حكايات زهره الربيع ٢

عصام هنا انهار، قعد على ركبه في الأرض، وبدأ يعيط بصوت عالي ويبكي بحرقة: “حقك عليّ يا أحمد.. الشيطان غماني! الغل والغيرة قتلوني يا أخويا! شفتك بتكبر وتبعت وتعمل وأنا قاعد مكاني مش عارف أتحرك ولا أعمل حاجة، العظمة والفضول والغل عموا عينيا.. سامحني يا أخويا وحقك على رأسي، اضربني، افعل فيّ اللي أنت عايزه بس ما تتبرأش مني!”

أحمد بص له وهو على الركب، والنظرة اللي كانت في عين أحمد ما كانتش غضب، كانت خيبة أمل قاتلة. النظرة اللي بتيجي لما تتطعن من أطهر مكان كنت فاكره أمانك.

أحمد توطى جاب كيس القطيفة اللي فيه الدهب والفلوس، وحطه في إيد حمايا، وبعدين بص لعصام وقال له بكلمات نزل زي الصاعقة:

“الفلوس والدهب رجعوا.. بس الستر اللي اتكشف ما بيرجعش يا عصام. والكرامة اللي أتهانت والرجولة اللي اتكسرت في غيابي مفيش فلوس الدنيا كلها تقدر تصلحها. أنت أخويا على الورق وبس، وأنا مش هرفع إيدي عليك عشان خاطر شيبة أبونا ودم أمنا اللي جري في عروقنا.. بس من النهاردة، أنت بالنسبة لي زي الغريب. لو شفتك في الشارع مش هسلم عليك، ولو دخلت مكان أنا فيه تخرج منه.”

التفت أحمد لأبوه وقال له: “يا أبا، أنا هنسحب من البيت ده. أنا هاخد مراتي وابني ونأجر شقة برة لحد ما نجيب شقتنا. البيت ده خلاص، جدرانه بقت شايلة ذكريات توجع، وكل ركن فيه بيفكرني بالخيانات.”

حمايا حاجة في قلبه اتكسرت، بس ما قدرش يعارض أحمد، لأنه عارف إن أحمد معاه كل الحق، وإن الجرح أعمق من إن أي اعتذار يداويه.

عصام قام من على الأرض، يجر خيبته وعاره، وخرج من البيت وهو عارف إنه خسر كل حاجة: خسر أخوه، خسر احترام أبوه وأمه، وخسر هيبته قدام العيلة كلها بسبب لحظات طمع وغيرة ودناءة نفس.

وبعد أسبوع واحد، كنا بنعبي شنطنا أنا وأحمد وابننا منير عشان ننقل لشقتنا الجديدة. شقة صغيرة وبسيطة، بس كانت بالنسبة لي أحسن وأطهر من أي قصر. وأحنا بنقفل شنطنا، مسك أحمد إيدي وبص لي وقال: “سامحيني يا سميرة.. شيلتك هم فوق طاقتك وأنتِ لوحدك، وعشتي أيام متوترة بسبب حمايتي اللي كانت ناقصة.”

رديت عليه وأنا بحضنه: “أنت كفيت ووفيت يا أحمد، وربنا يخليك ليا ولابنك، والمهم إننا مع بعض، وإن الأصول في الآخر هي اللي انتصرت.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *