حكايات زهره الربيع ٣

كل كلمة كان بيقولها كانت بتنزل عليا زي ضربات الساطور. قفلت عيني وما قدرتوش أرد.. أقوله إيه؟ أقوله إني أنا اللي طردتها؟ إني أنا اللي بعتها عشان وحدة حية أكلت عقلي؟

بعد ساعة طويلة مرت كأنها ألف سنة، خرج الدكتور من الأوضة وهو بيمسح عرقه. اتنطرت من على الأرض ومسكت في بالديكتار: “طمني يا دكتور! بنتي جرالها إيه؟! أرجوك قولي إنها كويسة!”

الدكتور بصلي بأسى وتنهد: “هي عندها هبوط حاد في الدوره الدموية، وأنيميا شديدة جداً وصلت لمرحلة الخطر، ده غير إرهاق عصبي وبدني كامل. البنت دي مش بتاكل يا حاج، وجسمها مستهلك تماماً. احنا علقنا لها محاليل وأكياس دم، والحمد لله لحقناها في أخر لحظة.. بس هي محتاجة راحة تامة واهتمام، وإلا قلبها مش هيستحمل المجهود ده تاني.”
نزلت على ركبي في الممر وسجدت لله وأنا بعيط وبقول: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب إنك ما حرمتنيش منها.”

الدكتور كمل كلامه: “هي بدأت تفوق دلوقتي، تقدر تدخل تشوفها.. بس بلاش أي توتر.”

قمت بخطوات تقيلة، إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح باب الأوضة. كانت قاعدة على السرير، المحاليل متوصلة في إيدها، ووشها باهت تماماً. أول ما باب الأوضة اتفتح وشافتني واقف على الباب.. عينيها وسعت، والملامح الهادية اللي على وشها تحولت في ثانية لصدمة ورعب!

قعدت أتطلع فيها وأنا مقدرش أقف، مشيت ناحيتها بخطوات متقطعة، والدموع مغرقة وشي: “حبيبتي.. ألف سلامة عليكِ يا قلب أباكِ.”

أول ما سمعت صوتي وشافت منظري المبهدل وهدومي المبلولة، وشها اتقلب تماماً. مكانتش نظرة حنان ولا ضعف.. كانت نظرة غضب وقسوة وجع في نفس الوقت. سحبت إيدها اللي فيها المحلول بعيد عني، وبصتلي بصوت جاف طالع بالعافية من زورها المبحوح:

“أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت بتلاحقني ليه؟”

أنا بانهيار، وقعدت على الكنبة اللي جنب السرير وحاولت أمسك إيدها: “أنا كنت خايف عليكِ يا بنتي! أنا ماشفتش قدامي لما وقعتي في الشارع.. أنا عايش سنة كاملة بموت في اليوم ألف مرة! ارجوكِ يا حبيبتي سامحيني، أنا طلقت سميرة من أول يوم، أنا بعت الشقة ونزلت أدور عليكِ في كل شبر.. أنا تحت رجليكِ، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس بلاش النظرة دي!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *