ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 1

طلعت تلفوني من الشنطة. كان فيه أكتر من ثلاثين مكالمة فائتة منه ومن أخته (صاحبتي). قفلت التلفون خالص. مش وقت كلام ولا عتاب ولا محاولات صلح مسمومة.

البيت كان مظلم، والعفرة مغطية كل حاجة. قمت بالراحة، ولعت النور القديم بتاع الصالة. اللمبة الصفرا الضعيفة اتسربت في الزوايا. شفت أثاث بيتنا القديم، الصور بتاعة بابا وماما وهم بيضحكوا. قربت من صورة بابا، مسحت التراب من عليها بصباعي، وحسيت كأن روحه بتهدي فيا وتتقول لي: “اجمدي يا دكتورة… أنتي مش لوحدك.”

الليل عدى عليا كأنه سنة كاملة. ما غفلتش دقيقة واحدة. كل ما أغمض عيني، أفتكر القلم الأولاني، وسحبة شعري، وشكله وهو بيبصلي بتقليل وكأنه اشتراني من سوق النخاسة. أفتكر حماتي وهي بتتفرج وتذكي النار بكلامها.

مع أول شعاع شمس اتسرب من شباك الصالة، قمت ووقفت قدام المراية القديمة في أوضة نوم والدايا. الوش اللي شفته في المراية كان متبهدل: شفتي متورمة وفيه زرقان خفيف تحت عيني الشمال، وأثار صوابعه كانت لسة باينة على خدي. بس العيون… العيون ما كانش فيها انكسار. كان فيها شرارة جديدة، شرارة حد اتولد من جديد بعد ما اتحرق.

سألت نفسي: “هتعملي إيه يا دكتورة؟ هتقعدي تعيطي في الصالة المتربة دي لحد ما ييجي يكسر عليكي الباب ويحبسك؟ ولا هتوري الكل مين هي البنت اليتيمة اللي افتكروها مكسورة جناح؟”

الرد كان واضح في عقلي زي الشمس. الخطوة الأولى لازم تكون قانونية وطبية محكمة.

جمعت حاجتي، ولبست نظارة شمسية كبيرة تعمي الوش والورم اللي تحت عيني، ونزلت في الصباح الباكر من غير ما حد من الجيران ياخد باله. ركبت تاكسي وطلعت على مستشفى حكومي كبير بعيد عن المنطقة اللي شغاله فيها أو اللي فيها قسم جوزي.

دخلت استقبال الطوارئ. لما كشفت عن وشي وريت النظارة، النبطشي هناك (طبيب زميل) شهق من منظري:

— “إيه ده يا دكتورة؟ مين عمل فيكي كده؟ ده تعدي سافر!”

— “أنا عايزة أعمل تقرير طبي كامل بشرط الإثبات الفوري، توثيق كل الإدماءات والتمزقات والورم اللي في وشي ورأسي.”

التقرير اتعمل بدقة متناهية، والزميل كتب كل التفاصيل القانونية اللي تثبت إن الضرب ناتج عن اعتداء جسدي مباشر بأداة أو يد قوية، وبوقت محدد يطابق وقت الحادثة. التقرير ده كان هو الس\لاح الأول في إيدي، الورقة اللي هقطم بيها رقبته لو فكر يلعب معايا لعبة القوة أو يحاول يستغل نفوذه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *