حكايات زهره الربيع ٣

مر أسبوع على انتهاء الامتحانات.. وأنا عايش في نار الاستثناء.

وفي يوم جمعة، بعد الصلاة، كنت قاعد في الصالة، لابس أنضف هدوم عندي، والبيت ريحته بخور ورد، وجايب أكل من اللي كانت بتحبه وهي صغيرة. الشارع كان هادي جداً، وصوت خطوة خفيفة جداً بدأ يطلع على السلم.. خطوة تقيلة ومترددة، بتطلع درجة درجة وتسكت.

قلبي بدأ يضرب في صدري زي الطباط، جسمي كله اتخشب، وقمت وقفت بالعافية.

الخطوات قربت من باب الشقة.. ووقفت!

فضلت واقف مكان في نص الصالة، مش قادر أتحرك ولا أنطق، الخوف والرجاء كانوا بياكلوا فيا. وفجأة.. سمعت الخبطة!

خبطتين خفاف جداً على الباب.. نفس الخبطة اللي كانت بتخبطها وهي راجعة من مدرستها زمان!

جريت على الباب بإيدين بترتعش، فتحت الباب بكل قوتي.. ولما الباب اتفتح، الدموع عمت عيني في ثانية.

كانت واقفة قدامي!

لابسة فستان أبيض بسيط، شايلا شنطة سفرها الصغيرة في إيد، وفي الإيد التانية شايلة روب وثيقة التخرج! وشها كان ردت فيه الروح شوية، خدودها فيها وردي خفيف، وعينيها الواسعة كانت بتطالعني بنظرة طويلة مليانة كل معاني الدنيا.

وقفت مكانها على العتبة، ما دخلتش.. بصتلي وبصت للشقة برة، وقالت بصوت هادي، بس المرة دي كان فيه بحة حنان قديمة:

“أنا وفيت بعهدي يا بابا.. خلصت جامعتي، ونجحت وطلعت من الأوائل.. وجيت.”

ما قدرت أستحمل.. نزلت على ركبي قدام العتبة، تحت رجليها في الشارع، ومسكت طرف فستانها وأنا بصرخ وببكي بكاء هيستيري:

“يا حبيبتي! يا روح أباكِ! الحمد لله يا رب.. الحمد لله إني عشت لحد اليوم ده! سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا حتة مني!”

نزلت هي كمان على ركبها قدامي في الشارع، وسحبت إيديا من على الأرض، ولأول مرة من سنتين كاملين.. مسكت إيدي وقعدت تبص لوشي وشعري الأبيض وضهري المكسور.

دمعة نزل من عينها، ورفعت إيدها الصغيرة وحطتها على خدي.. نفس الخد اللي اترفعت إيدي عليه زمان. وقالت بصوت مكسور ودافئ:

“قوم يا بابا.. قوم ادخل بيتك. القلم اللي أخدته منك صحاني ودمرني.. بس الصبر والندم اللي شفته في عينك طول السنة اللي فاتت هو اللي داواني. أنا مش جاية أفتح صفحات قديمة، أنا جاية أرمي الماضي في الزبالة وأبدأ معاك من جديد.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *