بعد وفاه ابوياوامي حكايات نور محمد١

والصمت رجع يخيم على الشقة، بس المرادي كان صمت تقيل.. صمت النهاية.
عمر كان قاعد مكانه زي الصنم، مصدوم، حلمه اللي كان بيبنيه على الكدب والمظاهر اتهد فوق دماغه في ثواني. فجأة، قام وقف وبدأ يزعق بهيستريا ودموعه بتنزل
ليه عملتي كده؟! ليه دمرتيلي حياتي؟! ارتحتي لما فضحتيني وبوظتي الجوازة؟ أنا بكرهك! بكرهك!
وقفت قدامه، ما عيطتش، ولا رمشت حتى، بصتله ببرود الدنيا وقولتله
أنا ما دمرتش حياتك يا عمر، كدبك وعقدة النقص اللي جواك هما اللي دمروك. أنت اللي اخترت تبني صورتك على وهم، وأنا بس شيلت الستارة. أما بالنسبة لكرهك ليا.. فده مبقاش يفرق معايا.

أنا خلصت رسالتي معاك، ودفعت دين أبويا وأمي.. ومن اللحظة دي، أنا ماليش أخ اسمه عمر،
وأنت مالكش أخت.. اتفضل لم هدومك
واطلع بره البيت ده، البيت ده بتاع ندى اللي شقيت فيه، مش بتاع البيه الدكتور اللي بيستعر منها.
عمر اتصدم من ردي، كان متخيل إني هعيط وأطبطب عليه زي كل مرة بيغلط فيها، بس المرادي الكسر كان في الروح، والروح لما بتتكسر مابتتصلحش. شاف الجمود في عينيا، عرف إن الكلام خلص. دخل أوضته، لم هدومه في شنطة، وخرج من غير ولا كلمة، رمى المفتاح على الترابيزة، وقفل الباب وراه.
مرت الأيام والشهور..

حياتي بعد اليوم ده اتغيرت تماماً. فجأة حسيت إن الحمل اللي كان قاسم ضهري انزاح. بدأت أركز مع نفسي لأول مرة من ١٨ سنة. الفلوس اللي كنت بحطها في جيب عمر، بقيت أطور بيها شغلي. كبرت مشغل الخياطة الصغير بتاعي، واشتريت مكن جديد، وشغلت معايا بنات من الحتة محتاجين الشغل.
ربنا فتحها عليا من وسع، رزق ما كنتش أتخيله. سمعتي في الشغل كبرت، وبقيت بصمم فساتين ولبس بيتباع في محلات كبيرة. ضهري اللي كان متقوس اتفرد، وشي اللي كان مطفي رجعله شبابه، حسيت إني بدأت أعيش سني الحقيقي.
أما المفاجأة الأكبر، فكانت بعد حوالي سنة من الواقعة دي.

لقيت
تليفون بيجيلي من الدكتور رفعت! استغربت جداً، بس رديت باحترام. طلب يقابلني، ولما قابلته لقيته جايب معاه راجل محترم جداً، في أواخر الأربعينات، اسمه المهندس محمود، أخو الدكتور رفعت الصغير.
محمود كان راجل أرمل، عصامي، بنى نفسه بنفسه، والدكتور رفعت حكاله قصتي من يوم الزيارة المشئومة، ومهندس محمود أُعجب جداً بشخصيتي وكفاحي وطلب إيدي. في الأول كنت رافضة فكرة الجواز تماماً، بس محمود أثبتلي بمواقفه إنه راجل بجد، راجل يقدر التعب ويحترم الست الأصيلة. وافقت، واتجوزنا، وعشت معاه أجمل أيام عمري، عوضني عن كل يوم شقى وتعب، وكان بيعاملني كأني ملكة.
أما عمر..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *