواء وترزعته في حيطة الصالة! محمود وقع على الأرض مغمي عليه ونازل من مناخيره دم. طارق جوزي صرخ وهجم عليه بالزهرية الرخام، ضربه بيها على دماغه بقوة خلّت الزهرية تتفلق نصين! لكن الكائن حتى متهزش! راسه المضروبة لفت الجنب التاني برفق، وبعدين رجعت ببطء لطارق، ومسكه من زوره بإيد واحدة ورفعه عن الأرض! طارق كان بيفرفر بين إيديه، رجليه بتضرب في الهواء ووجهه بدأ يحمر ويحرق من خنق الرقبة. “طارق!” صرخت بعلو صوتي. جريت على المطبخ وأنا مش شايفة قدامي من الدموع والهلع، مسكت أثقل سكينة تقطيع لحوم وجريت بيها على الصالة. نزلت بالسكينة بكل قوتي في ضهر الكائن ده! السكينة غرزت لجوا، بس مطلعش دم.. طلعت نفس المادة السودة اللزجة المخلوطة بريحة سيروب المانجو المصدية اللي كانت في علبة التورتة! الكائن ساب طارق، وطارق وقع على الأرض بيكح وبياخد نفسه بالعافية. الكائن لفلي بالبطيء، مسك السكينة المغروزة في ضهره، سحبها ببرود ورمادها على الأرض. قرب مني وأنا بتراجع لورا لحد ما ضهري خبط في باب الشقة الخارجي المقفول. رفعت إيدي بترعش وأنا ببكي: “عايز إيه مننا؟! التورتة كانت لمريم وطارق.. أنا مالِش دعوة!” قرب وشه من وشي، الريحة اللي طالعة من بؤه كانت خليط من المانجو المزرنخة وريحة المقابر. همس في ودني بصوت مرعب: “المادة اللي مريم حطتها في التورتة مكنتش زنيخ بس.. مريم راحت لدجال عشان تعمل لزوجها عمل بالمرض والموت.. والعمل ده تحضر لما طارق أكل التورتة كاملة بالليل هنا في شقتك.. الكيان اللي جوايا دلوقتي.. مش هيمشي إلا لما ياخد الروح اللي اتعزمت عليه الأول!” عينيه بصت لطارق جوزي اللي كان بيحاول يزحف على الأرض عشان يوصل للساطور اللي تحت الكنبة. الكائن رفعت رجليه وكان نازل بيها يفرك جمجمة طارق جوزي! صرخت بقوة ونطيت في النص، مسكت الكارت الصغير بتاع مريم اللي كان لسه واقع على الترابيزة من الصبح، الكارت اللي مكتوب فيه: كل سنة وانتي طيبة يا رانيا… استمتعي بحاجة دسمة. افتكرت حاجة.. الجملة اللي الدجال بيحضر بيها الكيان! صوت أجهزة سرينات البوليس والإسعاف كان خلاص تحت العمارة، وأصوات خطوات أفراد البوليس وهما طالعين على السلم بالسرعة والضرب على السلالم بتهز العمارة. الكائن اتنفض لما سمع صراخ البوليس برة، وبصلي بحدة وصرخ صرخة هزت أركان الشقة، والشبابيك اتكسرت منها! وفجأة، باب الشقة الخارجي بدأ يتكسر برزعات قوية من ضباط البوليس برة: “افتح يا طارق! افتحي يا مدام رانيا! البوليس برة!” الكائن مسكني من شعري ورفعي لفوق وهو بيضحك ضحكة مجنونة: “البوليس مش هيقدر يحميكي من اللي تحت الأرض يا رانيا.. العزومة اتفتحت خلاص!” وفجأة.. الباب الخارجي اتكسر واتخلع من مكانه ووقع جوة الصالة، ودخلوا ضباط ورجال الشرطة شالين أسلحتهم، والنور الأبيض بتاع كشافاتهم ملأ المكان.. لكن اللي الضباط شافوه لما دخلوا الشقة.. جعل الضابط الكبير يتراجع خطوة لورا ويطلع مسدسه بإيد بتترعش من هول المنظر! تجمّد رجال الشرطة على العتبة، والكشافات المثبتة على أسلحتهم كانت بتترعش في إيديهم. المنظر جوة الصالة كان كابوس لا يمكن لعقل بشري يستوعبه؛ جثة مريم متشنجة ورغاوي الدم الأسود مغطية وشها، ومحمود مرمي في زاوية القاعة ينزف من أنفه، وطارق جوزي ممدد على الأرض بيصارع عشان يتنفس، وأنا.. كنت مرفوعة في الهواء من شعري بإيد هذا الكائن الشمعي المرعب اللي عيونه بيض تمامًا ومفيهاش أي معالم للحياة. “ارمي السلاح! نزل الست دي فورًا!” صرخ الضابط الكبير بصوت حاد ومذعور، وهو بيمسك مسدسه بإيديه الاتنين وبوجهه لقلب الكائن. الكائن بصلهم ببطء شديد، وابتسامته الشيطانية اتسعت لحد ما شفايفه اتشققت ونزل منها نفس السائل الأسود بريحة المانجو المزرنخة. طلع منه صوت ضحك ضخم ومكتوم هز جدران الشقة، وفي ثانية واحدة.. زقني بقوة رهيبة باتجاه الضباط، فطرت في الهواء وانخبطت في الضابط وسقطنا إحنا الاتنين على الأرض. “افتحوا النار!” صرخ الضابط وهو بيحاول يقوم. دوت صيحات الرصاص في الصالة المغلقة، طلقات متتالية اتوجهت لجسد الكائن. الرصاص كان بيدخل في جسمه كأنه بيدخل في طين أو شمع يابس، بيعمل ثقوب بيطلع منها دخان ريحته زفرة ومادة سودة، لكنه مكنش بيموت.. مكنش حتى بيتألم! كان بيخطو خطوات ثقيلة ومباشرة نحو رجال الشرطة، وكل طلقة كانت بتخليه يزداد ضخامة وشكله يزداد تشوهًا. وسط الفوضى والرصاص وصراخ الضباط اللي بدأوا يتراجعوا على السلم في حالة رعب وفزع، افتكرت الكارت الصغير اللي كان في إيدي.. كارت عيد ميلادي اللي مريم كتبته. افتكرت الهمس اللي سمعته منه لما كان قريب من ودني: “العمل ده تحضر لما طارق أكل التورتة كاملة.. والكيان مش هيمشي إلا لما ياخد الروح اللي اتعزمت عليه الأول.. العزومة اتفتحت!” الموضوع مكنش مجرد زنيخ ولا مجرد طمع في ورث.. مريم راحت لدجال عشان تعمل لزوجها عمل بالهلاك الماحق، وربطت الكيان بعزومة ودسامة التورتة! والعمل مكنش موجه لطارق جوزي، ولا ليا.. كان موجه لـ “طارق زوج مريم”. طارق زوج مريم هو اللي أكل التورتة وهو اللي الروح المحضّرة حلت في جسمه ونهت حياته وتحكمت بجثته! زحفت على الأرض وسط ظلام الصالة والرصاص اللي بيخبط في الحيطان، لحد ما وصلت لطارق جوزي. كان غايب عن الوعي تقريبًا، بس عينيه مفتوحة بضعف. “طارق! قوم معايا! لازم ننهي العزومة!” صرخت في ودنه وأنا بشده من قميصه. الكائن كان خلاص مسك أحدث الضباط من رقبته ورفعه، وباقي القوة كانت بتهرب على السلم في حالة هستيرية. جريت على المطبخ، والتلاجة كانت لسه مفتوحة وبابها بيصرخ. علبة التورتة الفخمة الكبيرة كانت لسه مرمية في قعر التلاجة.. العلبة الممسوحة اللي