حكايات زهره الربيع ٢

سعيد مسك إيدي بحدة وقال: “اسمعني للأخر! بعد ما اترجيته كتير، وقسمت له بيمين ربنا إنك مش هتقرب منها ولا هتعرفها إنك هناك، أحمد وافق يريح ضميري أنا.. وقال لي اسم المحافظة والجامعة اللي هي فيها، بس أقسمت له إني مش هخليك تروح تبوظ حياتها.”

أول ما سمعت اسم المحافظة — كانت محافظة بعيدة في الصعيد — جسمي كله قشعر. بنتي الناعمة، اللي كانت بتخاف من ضلها، عايشة لوحدها في محافظة غريبة، بتدرس وتشتغل عشان تصرف على نفسها!

ما استنيتش ثانية. بالرغم من تحذيرات سعيد، وبالرغم من تعبي ومرضي، أخدت إزايز أدويتي، ولبست أقدم هدوم عندي عشان محدش يعرفني، وسافرت في نفس الليلة بالقطار. كانت رحلة طويلة في الضلمة، كل فلكة في شريط السكة الحديد كانت بتخبط في قلبي وتفكرني بقسوتي.

وصلت المحافظة دي مع الفجر. الشوارع كانت هادية، والبرد بيقرس في العظام. قعدت على قهوة جنبة باب الجامعة مستني الصبح يطلع، مستني الميعاد اللي ممكن تظهر فيه. ساعة ورا ساعة، والطلاب بدأوا يتوافدوا على الباب الكبيرة.

وفجأة.. من بعيد.. شفتها!

قلبي وقف، وعيني وسعت ومش قادر أصدق. كانت ماشية في وسط زميلاتها، شايلة كتبها على صدرها. بس مكانتش البنت الصغيرة الدلوعة اللي سبتها في بيتي.. وشها كان فيه ملامح قوة وجدية مرعبة، مبتضحكش زي زمان، ماشية بخطوات ثابتة وواثقة، بس كان باين عليها الإرهاق. تحت عينيها هالات سودة من كثرة السهر والشغل، ولابسة هدوم بسيطة جداً بس نظيفة ومترتبة.

صرخة مكتومة كانت هتطلع من زوري: “يا بنتي!”.. كنت هجري عليها، كنت هرمي نفسي تحت رجليها قدام كل الطلاب وأبوس جزمتها وأترجاها ترجعلي.. بس افتكرت كلام سعيد: “لو ظهرت لها هتهرب تاني ومكالمتها القاسية هتتحقق”.

وقفت ورا شجرة كبيرة على الرصيف المقابل، وجسمي كله بيرتعش من البكاء الصامت. شفتها وهي بتدخل من باب الجامعة، بتعدي من غير ما تلتفت وراها، كأنها قفلت كتاب الماضي ورمته في البحر.

فضلت قاعد مستنيها لحد ما خرجت بعد الضهر. مشيت وراها من بعيد لبعيد، بفارق مسافة كبيرة عشان متلمحنيش. شفتها وهي بتمشي لشارع جانبي، وبتبدأ وردية شغلها في مكتبة صغيرة لطباعة وتصوير الأوراق. شفت بنتي.. حتة مني.. واقفة ورا الماكينة بالساعات، بتصور الورق للطلبة، وتلم الفلوس، ووشها مبتسم بكرامة وعزة نفس لكل زبون، وبعد ما الزبون يمشي ترجع الملامح الحزينة المجهدة تترسم على وشها تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *