حكايات زهره الربيع ٣

قعدت في المحافظة دي شهر كامل.. شهر كامل عايش زي الأشباح. أخدت أوضة في لوكاندا رخيصة قريبة من منطقتها، ما أقدرش أقرب من سكنها ولا أروح جامعتها، بس كنت بكتفي إني أقعد على قهوة بعيدة جدًا، في الممر اللي عارف إنها لازم تعدي منه وهي رايحة الكلية.

كنت بشوفها من بعيد.. ألمح خيالها وهي ماشية، دبلانة، خطوتها بطيئة، بس زات معافرة. مكانتش بتلتفت يمين ولا شمال، شايلة كتبها ومكملة. وكنت أنا وأنا قاعد بعيد، أبعث معاها دعواتي ودموعي، أدعي ربنا يحميها، ويقويها، ويحفظها من ولاد الحرام. بقيت أروح للجامعة بالليل بعد ما تفضى، أقعد جنب السور الخارجي، وأقول: “يا رب أنت الشاهد إني ظلمت، وأنت الشاهد إني ندمت.. احميلي بنتي وأنا راضي بأي عقاب”.

وفي يوم، وأنا قاعد في اللوكاندا تعبان ومش قادر أرفع راسي، جسمي انهار تمامًا من كتر الحزن والقلة الأكل والبرد. جاتلي سكتة قلبيّة خفيفة مع هبوط حاد. أصحاب اللوكاندا نقلوني للمستشفى الحكومي اللي بنتي كانت فيها.

فضلت محجوز في العناية المركزة أيام، بين الحياة والموت. كنت حاسس إن خلاص دي النهاية، وإن ربنا بيخلص ذنب بنتي مني. وفي أشد لحظات التعب، وأنا بين الوعي والغياب، فتحت عيني بالليل.. لقيت خيال واقف جنب السرير.

افتكرت نفسي بحلم أو بطلع في الروح.. بس لما ركزت، لقيتها هي!

كانت واقفة جنب السرير، لابسة بالطو أسود ثقيل، وشها شاحب، وعينيها فيها لمعة دموع مكتومة. مكانتش بتعيط بصوت، بس دموعها كانت بتنزل بسكات على خدودها.

أنا بصوت طالع بالعافية كأنه حشرجة الموت: “بـ..بنتي؟ أنتِ هنا؟ ولا أنا بموت وبشوفك؟”

قربت خطوة واحدة بس، ما مسكتش إيدي، وما قربتش تحضنّي، بس صوتها الهادي المكسور خرج متقطع:

“صاحب اللوكاندا عرف خالي أحمد.. وخالي كلمني وقالي إنك بتموت.”

جمعت كل قوتي ومديت إيدي اللي فيها الأجهزة والمحاليل عشان ألمس طرف إيدها، بس إيدها اترددت وما قربتش. بصيت في عينها وقولت والدموع بتسيل من جنابي: “سامحيني يا بنتي.. أنا خلاص ماشي، طالع لربنا.. قوليلها سامحتك يا بابا عشان أقابل ربنا وأنا مش شايل ذنبك على كتافي. القلم اللي ضربتهولك كان ضربة لقلبي أنا.. أنا بعت الدنيا كلها بعدك، ورميت سميرة تحت رجلي برة البيت.. والله ما حبيت ولا هحب حد أدك وأد أمك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *