حكايات زهره الربيع ٢
كنت أتهرب وأقوله: “مفيش يا حبيبي، الشغل ضاغط عليه شوية، وأنت عارف البيت من غيرك هادي. المهم أنت ترجع بالسلامة، منير كل يوم يسأل عليك.”
وفي اليوم الموعود، وصل أحمد مصر.
دخل من باب الشقة والشوق مالي عينيه، شايل ابنه منير بين إيديه وبيحضن أمه وأبوه. لكن الفرحة ما كملتش لحظات لحد ما عين أحمد لفت في الصالة ولمحت غياب عصام ومراته وبنتهم. الشقة كانت فاضية من حركتهم وضحكهم اللي كان مالي المكان.
قعد أحمد في الصالة بعد ما سلم علينا، وبص لأبوه وقال باستغراب: “أمال فين عصام يا أبا؟ ومنى والبنت؟ هي خالتي تعبانة ولا منى عند أهلها؟”
حمايا حط كباية الشاي من إيده، وبص لأحمد بنظرة ثقيلة جداً، وقال بصوت هادي بس مليان حزن: “ادخل غير هدومك يا أحمد، ارتاح من سفرك وتعبك، وبعد العشاء تقعد معايا في الصالة.. فيه كلام لازم يتقال.”
أحمد بص لي، وبعدين بص لأمه اللي وشت وشها الناحية الثانية وتحاشات تلافي عينيه. هنا أحمد فهم إن فيه مصيبة حصلت. دخل الأوضة وغير هدومه وهو ساكت، وكان بيتحرك زي النمر المحبوس في قفص. حاول يسألني جوة الأوضة: “سميرة.. فيه إيه؟ عصام جرى له حاجة؟ حد جراله حاجة؟”
سكت ونزلت رأسي في الأرض وقلت له: “اسمع من أبوك يا أحمد.. أبوك هو اللي عنده القول الفصل.”
بعد صلاة العشاء، قعدنا كلنا في الصالة: حمايا، وحماتي، وأحمد، وأنا. الجو كان مشحون بكهرباء متوترة.
بدأ حمايا الكلام من الأول خالص. حكى لأحمد عن تصرفات عصام القديمة، عن فتح الشنط وقعدته يقلب في الهدوم الخاصة والبرفانات، وعن السخافة والقلة الأدب اللي كان بيعملها قدام العيلة. حكاله عن الموقف اللي دخل فيه أبويا بالصدفة وشافه، وعن الهدية القفل والمراية اللي أبويا بعتهاله عشان يوقفه عند حده.
أحمد كان قاعد يسمع، وعروق رقبته بتنتفخ وتدق بشكل يرعب، إيديه كانت متكلبشة في إيد الكنبة لحد ما أطراف صوابعه بيضت من كثر الضغط.
وقال بصوت مكتوم زي الرعد: “كل ده يحصل؟ وكل ده وأنا برة زي الأطرش في الزفة؟ وأنت يا أبا ساكته؟ وأنتِ يا سميرة مخبية عليّ؟”
رد حمايا وقاله: “استنى يا أحمد.. التقيل لسه أختام. أنا سكت وسلكت عشان كنت فاكر إن الأصول هتربيه، لحد ما الشيطان ركبه للاخر.”