انا اكتشفت حكايات رومانى مكرم ٢
فتحت “هبة” الخط وهي بتبص لي برعب، وصوت عصام كان طالع من السماعة عالي ومهزوز: “هبة.. اوعي تفتحي الباب لسلوى، لو جت عندك اتصلي بالشرطة، الست دي اتجننت وعايزة تخرب كل حاجة!” بصيت لها بابتسامة سخـ,ـرية ومديت إيدي أخدت منها الموبايل بمنتهى الهدوء. حطيته على ودني وقلت بصوت واطي وواضح: “فات الأوان يا عصام.. أنا جوه، وبنشرب الشاي مع بعض، والورقة اللي أنت مضيتها الصبح في جيبي، يعني “هبة” وابنك دلوقتي ضيوف في شقتي أنا.. مش شقتك.”
عصام سكت تماماً، النفس انقطع من الناحية التانية، وقفل السكة. “هبة” بدأت تترعش، نزلت الطفل على الأرض وقعدت على الكنبة وهي بتعيط: “أنا ماليش ذنب.. هو قالي إنه مطلقك، قالي إنك ست نكدية ومستحملة عشان العيال وبس، وإنه مبيطيقش يلمسك!” ضحكت بوجع حقيقي، نفس الأسطوانة المشـ,ـروخة اللي كل خـ,ـاين بيعزفها عشان يبرر وساخته. قلتلها: “وقالك كمان إن الشقة دي ملكك؟ وقالك إن الفلوس اللي بيصرفها هنا دي من شقاه مش من ورث أبويا اللي سـ,ـرقه؟”
طلعت لها صورة من عقد التنازل اللي لسه ممضي من ساعة. “الشقة دي من اللحظة دي بقت باسمي.. وأنا مش جاية أرميكي في الشارع دلوقتي، أنا جاية أعرفك إن “البطل” اللي كنتِ مستندة عليه، طلع ورق.. وهش.” في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل عصام بيجري، كان بينهج وعرقه مغرق قميصه. بص لي وبص لهبة ولابنه اللي بيعيط في الركن. حاول يرجع هيبته وصرخ فيا: “انتي عايزة إيه تاني؟ خدتي الشقق، وخدتي الفلوس، وكسرتيني قدام المحامي.. سيبي الست دي في حالها، دي ملهاش دعوة!”
وقفت قدامه وربعت إيدي: “الست دي شريكتك في السنتين اللي ضاعوا من عمري. والطفل ده أخو ولادي، اللي كنت بتيجي تاكل لقمته هناك عشان تأكله هنا. أنا مش عايزة أخرب بيتها يا عصام.. أنا جاية “أبني” بيتي اللي هديته.” بصيت لهبة وقلت لها: “عصام دلوقتي مفلس.. لا يملك شقة هنا ولا هناك، ولا يملك مليم في البنك. لو لسه عايزاه وهو “على الحديدة”، مبروك عليكي.. شيليه. أما أنا، فـ “عصام” اللي كان جوزي مات من سنتين، والراجل اللي قدامي ده مجرد مديون هسحب منه كل قرش لحد ما يوفي دينه.”
عصام قعد على الأرض، حط راسه بين رجله وبدأ يشهق زي العيال الصغيرة. المنظر كان مقزز أكتر ما هو مؤلم. “هبة” بصت له بنظرة غريبة.. مكنتش نظرة حب ولا شفقة، كانت نظرة “خوف من المستقبل” مع راجل خسر كل حاجة. قمت وقفت، عدلت طرحتي قدام مرايتها، وقلت قبل ما أمشي: “يا ريت تجهزي نفسك يا هبة، لأن الإيجار من الشهر الجاي هيتحول لحسابي.. أو تقدري تشوفي مكان تاني يلمك أنتِ والراجل اللي “ريحك” ده.”