مفيش فاضل فيها غير سيروب المانجو الدبلان والسائل الأسود اللي اتسرب منها. مسكت علبة التورتة بإيديا اللي بتترعش، وجبت الولاعة اللي بنولع بيها البوتجاز. في نفس اللحظة، الكائن ساب الضابط ولفلي.. حس باللي أنا بعمله. خطواته بقت سريعة، ومسعورة، صرخ صرخة هزت أركان العمارة كلها، وجري على المطبخ بفتحة بؤه المرعبة عشان يمنعني. “العزومة انتهت يا مريم!” صرخت بعلو صوتي وأنا بلمس نار الولاعة بسيروب التورتة والكارت المكتوب فيه اسمها! المادة السودة وسيروب المانجو المزرنخ مكنوش مجرد بواقي أكل.. كانوا المادة الفتحة للعمل. أول ما النار لمست السيروب والكارت، اشتعلت نار زرقا غريبة وسريعة جدًا، ملأت العلبة في ثانية واحدة وطلعت منها ريحة شياط وبخور خبيث خنق أمتار المطبخ. الكائن توقف على باب المطبخ فجأة! إيده الممدودة عشان تطلع روحي اتجمدت في الهواء. بدأ يصرخ صرخات متقطعة ومكتومة كأن حد بيخنقه من الداخل. الجسد الشمعي الشاحب بدأ يتشقق، والمادة السودة بدأت تخرج من عينيه وبؤه وأذنيه بغزارة شديدة، وتبخرت في الهواء أول ما تلمس النار الزرقا. وقع الكائن على ركبتيه على أرضية المطبخ، ووجهه بدأ يتغير ويرجع لملامح “طارق أخو جوزي” الطبيعية.. ملامح إنسان ميت، شاحب، ومكسور. بصلي بعيون رجع فيها النني الأسود لأول وهلة، وهمس بصوت طارق الحقيقي، صوت خافت ومجروح: “سامحيني يا رانيا.. مكنتش أعرف..” وفي لحظة، انطفت النار الزرقا، وسقطت جثة طارق أخو جوزي على أرضية المطبخ.. جثة هامدة تمامًا، مفيهاش أي سر من أسرار الحياة أو الحركة. ساد الصمت الشقة.. صمت ثقيل وموحش زي صمت المقابر. بعد دقائق مرت كأنها سنوات، دخلوا رجال الشرطة والإسعاف الشقة بحذر شديد وأسلحتهم مرفوعة. الشقة كانت عبارة عن ساحة حرب ودماء وسوائل غريبة. نقلوا جثة مريم اللي ماتت بتأثير مادة الزنيخ والتشنجات، ونقلوا جثة طارق أخو جوزي للمشرحة، ونقلوا محمود جوز مريم لغرفة العناية المركزة في المستشفى وهو في حالة صدمة نفسية حادة. أما أنا وطارق جوزي.. فقعدنا على السلم برة الشقة، ملفوفين ببطانيات الإسعاف. طارق كان ماسك إيدي بكل قوته، جسمه بيترعش ومش قادر يستوعب إن أخوه وزوجة أخوه انتهوا في ليلة واحدة وفي شقتنا، وإن التورتة الفخمة اللي وصلت على أنها هدية عيد ميلاد.. كانت في الحقيقة دعوة للموت والهلاك. بصيت لطارق وقلت بصوت واطي ومجهد: “الدنيا هديت يا طارق.. بس الشقة دي مش هنرجعها تاني.” هز رأسه بموافقة وهو بيعصر إيدي، وفي اللحظة دي.. موبايلي اللي كان في جيبي أهتز بإشعار رسالة جديدة. طلعت الموبايل بإيد بتترعش، فتحت الرسالة.. كانت من رقم غير معروف، ومكتوب فيها نصًا: التورتة كانت دسمة أوي يا رانيا.. بس العزومة الجاية.. دورك إنتِ وطارق. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”