حكايات زهره الربيع ٢

سمعت صوتها بيخترق ودني زي طلقة رصاص، صوت جاف خالِ تماماً من أي دفء أو حنان كنت متعود عليه.

أنا: “بنتي؟! أنتِ فين يا حبيبتي؟ ردّي عليا يا قلب أباكي.. أنتِ عايشة؟ حرام عليكِ اللي عملتيه فيا، أنا هموت من غيرك!”

ساد الصمت على الخط لثوانٍ طويلة، ثوانٍ حسيت فيها إن قلبي هيقف من كتر النبض، لحد ما جه صوتها تاني، هادي وثابت بطريقة ترعب:

“أنا مش متصلة عشان أرجع، ولا متصلة عشان أسمع كلام من ده.. أنا متصلة أقولك إني عايشة، عشان تبطل تدوّر عليا وتبطل تنزل صوري على النت، لأن الصور دي بتضايقني في حياتي الجديدة.”

دموعي نزلت بغزارة وصوتي اتخنق: “حياة جديدة إيه يا بنتي؟! أنتِ فين ومين معاكِ؟ بقالك سنة بعيدة عني، سنة وأنا باكل في نفسي وبموت كل يوم ألف مرة.. افتحي الباب لأباكي، اضربيني، دوسي عليا بس ارجعي!”

ضحكت ضحكة خفيفة ماليانة مرار وسخرية، ضحكة عمري ما سمعتها منها قبل كده:

“أضربك؟ أضرب الراجل اللي رفع إيده وضربني بالقلم عشان يرضي وحدة هانت أمه المتوفية؟ الراجل اللي شافني بدبل وبتهان كل يوم وأعمى عينه ودنّه عشان خايف على زعل ‘ست حسنه’؟ لا يا بابا.. أنا مش هضربك، ولا زعلانة منك.. أنا نسيتك أساساً.”

الجملة نزلت عليا كأنها حجر هشم صدري: “نسيتيني؟ أنا أباكي يا حبيبتي.. أنا اللي ربيتك ١٨ سنة، أنا اللي كنت بشيلك على كتفي لما تتعبي..”

ردت بسرعة وبقسوة أشد: “وأنت اللي بعتني في ثانية عشان حلم قديم! أنت اللي اخترت تبيع بنت عمرها ١٨ سنة عشان واحدة ضحكت عليك بكلمتين. أنت فاكر القلم ده ضرب جسدي بس؟ القلم ده طيّر العافية والود اللي كان ليك في قلبي، ومحا كل ذكرى حلوة بنيناها سوا. يومها أنا خرجت من بيتك حافية من أي إحساس ناحيتك.”

بقيت أترجاها وبصوتي حسرة ألمت كل الجدران حواليا: “طب قوليلي أنتِ عايشة إزاي؟ بتاكلي منين؟ ساكنة فين؟ والجامعة اللي سبتيها؟ ابوسي إيدك قوليلي مكانك وأنا أوعدك مش هتشوفي سميرة دي تاني أبدًا، أنا طلقتها من أول يوم مشيتي فيه وراميتها برة حياتي!”

ردت ببرود يرعب: “طلقتها؟ بعد إيه؟ بعد ما طردت بنتك؟ للأسف يا بابا، تصرفك ده ميهمنيش في حاجة، يخصك ويخصها. أما أنا.. فأنَا اشتغلت، وجمعت مصاريفي، وبدرس في جامعة تانية في محافظة تانية خالص. بعت كل حاجة أملكها، واشتغلت في حضانة الصبح وفي مكتبة بالليل عشان أقدر أصرف على نفسي وأحجز أوضة في سكن طالبات. اتعلمت أقف على رجلي من غير ما أحتاج لراجل يبعني لما واحدة تضحك عليه.”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *